رأي

أحمد الزعبي: الطفل السوري الذي قتلته شوارع بيروت الضيقة

أليست مخصصات صناديق الزكاة للمحتاجين أصلاً؟
2019 يناير 24, 9:08am
سوريا لجوء لبنان

أحمد الزعبي

غادر أحمد الزعبي، الطفل السوري الذي يبلغ من العمر أربعة عشر عاماً، والذي يعمل ماسح أحذية متواضع في شوارع بيروت، غادر هذه المدينة وهذه الحياة على عجل دون سابق إنذار أو تصميم، وعلى الأرجح دون أن يعرف حتى.

انتشر منذ أيام فيديو أثار موجة جدلٍ على شبكات التواصل في لبنان، يُظهر مطاردة غير متكافئة بين عناصر يرتدون زياً رسمياً (تبين لاحقاً أنهم عناصر من أمن بلدية بيروت) وصبيّ صغير غير واضح المعالم، يتنقل بسرعة من زاوية إلى أُخرى، ليختفي بين الأبنية لاحقاً بحسب ما وثقته كاميرات مراقبة مسجد السلام، ولو بشكل مجتزأ، كما قال البعض. خبر أعاد موجة التوتر إلى الواجهة والتي عززها أيضاً قيام بعض الشبان في منطقة عرسال البقاعية بتكسير واجهات محال تجارية يملكها سوريون في المنطقة، بالإضافة إلى انتشار فيديو لرجل يقوم بطرد عائلة سورية من خيمتها في إحدى مخيمات البقاع بسبب عدم قدرتهم على تسديد أجرة الأرض التي نصبوا عليها منزلهم المؤقت.

بالعودة إلى مطاردة أحمد، سببها كان الاشتباه بتورطه في سرقة أحد صناديق الزكاة في منطقة محاذية وأنه توفي لاحقاً اثر سقوطه في منور احد الأبنية بعيداً من مكان تصوير المطاردة، بحسب رواية بلدية بيروت. ولكن أكد أحد أقاربه عدم صحته خلال ظهوره في مقابلة تلفزيونية قصيرة على إحدى المحطات التلفزيونية المحلية أن رواية البلدية غير صحيحة حيث قال أنه (قريب أحمد) عمد إلى تفتيش جيوب أحمد بنفسه بعد سحب جثته من فتحة التهوئة ووجد فيها 11 عشر ألف ليرة لبنانية (أي ما يوازي السبع دولارات) فقط. وأظهر تحقيق قوى الأمن أن الزعبي سقط في حفرة عمقها 6 طبقات، وتوفي على الفور نتيجة ارتطام رأسه بعنف.

هل عَلِم عناصر البلدية بسقوطه أثناء المطاردة وتركوه؟

ولكن لنفرض جدلاً أن أحمد المحتاج سرق مبلغاً مالياً من صندوق زكاة (وهو أمر مستبعد لأن صناديق الزكاة في بيروت مثبتة بجنازير حديدية ويقع معظمها بالقرب من مبانٍ فيها عناصر حراسة خاصة)، ولكن لنفرض جدلاً أنه سرقها، أوليس ذلك المال من حقه؟ أليست مخصصات صناديق الزكاة للمحتاجين أصلاً؟ ولو سرق أحمد 10 صناديق، لن توازي محتوياتها ما قام أصحاب الأموال والدولة اللبنانية بسرقته من جيوب اللبنانيين منذ سنوات حتى اليوم. الفقير في لبنان يسترجع ببساطة ما فشلت الدولة بتأمينه له في "بلد لا يملك ميزانية حتى" بحسب تصريح وزير الخارجية اللبناني الأخير لشبكة سي إن إن الأميركية.

1548312042826-48076045_10156191680387568_3662093990804586496_n-1

صورة صندوق الزكاة (عبر فيسبوك وصفحة الصحافي توم زولنير)

استمر عناصر البلدية بعملية البحث والتقصي دقائقٍ قليلة، قبل أن يخرجوا من أحد المباني على عجل، ركبوا سيارتهم وغادروا الموقع دون أن يلتفتوا حتى، بحسب الفيديو. بعض الروايات تقول أن ما يظهره الفيديو مجتزأ، وأن مسجد السلام رفض تزويد أهل أحمد الزعبي بما تبقى من الفيديو الذي يظهر -بحسب تلك المصادر- عودة سيارة البلدية إلى الزقاق نفسه بعد ساعات، قبل أن تغادر مجدداً، ولكن لا تأكيدات حتى الساعة والقوى الأمنية تطلب من الجميع التروي وانتظار نتائج التحقيقات - فهل علم عناصر البلدية بسقوطه أثناء المطاردة وتركوه؟

الامتعاض والاعتراض الذي لاقته قصة أحمد على شبكات التواصل قابله بيان "فيسبوكي" خجول من بلدية بيروت التي حاولت التملص من المسؤولية علناً، فيما عمد الإعلام اللبناني إلى التروي هذه المرة، فلم نسمع -كما جرت العادة- خطاب تحريض وتبرير، لم تظهر شخصيات سياسية لتذكرنا بأن "السوريين سرقوا من اللبناني فرص العمل" – بل ختمت معظم نشرات الأخبار تقاريرها بجملة "بانتظار نتائج التحقيقات."

تصعب عدم مقارنة قصة أحمد الزعبي بقصة زين الرفاعي وفيلم كفرناحوم للمخرجة نادين لبكي، على الرغم من أن زين لعب دور صبي لبناني في الفيلم، إلا أنه في الحقيقة لاجىء سوري فر مع عائلته من درعا عام 2012. عاش زين ما يقارب الست سنوات في مخيمات اللاجئين بلبنان من دون أن تتاح له أبسط مقومات الحياة. ولكن زين كان محظوظاً، فقد تعرف عليه فريق المخرجة لبكي في شوارع بيروت وتغيرت حياته فجأة بعد اختيار المخرجة له بطلاً لفيلمها "كفرناحوم." زين نفسه كان بياع عصير وعلكة، متسول أحياناً وربما ماسح أحذية أيضاً.

أحمد، بعكس زين، لم يكن محظوظاً ولكنه كان بالتأكيد محبوباً لأنه بعد انتشار خبر وفاته وصوره على فيسبوك، تداول عدد كبير من المارة روايات عنه وعن روح فكاهته وشخصيته المرحة، الفذّة بعض الشيء أحياناً، والغارقة في أفكار كثيرة "أكبر من عمره."

على كلٍ يا جماعة، ستودع بيروت أحمد الزعبي، ماسح الأحذية غير المحظوظ، بمسيرة صامتة يوم الجمعة، تتجه من شوارع بيروت لتصل إلى أمام أبواب بلدية بيروت. بعكس زين، أحمد غادر لبنان عائداً إلى سوريا وقريته درعا – التي يتشاركها مع زين، غادر لبنان محملاً في تابوت إلى مثواه الأخير، بينما زين، غادر لبنان إلى النرويج مع عائلته، في طائرة إلى منزله ووطنه الجديد.

يبدو أن فحوى وزبدة فيلم "كفرناحوم" وصلت فقط إلى نخبة اللبنانيين، إلى اللبنانيين المغتربين، إلى طلاب الجامعات والأساتذة ومحبي السينما، ولكنها لم تصل بالتأكيد إلى رجال الأمن، أو عناصر البلدية، أو الأهل الذين لا حول لهم ولا قوة إلا إرسال أولادهم إلى شوارع هذه المدينة. وإن حصل ووصلت رسالة "كفرناحوم" صدفةً إلى أي قاضٍ من القضاة في لبنان، أتمنى أن يتكفل/تتكفل بنفسه/ا متابعة وفاة الطفل أحمد، كي لا يكون موته رخيصاً، كموت أطفال كثر غيره - برداً في المخيمات أو عجزاً على أبواب المستشفيات - وكي يحصد لبنان جائزة أوسكار إنسانية حقيقية هذه المرة، ولو لمرة واحدة فقط، بعيداً عن هوليوود، على الرغم من أن كل جوائز العالم لن تعيد ماسح الأحذية الصغير لعائلته.