البورنوغرفي

broadly gender photos

حريات

البورنوغرافي وحكايات العالم الذي لا نعرفه

ترى الكثير من النساء أن أفلام البورنو التقليدية هي تجسيد للمتعة الذكورية فقط وليس لمتعة الأنثى
29.4.19

قبل الحديث عن البورنوغرافي، دعوني أروي لكم قصة شخصية جدًا مازال أثرها يشوه أجزاءً من ذاتي حتى اليوم. في المرحلة الإعدادية، داخل مدرستي الحكومية، دخل علينا مدرس اللغة العربية، الذي كان مُدرسـًا لمادة التربية الدينية أيضاً، وقرر ألا يتحدث في أمر لغوي أو ديني يتعلق بالمنهج، وقال لنا: هنتكلم النهارده عن حاجة شخصية لها علاقة بالبلوغ.

كنتُ في هذا الوقت أتحسس ملامح جسدي الذي ينضج، ووجهي الذي بدأت بصيلات الشعر تنبت فيه، وصوتي الذي أصبح أكثر خشونة. لم أشعر بالراحة أن الرجل الذي تبدو عليه الحكمة سوف يتحدث معنا في أمر مثل هذا، لكنني في نفس الوقت أصغيت بشدة حتى أعرف ماذا يمتلك هذا الرجل من معلومات قد تضيء لي الطريق. "العادة السرية" هكذا بدأ كلماته، لم أفهم ماذا يقصد، ثم بدأ يُعدد المساوئ الناتجة عن هذا الفعل المشين الذي لا يقبله الدين. ثم وقف في منتصف الغرفة في مشهد مسرحي مُخيف وقال: "إنتوا عارفين عقوبة العادة السرية أيه عند ربنا؟ اللي بيعمل كده كأنه نكح أمه في الكعبة."

إعلان

قد تظنون أنني أمزح معكم، لكن هذه الكلمات وصورة الرجل بشاربه الكثيف مازالت حاضرة أمامي، وكأنها شريط سينمائي يومي يتكرر دون انقطاع أو توقف. ظلت هذه العقوبة حاجزًا بيني وبين جسدي، كنت أكرهه، لا أستطيع تقبله، حتى نهاية المرحلة الجامعية، كيف لهذا الجسد أن يقوم بهذه الفعلة البشعة، ويلوث علاقتي بأمي؟ لم أكن أجرؤ على فتح هذا الأمر مع أي شخص مهما كان قريباً مني. حتى جاء يوم، تحدث معي صديق وسألني: هل تشاهد أفلام البورنو؟ لم أفهم، فحاول هذا الصديق أن يشرح لي معنى الكلمة أولًا (بورنو)، وماذا يشاهد في هذه الأفلام، وما أنواعها؟ لا أخفيكم سرًا فقد شعرت بخوف شديد تختلط فيه أحاسيس الاشمئزاز والاحتقار لمن يقومون بهذا الأمر. بعد ذلك بأيام وجدت هذا الصديق يشاهد فيلماً من هذه الأفلام ودعاني للمشاهدة معه من أجل المعرفة وبعد ذلك يمكنني أن أقرر موقفي تجاه الأمر كله.

تاريخ ممتد من البورنوغرافي
البورنوغرافي تعتبر واحدة من أكثر الصناعات نمواً حول العالم فأرباحها تصل لما يقرب من 97 مليار دولار أمريكي. وإذا افترضنا أن هذا الرقم مبالغ فيه، فهناك تقدير يرى أن الأرباح تصل لحوالي 15 مليار دولار في السنة وهو ما يتخطى أرباح مؤسسات كبرى مثل نتفليكس 11.7 مليار دولار وأرباح هوليوود 11 مليار دولار أمريكي.

هيو هيفنر، مؤسس مجلة بلاي بوي -وهي واحدة من أشهر مجلات البورنوغرافي في العالم، وقد صدرت عام 1953 - كتب تعليقاً في العدد الافتتاحي للمجلة يوضح رؤيته لعالم البورنوغرافيا: "لو كنتَ رجلًا ما بين 18 و80 عاماً، إذًا بلاي بوي هي من أجلك … نحن نريد الأمور واضحة من البداية، نحن لسنا مجلة عائلية، لو كنتِ أخت أو زوجة أو حماة لأحد الرجال ووجدتي هذه المجلة بالخطأ، رجاءً أعطيها للرجل الموجود في حياتك ثم عودي للمكان الذي تجلس فيه النساء."

إعلان

من خلال تعليق هيفنر، يمكن ملاحظة أن مؤسس المجلة تعامل مع الرغبات الجنسية أنها ذكورية فقط، وأن رغبات النساء ليست موجودة، وإن وُجدت فهي بالتأكيد لن تكون في إطار هذه المجلة. بمعنى آخر، لم يفكر هيفنر أن امرأة يمكن لها أن تستمتع بمشاهدة صور البورنو لنساء أخريات، وأن متعتها الوحيدة سوف تكون فقط عند مشاهدتها لأجساد الرجال العارية.

عربياً، أظهرت إحصائية في عام 2017 أن العراق ومصر ضمن أكثر 10 دول تشاهد مواقع البورنو حول العالم

المثير للاهتمام أن مجلة أخرى ظهرت في عام 1973- وهي مرحلة تاريخية شهدت فيها الحركة النسوية نشاطـًا كبيرًا حيث الموجة الثانية من الـ Feminist movement، وهي مجلة بلاي جيرل التي تم توجيهها للنساء بشكل أساسي من خلال صور الرجال العارية، والتي لاقت اهتماماً أيضـًا في دنيا المثليين، مما يدعم الفرضية التي ترى أن الرجال ليسوا عالماً واحدًا فداخلهم عوالم أخرى، وأن الأمر في النهاية يتعلق بتفضيلات فردية شخصية، فكيف يستطيع البعض أن يضع كل النساء في سلة واحدة، ومن اعتبر أن النساء كيان واحد، ونفس الأمر ينطبق على الرجال. وهنا لن أتطرق أن الهُويات الجنسية والجندرية تتخطى الثنائية التقليدية، ذكر وأنثى، وبالتالي فهناك تفضيلات جنسية تتخطى اهتمام الأنثى بالذكر والعكس.

ربما تظن أن الأمر توقف عند المجلات، بالطبع لا، صناعة البورنوغرافي تحولت لدنيا الفيديو، وأصبحت شرائط الـ VHS، مرجعـًا مهماً للكثيرين، وهنا يمكنني أن أشير لـ فيلم Boogie Nights، الذي قد يرسم لنا صورة عن عالم صناعة البورنوغرافي الولايات المتحدة، وإن كانت صورة غير وثائقية، إلا أنها مهمة في تصور هذا العالم.

انتقل الجنس بعد ذلك لشبكة الإنترنت، وأطلق عليه بعض الباحثين (Cybersex)، وأشارت دراسة صادرة عام 1997 أن هناك حوالي 2 مليون شخص يدمنون الجنس على الإنترنت، مما يعني أن هذا العدد تضاعف خلال العقدين التاليين في ظل الثورة التكنولوجية الهائلة وسيل المعلومات الذي يحيط بنا من خلال مواقع الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي. عربياً، أظهرت إحصائية في عام 2017 أن العراق ومصر ضمن أكثر 10 دول تشاهد مواقع البورنو حول العالم. لقد صارت المعرفة تطاردنا بعد أن كان الأمر مقصورًا على مصادر محدودة من المعلومات قبل ذلك. فما قد يتيحه البورنو من معلومات قد لا نعرفها عن الجنس قد يبدو صادماً للكثيرين، خاصة عندما نعلم أن هناك فئات أفلام رسوم متحركة إباحية (الهنتاي) والتي تحظى بجمهور كبير حول العالم أو أن هناك أفلام بورنو نشاهد فيها إنسان يمارس الجنس مع حيوان Bestiality وعوالم أخرى قد يبدو التفكير فيها خيالاً لبعضنا.

لماذا نشاهد البورنو؟
يحصل عالم البورنوغرفي على اهتمام كبير من الباحثين، لأنه يرتبط بشكل مباشر بمحاولة فهم (الجندر)، وكيف نقوم برؤية أجسادنا واهتماماتنا الجنسية. هناك اتجاه يرى أن مشاهدة البورنو تضر بالبشر وتجعلهم يفقدون انسانيتهم ويتحولون لحيوانات، وهناك اتجاه آخر يعتبر أن مشاهدته تساعد تحرير البشر من القيود التي صنعتها السلطة الأبوية.

هناك آراء تفسر الأمر انطلاقاً من الضغط النفسي ومحاولة الهروب من الواقع، أو الاكتئاب، أو الوحدة، وليس بهدف الاستمتاع وهذا هو الرأي الآخر الذي يفسر المشاهدة على أن المتعة من ضمن الأهداف، كذلك التعلم والمعرفة، وهذا ما ظهر من خلال دراسة تم إجراؤها في عام 2015 على 2,500 طالب بالمملكة المتحدة.

ترى بعض النساء أن أفلام الذكر والأنثى هي تجسيد للمتعة الذكورية وليس لمتعة الأنثى التي تظهر في فيديوهات النساء معاً

ويرى بعض آخر أن هذا مشاهدة الجنس على (الواقع الافتراضي/الإنترنت) قد يبدو مفيدًا لمن مروا بتجارب جنسية سيئة في الواقع غير الافتراضي، كذلك مشاهدة الجنس على الإنترنت تحمي الأشخاص من الشعور بالعار لأن أي شخص يمكنه أن يدخل ببريد إلكتروني مستعار، دون معرفة هُويته/ا الحقيقية، مما يضمن له/ا الحماية والشعور بالأمان. هذه الآراء تُعد بُرهانًا على ما نشره موقع Pornhub منذ أشهر قليلة حول مشاهدات البورنوغرافي حول العالم لعام 2018. والملفت للنظر في خريطة Pornhub أن الكثير من نساء العالم يشاهدن فيديوهات البورنوغرافي بين المثليات جنسياً Lesbians، وقد كانت مصر والسعودية ضمن هذه الدول، كذلك سوريا والأردن ولبنان وفلسطين والمغرب. إحدى الصديقات رأت الخريطة التي نشرها الموقع، وقالت لي: ده له تفسير منطقي لأن الرجالة مش قادرين يفهموا احتياجات الستات.

بعض النساء اللواتي تشاهدن البورنو ترين أن مشاهدة الأفلام الإباحية بين أنثى وذكر يبدو قاسياً، كما أن الصورة الذكورية عن الجنس ليست مثيرة جنسياً بل تبدو مثيرة للخوف. كذلك ترى نساء أخريات أن أفلام الذكر والأنثى هي تجسيد للمتعة الذكورية وليس لمتعة الأنثى التي تظهر في فيديوهات النساء معاً، ففي هذه الأفلام يمكن للمرأة أن ترى ذاتها، في حين أن الأفلام الأخرى سوف تكون صورة الرجل حول ذاته أو تجاه المرأة هي الطاغية فيما يُعرف بالـ Male Gaze.

كذلك فالبورنو النسائي يبدو أكثر حميمية وبطء بالنسبة لعدد من النساء، أما البورنو الذكوري فهو أكثر سرعة وخشونة. وهذا يمكن تفسيره فيما يتعلق بحالة النشوة التي يصل لها الذكور والإناث، فالحميمية والبطء تتعلق بالنساء اللاتي يحتجن وقتاً أطول من الرجال للوصول للـ Orgasm. جزء آخر في التفسير يخص علاقة الأنثى بالذكر حول المتعة الجنسية، فالأنثى قد تخجل من مصارحة زوجها أو صديقها بما يمتعها جنسياً، في حين أنها قد تجد هذه المتعة متجسدة أمامها دون حواجز أو قيود من خلال فيديو تمارس فيه النساء الجنس في ظل وجود معرفة من الطرفين (نساء) بحاجة كل واحدة منهما تجاه الأخرى.

نتحدث عن الفضيلة والقيم والزواج الذي يمنحنا العفة، ويبتعد بنا عن الوقوع في المعصية، ثم نذهب لنشاهد البورنو وراء الجدران وأمام الشاشات الصغيرة

ربما ما لم يفكر فيه بعض منا أن البورنو ليس مقصورًا على الذكور بل هو للإناث كذلك، وأن الإناث قد تشاهدن البورنو في صيغ أخرى غير الصيغة التقليدية -علاقة heterosexual بين ذكر وأنثى، فربما تكون العلاقة بين أي كائنات أخرى بشرية أو غير بشرية. ربما ظننا أن هناك صورة واحدة للبورنو، وليست صورًا متعددة، وغالباً هي صورة مرتبطة بعالم الذكور الذي يصنع البورنو من أجل الذكور في معظم الأحيان، مثله مثل السينما التي نشاهدها في كل العالم، فهوليوود يسيطر عليها الذكور، كذلك باقي الفنون في غالبها صنعها الذكور وقدموا رؤاهم عن النساء في أعمالهم الفنية ولم يعرفوا حقـًا ماذا تريد النساء؟

تاريخيـاً، كانت ثنائية (الزوجة- العاهرة)، Madonna-Whore Dichotomy، هي الطريقة التي يرى بها الذكور العالم الآخر، عالم النساء، فالمرأة إما أن تكون زوجة شريفة، سيدة يمكن أن تضع ذراعها في ذراعه عندما يواجهون العالم، سيدة تربي أولاده، مادونا. أو أن تكون امرأة ذات سمعة سيئة، يمكنه مضاجعتها من وراء الجدران الحمراء، ويحقق معها كل الخيالات الجنسية والرغبات المكبوتة التي لا يستطيع أن يبوح بها لزوجته. هذه الثنائية نعيش معها في عالم البورنوغرافي والـCybersex. نتحدث عن الفضيلة والقيم والزواج الذي يمنحنا العفة، ويبتعد بنا عن الوقوع في المعصية، ثم نذهب لنشاهد البورنو وراء الجدران وأمام الشاشات الصغيرة.

ربما يكون للدين دور في ذلك، أو بمعنى أدق تفسيرنا للدين، فكما شوه ذلك المعلم رؤيتي لجسدي، يشوه المجتمع بأفكاره وأحكامه المتطرفة علاقتنا بفكرة المتعة الجسدية التي خُلقت معنا، فنجد الملاذ في كثير من الأحيان داخل صورة أو فيديو بدلاً من الحديث مع مَنْ نحبهم عن رغباتنا وأحلامنا، فتتحول المتعة إلى كابوس.