FYI.

This story is over 5 years old.

سفر

ما تعلمته من قضاء سنة دراسية في الخارج

تستطيع في الواقع، على الرغم من غرابة الأمر بالنسبة للأردنيين، أن تنظر وتبتسم إلى الغرباء في الأماكن العامة
محطة القطارات في فرانكفورت- تصوير فرح زغموت

بعدَ حزمِ الأمتعة وشراءِ تذاكرِ السفر، والتحققِ من جواز السفر وجميع الأوراق اللازمة، و توديع الأهل والأصدقاء والوصول إلى المطار، وفي اللحظة التي ستدخل باب الطائرة سيختفي الإحساس بالإثارة وسيحل محله شعور بالخوف يتضارب مع شعور بالمغامرة. فجأة ستنتبه الى أنك وحيد مجرد ساعاتٍ فقط وستجدَ نفسكَ في بلدٍ غريبٍ، حيث لا تعرف أحدًا وحيث يتكلم السكّان بلغةٍ بالكاد تتقنها.

هذه المشاعر المتضاربة سيطرت على تفكيري خلال رحلتي الأولى إلى ألمانيا لدراسة ماجستير اللغة الألمانية كلغة ثانية. كنت في العشرين من عمري عندما تركت دفء العائلة في الأردن ووجدت نفسي وحيداً في مدينة ماربورغ، مدينة صغيرة تبعد حوالي 45 دقيقة عن فرانكفورت. لك أن تتخيل وضعي في الأيام الأولى في بداية شهر سبتمبر. تعلمت الكثير خلال هذه التجربة ولكن لم يكن الأمر بتلك بسهولة، عندك سفرة قريبة؟ لمصلحتك اقرأ هذا الدليل وإدعيلي.

إعلان

وسائل النقل "أعزائي المسافرين، سنصل بعد عشر دقائق إلى وجهتنا، يرجى ربط الأحزمة استعدادًا للهبوط،" قالها أخيرًا، الإحدى عشر كلمة التي ينتظر سماعها جميع المسافرين منذ إقلاع الطائرة قبل 70 ساعة (أو على الأقل ما بدت كأنها 70 ساعة). ستهبط الآن الطائرة في هذا البلد الغريب وتبقت مجرد ساعات قبل الوصول إلى المنزل الجديد والاستلقاء على السرير الجديد والاستراحة. كان هذا على الأقل ما اعتقدته عند هبوط طائرتي في مطار فرانكفورت (أكبر مطارات أوروبا)، لكن سرعان ما اكتشفت أنّي سأقضي على الأقل 3 ساعات أبحث عن شباك التذاكر وبعدها عن القطار المتجه إلى وسط المدينة. في مثل هذه الحالات أنصحك أن لا تصاب بالذعر، استرح قليلًا، خذ نفسًأ عميقًا، وابدأ رحلة الاستكشاف، فالساعات القادمة تحوي أهم مرحلة من قضاء أي عام دراسي في الخارج، الآن حان وقت اكتشاف كيفيّة عمل وسائل النقل في البلد الغريب.

لا يعد هذا الاكتشاف صعبًا جدًا، فتقع درجة صعوبته تقريبًا ما بين اختراع القنبلة الذرية واكتشاف كيفيّة عمل الكون. يُرجّح في أغلب الأحيان حدوث إحدى السيناريوهات التالية: ركوب القطار الخاطئ ستّة مرات على الأقل، الوصول إلى ثلاث مدن خاطئة قبل الوصول إلى المدينة الصحيحة، عدم القدرة على فهم الإرشادات المقدمة لك بلغة استخدمتها في حياتك فقط للخروج من المحاضرة إلى الحَمام، أو جميع ما ذكر. في جميع الأحوال يجب تفادي القلق، فعدم فهم وسائل النقل في بلدٍ غريب يُعد أمرًا طبيعيًا، فأنت لن تفهمها كليًا قبل مضي ثلاثة أشهر على الأقل (طبعاً هذا إن كنت محظوظًاً). لكن الأهم أن تفكر بالتجربة كلها كمغامرة، فأخذ القطار الخاطئ إلى بلدةٍ صغيرةٍ غريبة هو جزء طبيعي من هذه المغامرة، حتى وإن حدث ذلك لك كلّما حاولت الذهاب من مدينةٍ لأخرى (لم يحصل ذلك معي.. أبدًا.. لا.. لنذهب إلى النقطة التالية).

إعلان

السفر وحيدًا
قد حالفني الحظ في حياتي وسنحت لي الفرصة لقضاء فصل دراسي في ألمانيا مرتين خلال أعوام دراستي. أخطأت في المرةِ الأولى بسبب خوفي من الذهاب وحيدًا وذهبت مع مجموعة من الأصدقاء. يخاف أغلب الأشخاص قبل السفر من الوحدة، وهذا أمرٌ طبيعي، لكنّه غير صحيح بالضرورة. نعم، وجود صديق أو أصدقاء معك من بلدك يخلق نوعًا من الألفة، لكن هذه الألفة ذاتها قاتلة، فما حاجتك لأحمد الجالس في وجهك من الصباح إلى المساء؟ وما حاجتك لسماع مشكلة علي مع صديقته وغيرتها عليه وأنت في الأصل تحاول الهرب من هذه الأمور جميعها؟

يعد وجود الأصدقاء، على الرغم من الراحة النفسية المرافقة له، أمرًا يحد من إمكانية الاستفادة الكاملة من هذه المغامرة. ستجد نفسك بعد بضعة أسابيع جالسًا يومًا بعد يوم في محلات الأراجيل العربية نفسها مع أحمد نفسه، ويمضي العام الدراسي في قهوة "أبو لولو" فرع ألمانيا. تعود بعد ذلك إلى بلدك، لا تحمل معك إلّا ذكريات محل الفلافل التركي ونرجيلة مسعود التي كلفّت ثلاثة أضعاف سعرها الأصلي. نصيحتي: يُفضَّل الخروج من أجواء البلد الأم ونسيان أسلوب الحياة السابق. اذهب وحيدًا وافعل كل ما تشاء، فكما يقول المثل الأردني "البلد اللي ما إلك فيه… شمّر و(أخرِج) فيه."

اخرج من منطقة الراحة
يعرّف موقع ويكيبيديا منطقة الراحة على أنها "حالة سلوكية يمارسها الشخص بلا توتر أو خطر بسبب اعتياده على ممارستها ضمن إطار روتيني محدد. ينتج عن هذا الروتين تكيّف ذهني يعطي الشخص شعورا غير واقعي بالأمان وفي نفس الوقت يحد من قدرته على التقدم والإبداع." ترتبط هذه النقطة بالنسبة لي مع النقطة السابقة لها، فلولا ذهابي وحيدًا في المرةِ الثانية، ما كنت اضطررت للخروج من منطقة الراحة التي كنت أسيرًا لها وما كنت قمت بجميع الأمور التي كنت أعتقد أنها مخيفة.

إعلان

قد يكون الروتين أمرًا قاتلًا، على الرغم من أنه يبدو مريحًا في بادئ الأمر، فمن لا يفضِّل (فطريًا) قضاء اليوم في غرفته على سريرٍ كبيرٍ مريح، علبة المشروبات الغازية في يد والمسلسل المفضل على شاشة التلفاز، لكن الحياة هي كل ما يحدث خارج تلك الغرفة وانت ملقيّ على السرير. لا تقضِ أيامك جالسًا بين أربع جدران أمام شاشة الحاسوب. لا ترتعب من فكرة القيام بأمرٍ جديد، ربما رحلة من دون سابق ترتيب أو القفز الحر أو اقتناء قرد. ابحث عن الأمور التي تُرعبك وقم بها. لا تكن "تنبلًا" (كسولاً) فأنت الآن طالب ولن تبقى طالبًا إلى الأبد.

ابتسم
أعيش في الأردن (اعرف ما الذي خَطر ببالك) ويُعرف عن الأردنيين عادةً بأننا شعبٌ كشريّ (هذا ما خطر ببالك، اعترف) لذا كانت هذه النقطة من أكبر مشاكلي خلال الأشهر التي قضيتها في الخارج، فكلمّا أردت الابتسام، تذكرت العديد من الجمل، مثل "مضيّع بوجهي بريزة؟" "ليش بتضحك مثل المهرج؟" "شو شايفني مُهرج قدامك؟"

في أحيان كثيرة يجد العربي في أغلب الدول العربية صعوبة بالنظر إلى شخصٍ آخر والابتسامة له لمدة تزيد عن ثواني، فغالبًا ما يؤدي ذلك إلى عراك أو على الأقل إلى سماع جملة غير لطيفة. ذلك إن كان الشخص ذكرأً، أما إذا كانت أنثى، فهنا تدخل تفاصيل الشرف والعادات والتقاليد والدين وأبناء العم وأبناء الخال والأعمام والوالد والأخ والصديق وابن الجيران وابن أبو مصطفى صاحب البقالة… في الموضوع.

تستطيع في الواقع (على الرغم من غرابة الأمر بالنسبة للأردنيين) النظر والابتسامة إلى الغرباء في الأماكن العامة في أغلب الدول الأجنبية. قد يخالف هذا كلّ ما تعلمته منذ صغرك، لكن للأسف، حياتك كانت مجرد كذبة. ابتسم إلى الشخص الجالس بجانبك في القطار أو في كافتيريا الجامعة أو على حفّة الرصيف او في طابور دورة المياه، ابدأ معه الحديث، اسأله عن بلده، ماذا يَحلمو وإن كان يُحب السياسة أو الفلسفة، وحدِّق إلى مؤخرة رأسه لمدة لا تقل عن نصف ساعة. لا نستطيع نحن البشر الاعتراف بذلك، لكن يوجد بيننا العديد من الأمور المشتركة.

إعلان

ابتعد عن "يا له من يومٍ جميل"، "كيف حالك؟"
"يا له من يومٍ جميل،" "كيف حالك؟" "ماذا فعلت اليوم؟" تملك هذه الجمل جميعها أمرًا واحدًا مشتركًا، ألا وهي أنها مملة إلى درجة قد تقتلك (أعني ما أقول، يمكن أن تموت من الممل). إن كان بالفعل يومًا جميلًا، فلا أحد ينتظرك أن تخبره بذلك. إن رأيت صديقًا مريضًا وعلى وشك أن يعطس أمعاءه، فأنت ترى كيف حاله ولست بحاجة إلى سؤاله ذلك. قتلتني تلك الجمل خلال أول شهر لي في الخارج. نعم، يمكن تبريرها، لأن جميع الأشخاص الذين تلتقيهم في تلك المدينة هم غرباء ولا تعرفهم جيدًا، لكن إن قضيت الوقت بأكمله وأنت تسألهم عن حالهم وكيف كانت نهاية الأسبوع (التي في معظم الحالات قد لا تختلف عن عطلة الأسبوع التي قبلها)، فلن تتعرف إليهم أبدًا.

ابتعد عن هذه الجُمل، فهي بلا معنى ولا أحد يهتم بها حقًّا. إن أردت أن تبدأ الحديث مع أحد الأشخاص، اسألهم عن أمر يريدون التحدث عنه، عن أحلامهم عندما كانوا أطفالًا، عن أعمق أسرارهم، أخبرهم عن طعامك المفضّل ورأيك بالفرق بين ساندويش الشاورما في عَمان وساندوتش الدونر في فرانكفورت. لا أحد يملك الوقت للثرثرة المملّة عن جمال اليوم، فالأعمار قصيرة (حتى لو أننا نشعر بأننا نملك الكثير من الوقت)، وعلى الرغم من أن معظمنا لا يريد الاعتراف بذلك، لكن سماع هذه الجمل المملة يدفعنا عادةً إلى أحلامِ يقظةٍ تتضمن عادةً قبضة يدنا ولكمة ووجه الشخص الواقف أمامنا (لم يحدث ذلك معي أبدًا أيضًا).

لا تقل كلّا
بعد ذهابي وحيدًا لقضاء الفصل الدراسي في الخارج وبعد قراري (الواعي جداً) الخروج من منطقة الراحة، ولتفادي البقاء وحيدًا في الغرفة مع زميل السكن المجنون (والمرعب أحيانًا)، لم يكن لدي خيار إلا أن أوافق على جميع الاقتراحات. قد تبدو هذه الفكرة متطرفة في بادئ الأمر، إلا أنه يجب عليك على الأقل تجربتها لمدّة من الزمن، فلن تندم على ذلك. "لا تقل كلّا،" أبدًا.

إعلان

-هل تريد السفر إلى الصين؟
-نعم.

-هل تريد السهر طوال الليل قبل الامتحان النهائي؟
-لمّ لا؟

هل تريد الجلوس على أكتافي والجري حول الكافتيريا؟
-بالتأكيد!

بغض النظر عن سوء الفكرة باعتقادك أو خوفك منها، قم بتجربتها مرّة واحدة على الأقل. إن كنت واثق من أنك تعرف ما تحب وما لا تحب، فأنت على وشك أن تلتقِ بمفاجأة كبرى، ستذهلك الأمور التي كنتَ تعتقد أنك لا تحبها أو تحبها وقد يتضح لك العكس (حدث معي). ستجد نفسك تقوم بأمورٍ كنت تظن أنك لن تفعلها بحياتك أبدًا، والأهم من ذلك، ستشعر وأنت تقوم بها بفرحٍ لم تشعر به من قبل. لم أعتقد، أبدًا، على سبيل المثال، أنني في يومٍ من الأيام، سأضل طريقي في إحدى عواصم أوروبا وأجد نفسي متمسكًا بعامود الإنارة محاولاً عدم الطيران في الهواء من شدة تيار الهواء الذي سببته طائرة الهليكوبتر التي فوق رأسي (قصة طويلة).

تقبّل الآخرين
أكثر الأمور التي أعجبتني في المدينة التي كنت أسكن فيها كانت وجود العديد من الجنسيات المختلفة، ففي الحافلة ذاتها، تسمع العربي والإيطالي والإسباني والروسي والألماني والإنجليزي. يوجد سبعة مليار نسمة على الكرة الأرضية، يجب عليك عمليًا الاستمتاع بحقيقة قدرتك على إيجاد مساحة للجلوس والنوم بها. يمتلك بالطبع هؤلاء السبع مليارات نسمة، كجميع الأشخاص الذين كانوا على الحافلة، أفكارًا وأديانًا وألوانًا وأشكالًا وأحجامًا مختلفة. لا يجب عليهم تبني أفكارك ومعتقداتك وما تراه خاطئًا أو صحيحًا، مثلً الموعد الأفضل للنوم أو عدد الوجبات اللازمة خلال اليوم (ثمانية؟).

على الرغم من أننا في العالم العربي نعشق تدخل الآخرين في أمورنا الشخصية ومعتقداتنا ولا نستطيع التخلّي عن أحكام الآخرين المسبقة عنّا بسبب لون بشرتنا أو أفكارنا السياسية أو الروحانية أو نمرة قدمنا أو طول شعرنا، حاول، الله يعينك على ذلك، ألا تحكم على الآخرين وأن تتقبلهم كما هم. هذه نصيحتي لكم وأترككم الآن في رعاية أنفسكم.