مرأة

خِتان ما بعد الزواج.. الأزواج والمجتمع يُفسدون ما أنقذه الأهل

ترفض بعض الأسر إجراء عمليات الختان لبناتهم في الصغر، لكن الأزواج يُصرون على إجراءها بعد الزواج بدعوى كبح جماح رغباتهن الجنسية
31.7.19
خِتان

يخطئ البعض حين يظن أن الختان في مصر قد انتهى، وأن المعاناة الوحيدة التى تعانيها المصريات، هى معاناتهن مع ما أبقاه الختان في ذاكرتهن، وما أزاله عن أجسادهن، فمؤخرًا ظهر للختان وجه آخر، بعيدًا عن الطبيب العابس، أو مشرط الحكيمة الحاد، وقطرات الدماء العالقة في أذهان المختونات. الختان المتأخر أو "طهارة" ما بعد الزواج، عملية لتشويه الأعضاء التناسلية الأنثوية بدعوى الحفاظ على الشرف، لكنه يختلف عن ختان الفتيات الصغيرات في أنه يتم و"الضحية" في كامل وعيها، وليس لأسباب متعلقة بتقاليد الأسرة هذه المرة.

إعلان

طفلة صغيرة، تلعب مع أقرانها أسفل منزلها، تخرج أمها من الشرفة، تسمع صوتها يناديها أن تأتى سريعًا إلى البيت، فهناك ضيفة تود أن تراها، تدخل مسرعة وقد أنهكها اللعب، ترى وجه السيدة التي اتشحت بالسواد، فلا تعرفها. تجلس الطفلة ذات الـ11 عام، في استكانة بين يدى الضيفة، تستسلم لحركات يديها التى تتحسس جسدها ونظرات عينها التى تقيم قدرتها الجسدية، تستعيد الصغيرة تفاصيل النقاش الذي دار بين والدها ووالدتها قبل هذه الزيارة بأيام؛ الأب يطلب من الأم تجهيز صغيرته الوحيدة لإتمام عملية الختان، كما حدث مع بنات أخوته، لكن يعلو صوت أمها معترضًا، ترفض أن تعيد ابنتها تجربتها المريرة، لكن الأب اتخذ القرار"الحكيمة هتيجي تكشف وتشوف لو محتاجة طهارة ولا لأ".

بكلمة من الحكيمة، أفلتت"ن. هـ" من مصير أمها، لسنوات طويلة ظلت تردد دعوات الرحمة لوالدتها التي جنبتها هذه التجربة المريعة، دون أن يخطر ببالها أنه سيأتي اليوم الذي تجد نفسها مقبلة على ما جنبتها أمها إياه، بقرار من زوجها هذه المرة. قرر زوجها بعد ثلاث سنوات من الزواج، أن يسافر للعمل في الخارج، لتحسين الأحوال المعيشية للأسرة، لكنه لم يكن ليضمن وفاء زوجته التي لم يجر لها أهلها عملية الختان، أشارت عليه والدته بالنصيحة"خدها للدكتورة قريبتنا"، أخبرها الزوج بما ينتويه، وخيرها بين الموافقة والخضوع لعملية الختان وهى في السادسة والعشرين من عمرها، وبين الطلاق "مش هينفع أسيبك واسافر وانتى كده".

لم تدر "ن" ماذا تفعل؟، فأمها التي كانت تحميها قد رحلت، ووالدها لن يعارض زوجها فيما حاول هو أن يفعله بها قبل سنوات. استقرت على استشارة دار الإفتاء، فأفتوها: "عليكِ باستشارة طبيبة أمراض نساء بصحبة زوجك، إذا أقرت بوجوب الجراحة أو لم تقر"، في المرة الثانية لم تفلت "ن.ه" من مشرط الختان، أزالت الطبيبة ما رأته زائدا عن الحاجة، وأزالت معه ما تبقى من مشاعرها لزوجها"بعد عامين من الجراحة طلبت الطلاق".

أمل، فتاة عشرينية لم تتزوج بعد (23 عامًا)، يؤرقها هاجس أنها لم تختن، أو على وجه الدقة يؤرق والدتها، التى تذكرت بعد كل هذه السنون أن عليها أن تختن صغيرتها قبل الزواج، خاصة بعد رحيل الأب الذي كان يمنع حدوث ذلك. "أنا مش عاوزة اللي يتجوزك يرجعك ليا تانى بعد الجواز"، لا تعرف أمل لماذا سيعيدها زوجها، كانت تحسب نفسها مميزة بين صديقاتها اللاتى تعرضن للتجربة الأليمة في صغرهن "ليا صديقات بيحسدونى لأنهم بعد زواجهن اكتشفوا صعوبة إتمام العلاقة الزوجية بشكل مرضي بسبب ختانهن".

إعلان

لم يشفع كل ذلك لدى والدتها التى أصرت على استشارة طبيبة، رفضت أمل في البداية، ليس خوفًا من الختان فقط "عمرى ما جسمى انكشف أبدًا، إزاى هقدر أعمل كده أمام طبيبة!!"، في النهاية خضعت الشابة العشرينية لضغوطات الأم وخلعت كامل ملابسها أمام طبيبة النساء التي دلفت إلى عيادتها وسط نظرات تساؤل الجالسات عن سبب قدوم الآنسة التى لا تضع خاتم زواج في إصبعها، لكنها في النهاية حصلت على شهادة صلاحية تضمن ألا يُعيدها زوجها لأمها مرة أخرى"الطبيبة أقنعت أمي إنى ممكن اتعرض لنزيف، وأنها ممكن تفقدنى نهائيًا مش بس العريس يرجعنى".

عبر صفحات المشاكل الإجتماعية في موقع فيسبوك، تظهر مشاكل الختان المختلفة مرة تلو أخرى، كثيرة هى حكايات المتضررات من ختان الطفولة، وقليلات من حكين قصصهن مع ختان ما بعد الزواج، وما تعرضن له من ضرر وضرار، فهذه سيدة تحكى عن مشكلتها التى بدأت مع زوجها بعد شهور قليلة من زواجها، فهو يراها شديدة الرغبة الجنسية، لا يستطيع مجاراتها في محاولات إرضائها التى لا تنتهى، فطلب منها أن تجري عملية الختان "نقطع بس جزء صغير عشان اتأكد إني بعرف أرضيكي". لم توافق الزوجة العشرينية وأرسلت مشكلتها للصفحة الشهيرة تطلب رأيا ومشورة، وجاءها الرد"لا تفعلى.. وإن لم يستطع فالطلاق أفضل"، لا أحد يعلم إذا كانت هذه السيدة قد نفذت النصيحة أم خضعت لما طلبه منها زوجها.

عن قصص ختان مابعد الزواج، تحكى الطبيبة النسائية نجوى عبدالعليم، مؤكدة أنها ليست بالانتشار الذي يوازي الختان التقليدي (ختان الفتيات)، نظرًا لأن منع الختان في مصر لم يتم بشكل كامل حتى الآن، وتضيف: "الجانب الأكبر خضع لهذه الجراحة على أيدي أطباء في مرحلة الطفولة".

تؤكد الطبيبة النسائية أن أكثر تلك الحالات التي تراها اليوم، هي لفتيات قضين فترة طفولتهن خارج مصر، وبالتالى خرجن من سطوة التقاليد المصرية التى تفرض هذه الجراحة في بعض الثقافات وترى أن عدم إجرائها يشين العائلة ويهدد سمعة الفتاة حين زواجها، تبدأ معاناة هذه الفتيات بعد الزواج، إذا لم يكن الزوج على قدر عال من الثقافة والتفهم.

تحكى الطبيبة التي تمارس المهنة منذ أكثر من عشرون عامًا، أن الرغبة في تقليل الرغبة الجنسية للزوجة هي الهدف الأول من التفكير في إجراء الختان بعد الزواج، وأحيانا تأتى الرغبة من قبل الفتيات أنفسهم قبل الزواج، بغرض التجميل"جاءت لي أكثر من فتاة مع والدتها لإجراء ختان تجميلي، قبل زواجها بسبب كبر حجم العضو المبالغ فيه"، تؤكد الطبيبة أن هناك احتياطات كثيرة تؤخذ قبل إتمام الجراحة وأهمها أن تكون الفتاة على وعى تام بما هي مقدمة عليه.

أما أصعب التجارب التى مرت بها الطبيبة الخمسينية، هو ماحدث ذات ليلة حين أتتها إحدى السيدات الأربعينيات، وطلبت كشفا متأخرًا، مع اقتراب موعد انتهاء العمل بالعيادة، وحين همت الطبيبة بالفحص الطبي على أساس أنها سيدة متزوجة، أخبرتها المرأة بحقيقة وضعها"كانت قد تجاوزت الأربعين ولم تتزوج، ومع اشتداد رغبتها الجنسية وخوفها من الفتنة قررت أن تجرى عملية الختان وإزالة ما يظهر من العضو التناسلى بشكل كامل".

لم تلب الطبيبة رغبة مريضتها بإجراء العملية، واستبدلتها ببعض الهرمونات التى من شأنها أن تقلل من رغبتها، وطلبت منها الانشغال بالعمل والرياضة واستشارة طبيب نفسي". وتابعت: "بعد عام جاءتنى نفس الآنسة تطلب مشورتي لوقف العلاج الهرموني لأنها ستتزوج".