الطلبة الفلسطينيّون في الجامعات الإسرائيليّة: "منتعلّم بمؤسّسة بتناقض وجودنا"

موقف الباصات في جامعة حيفا.

دليل الجامعات للطلاب

الطلبة الفلسطينيّون في الجامعات الإسرائيليّة: "منتعلّم بمؤسّسة بتناقض وجودنا"

عدم تمثيل اللغة العربية وصعوبة الاندماج والعنصريّة
رشا حلوة
إعداد رشا حلوة
7.10.18

"مش سهل تتعلمي بمؤسسة إسرائيليّة كل إشي فيها بناقض وجودك،" تقول سما مخول، 21 عامًا، طالبة بكالوريوس تخصص لغة الإنجليزيّة وإعلام في جامعة حيفا، واحدة من أكبر الجامعات في اسرائيل. اختيار الجامعة والتخصص الجامعي لوحده يعتبر تحدي كبير بالنسبة لجميع الطلاب في العالم، ولكن في وضع الفلسطينيّين الذين يعيشون في داخل إسرائيل، فإن الأمور تصبح أكثر تعقيدًا، فهو على الرغم من كونه يعيش في إسرائيل ويحمل جنسيتها، إلا أنه ينظر لإسرائيل كدولة إحتلال، فيما يتم التعامل معه كفلسطيني من قبل إسرائيل، على أنه شخص "غير مرغوب به."

إعلان

اختيار مجال الدراسة بالنسبة للفلسطينيين في مناطق 48 غير مفصول عن الواقع السياسيّ ابتداءً من شروط القبول والتخصص والتعامل مع الأساتذة والطلاب. استطلاع للرأي أجري عام 2017 أكد على المصاعب الكبيرة التي يواجهها الطلاب الفلسطينيين ابتداء من عدم تمثيل اللغة العربية وصعوبة الاندماج والعنصريّة، حيث أشار إلى أن "50% من الطلاب الفلسطينيين المستطلعين أنهم يواجهون مظاهر عنصريّة وتمييزًا خلال التعليم من قبل أعضاء الطاقم الأكاديميّ ومن جانب طلاب آخرين. فلسطينيو 48 كما يطلق عليهم، هم الفلسطينيّين الذين بقوا في قراهم وبلداتهم بعد نكبة عام 1948، أو ممن تم تهجيرهم من بيوتهم وقراهم الأصليّة ولكنهم ظلوا ضمن ما أصبحت إسرائيل. وهم يشكلون حوالي 20% من مجموع السكان في إسرائيل (حوالي 1.4 مليون فلسطيني).

سما مخول

لمعرفة حياة الطلاب الفلسطينيين في إسرائيل، تحدثت مع عدد من الطلبة من جامعة حيفا، والتي تسجّل النسبة الأكبر من عدد الطلاب الفلسطينيّين. بالنسبة لـ سما اختيارها للدراسة في جامعة حيفا مرتبط بموقعها أولاص، فهي قريبة من القرية التي وُلدت فيها ويعيش أهلها هناك، وهي قرية البقيعة في الجليل، فحيفا كمدينة هي أكبر المدن قربًا إلى قرى ومدن الجليل، حيث التجمع السكاني الأكبر للفلسطينيّين/ات في إسرائيل. "حيفا فيها جوّ عربي بدّي أعيش فيه،" تقول سما: "صح هي مدينة كبيرة وبحس إني مقطوعة عن الحياة الاجتماعيّة التقليديّة اللي في البلد، بس بنفس الوقت بتضلك قريبة من أهلك وبيتك." سألت سما عن سبب اختيارها دراسة الإعلام، ولم أتفاجأ بربطها بين خيارها الدراسي والواقع السياسي: "هناك نقص عن المواد الصحافيّة بالإنجليزيّة عن الفلسطينيّين في داخل إسرائيل، قررت أدرس إعلام لأقدر أعكس اللي بصير بواقعنا."

إنه توصل على المقهى بالجامعة وتطلب قهوة بالعبريّة، يمكن يكون هاد أوّل استخدام للغة

"الشعور بالغربة" جملة كررها معظم الطلاب عندما سألتهم عن التحديات التي يواجهونها كفلسطينيين يدرسون في جامعات اسرائيلية. هناك عدة أسباب لتشعر بالغربة، ولكن بالنسبة للأكثرية هذا الشعور مرتبط باللغة بدرجة أولى: "يشعر الطالب الفلسطيني عادة بالإحراج من طرح أسئلة أو مناقشة أمر ما خلال المحاضرات، وذلك بسبب اللّغة - بمعنى عدم معرفته بها،" تقول سما. اللغة هي تحدي أساسي يعيشه الطلبة الفلسطينيّون في الجامعات الإسرائيليّة، حيث أن العبريّة بالنسبة لهم، هي لغة ثانيّة، فالمدارس العربيّة منفصلة عن اليهوديّة، على الرغم من أنهما تخضعان لنفس منهاج التربية والتعليم الإسرائيلي. في المدارس العربيّة، يتم تدريس اللغة العبريّة كلغة ثانيّة والإنجليزيّة لغة ثالثة. وعدا عن حصص العبريّة في المدرسة، لا تُمارس اللغة يوميًا، فنسبة كبيرة من الفلسطينيّين يصطدمون بالممارسة اليوميّة للعبريّة في السنة الأولى للجامعة.

حنّا خوري

حنّا خوري، 21 عامًا، طالب علم النفس في جامعة حيفا، يقول عن ذلك: "نحن لا ندرس بلغتنا الأمّ، ولا حتى بلغة عالميّة مثل الإنجليزيّة، هنالك طلاب بعلامات مدرسيّة عاليّة، لكن نراهم تائهين خلال سنة الدراسة الأولى بسبب اللغة." أما علي زبيدات، 20 عامًا، طالب لغة عربيّة وممثل الطلاب العرب في نقابة الطلاب في جامعة حيفا، فيشير الى أنه اختياره دراسة العربية قد تأثر بالتعامل مع العربية كلغة ثانوية، طبعاً بالإضافة لحبّه لها: "إنه توصل على المقهى بالجامعة وتطلب قهوة بالعبريّة، يمكن يكون هاد أوّل استخدام للغة." علي يؤكد على عدم العدالة عند التعامل مع الطالب الفلسطيني الذي لا يعرف العبرية. "تطلب الجامعات نفس العلامات من الطالب العربي واليهودي، لكن المنطلقات تختلف، الطالب اليهودي لغته العبريّة هي الأولى، أما الطالب العربي فهي العربيّة. الفرق في العلامات سيكون واضحاً."

نحن محرمون من أشياء كثيرة، وعلينا أن نعمل مجهودًا مضاعفًا كي نصل إلى ما نريد

قد يسأل أحدهم، ولكن لماذا يختار الفلسطينيّون في إسرائيل الدراسة في جامعات إسرائيليّة؟ السؤال القصير والبسيط، لأنهم يعيشون هناك؟ الأسباب إلى حد ما اجتماعيّة من جهة؛ القرب من البيت/ الأهل، وسهولة الحركة من وإلى بلداتهم وقراهم، وسياسية من جهة أخرى، حيث الخوف من الإغلاق المفاجئ على الضفة الغربيّة المحتلة وعدم تمكنهم من العودة لبيوتهم. كما أن هناك خوف أنه في حال درسوا في جامعات فلسطينيّة أن لا تعترف إسرائيل فيما بعد بهذه الشهادات. هذه الأسباب لا تترك لهم الكثير من الخيارات، بل أصبح ينظر لتسجيل في هذه الجامعات بمثابة إثبات وجود، فقد إرتفعت نسبة الطلبة الفلسطينيّين في الجامعات والكليات الإسرائيلية في السنوات السبع الأخيرة 79% بحسب مجلس التعليم العالي. "كفلسطينيّين هناك في واقع سياسي فُرض علينا، ليس من بدائل عديدة عن الدراسة الأكاديميّة كي تساعدنا من أجل البقاء والتأكيد على وجودنا،" يقول حنّا.

سمر حسن، 23 عامًا، من مدينة الناصرة، وهي طالبة علم نفس وتربيّة في جامعة حيفا، تقول أنها اختارت جامعة حيفا بسبب الحراك السياسي والثقافي والاجتماعي للمدينة، وهي تربط بين اختيارها موضوع الدراسة وبين "العيش في مجتمع فلسطيني مضطهَد عانى من صدمات عديدة." وعن شعورها كطالبة فلسطينية تقول: "سُلبت منا مواردنا الأساسيّة أإان النكبة؛ سُرقت الأرض، ولا من نشيد أو علم يمثلنا، لا من شعور كامل بالانتماء، كما التمييز الواضح ضدنا. نحن محرمون من أشياء كثيرة، وعلينا أن نعمل مجهودًا مضاعفًا كي نصل إلى ما نريد."

سمر حسن

ارتفاع نسبة الطلبة الفلسطينيّين في الجامعات الإسرائيليّة، لا يعني أن الصعوبات التقنيّة وكذلك الذاتيّة والجماعيّة التي تواجه الطلاب، قلّت، على العكس وفي بعض الحقول، ازدادت الصعوبات مقارنة بسنوات سابقة. فضمن منظومة الأكاديميّة الإسرائيليّة، فإن شروط القبول إلى أي موضوع جامعي متعلّق في عامليْن، الأوّل هو مجموع علامات الامتحانات النهائيّة للمدرسة، ما يُسمى بالـ "البجروت" يُضاف إلى مجموعة امتحان آخر، وهو امتحان "البسيخومتري" حيث يشكّل 70% من نسبة القبول، وهو امتحان قبول جامعي معتمد في إسرائيل، مشابه لامتحان "السات" الأمريكي. ومنذ اعتماده، يشكّل الامتحان عائقًا أمام العديد من الطلاب، خاصّة أن المدارس اليهوديّة تعمل على تحضير طلابها له مقارنة بالمدارس العربيّة، حيث يعتمد الطلبة بدراستهم على مجهودهم الذاتي أو على التسجيل لدورات في شركات خاصّة.

في تقرير أصدرته صحيفة "ذا ماركر" الإسرائيليّة عام 2017، واستنادًا على معطيات جمعتها وزارة التربيّة والتعليم الإسرائيليّة، تبيّن التميّيز الذي تُمارسه الوزارة ضد العرب. وفقًا لهذه المعطيّات، رفعت الوزارة ميزانيّة المدارس الثانويّة الدينيّة اليهوديّة، بنسبة 67% من الميزانيّة التي تُمنح لكل تلميذ في المدارس الثانويّة العربيّة. وأشار التقرير أيضًا إلى أن "الفروق في التحصيل العلمي في جهاز التعليم في إسرائيل هي الأوسع بين دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية".

الجامعات عامّة هي أكثر الساحات النضاليّة تأثيرًا على الوضع السياسي، وأنا كطالب فلسطيني أشعر بمسؤوليّة، لا يمكنني أن أكون طالبًا "عاديًا" بل لدي دور مهم يجب القيام به

أحمد دراوشة، 26 عامًا، يعلم صعوبة الحصول على علامة قبول مناسبة للتخصص الذي تحلم به. أحمد، وهو طالب بيولوجيا وعلم حاسوب يدرس في "التخنيون – معهد إسرائيل التكنولوجي" أراد أن يدرس الطبّ بداية، لكنه لم ينجح بذلك بسبب شروط القبول. بالنسبة لأحمد قرار التخصص الجامعي مربوط بأكثر من عامل ودافع. "على سبيل المثال قرية عرابة في الجليل، فيها أعلى نسبة أطباء بالعالم ولا من مستشفى واحد فيه. الأطباء الفلسطينيين يعملون في مستشفيات اسرائيلية في مدن كبيرة من أجل رفاهية الآخر، لكن المدن ذات الأكثرية الفلسطينية تعاني من التهميش. هذا مجرد مثال ينطبق على غيره من المجالات."

أحمد دراوشة

قد لا يتمكن الطلاب الفلسطينيين من تغيير النظام الأكاديمي "المتحيز" ضده، ولكن هذا لا يعني أنهم لا يحاولون، فبالنسبة كفلسطينيّين في الداخل فإن أهم نشاط سياسي هو الطلابي، والحركة الطلابيّة العربيّة هي منتخبة وتمثّل الطلاب والطالبات في قضايا عديدة من خدمات للطلاب إلى تنظيم المظاهرات. "الجامعات عامّة هي أكثر الساحات النضاليّة تأثيرًا على الوضع السياسي، وأنا كطالب فلسطيني أشعر بمسؤوليّة، لا يمكنني أن أكون طالبًا "عاديًا" بل لدي دور مهم يجب القيام به،" يقول حنا.

فرص وأماكن العمل كثيرة لا تقبل إلّا من خدم في الجيش الإسرائيلي، أو لغته الأمّ هي العبريّة، أي كل من هو ليس نحن

يوافق علي ذلك ويقول: "على مستوى العمل السياسي، كارثة، دستور الجامعة يحدد من أوقات وأماكن النشاطات التي تتعلق بفلسطين، بالمقابل المجال مفتوح لنقابات الطلاب الإسرائيليّة، لها ميزانياتها أيضًا من الجامعة." وإذا عدنا لاستطلاع المذكور بالأعلى، فقد أجاب 30% من الطلاب أنهم لا يستطيعون التقدّم لطلب منح دراسية لكونهم لا يخدمون في الجيش الإسرائيلي. وهذا ما تؤكد عليه سمر: "فرص وأماكن العمل كثيرة لا تقبل إلّا من خدم في الجيش الإسرائيلي، أو لغته الأمّ هي العبريّة، أي كل من هو ليس نحن."

علي زبيدات

مع إقرار قانون القوميّة الإسرائيليّة الجديد بعنوان"إسرائيل الدولة القوميّة للشعب اليهودي"، يدخل الفلسطينيّون في إسرائيل عمومًا والطلبة خاصّة مرحلة تميّيز عنصري ضدهم ليست جديدة بمعنى الممارسة، لكنها جديدة بكونها معلنة، وموافق عليها بالقانون.

التضييقات التي عانى ويعاني منها الطالب الفلسطينيّ على مستويات عديدة، بداية من التقصير في الميزانيات المدرسيّة إلى صعوبات شروط القبول في الجامعات ومن ثم سيرورة الدراسة وفيما بعد البحث على عمل، على ما يبدو سوف تزداد. على الرغم من كل ذلك، يأمل الطلاب الفلسطينيّون اليوم، أن لا يخلق هذا الواقع الذي يزداد صعوبة، بالمقابل لا مبالاة وخوف وسط الطلبة. "نحن مجبرين بالانضمام إلى هذه المنظومة، لكن من المهم أن نعرف كيف نستفيد منها للغاية القصوى بلا أن نتوّرط فيها،" يقول أحمد: "المهم لا نكون جزءًا من جهاز فبركة تاريخ شعبنا وأدوات لقمعه."

جميع الصور من تصوير وائل أبو جبل.