ماذا تعلمت من ثورة 25 يناير

جرافيتي لشهداء الثورة. تصوير: جيجي ابراهيم/فليكر

ثورة مصر

ماذا تعلمت من ثورة 25 يناير

الانتصار الوحيد الذي حققته الثورة كان نحن، لقد فشلت في تغيير بلدنا لكنها بدَّلتنا إلى أشخاص آخرين، أجمل وأفضل وأذكى، وأكثر حبًّا للحياة
25.1.18

عندما اندلعت ثورة 25 يناير 2011، تخيلنا أن أعوامًا معدودة تكفي ليختلف كل شيء، ستمتلئ الساحة السياسية بتيارات تتنافس لنيل رضا الناخبين، وتتحسن الأوضاع المعيشية، وننال الـ"عيش، حرية، عدالة اجتماعية"، ويسترد المصري كرامته في الداخل والخارج، ونلحق بركب الدول المتطورة المنتجة. لو سُئلنا وقتها عمَّا نتوقعه بعد سبعة أعوام من الثورة لرسمنا صورة رومانسية لوطننا تنافس أرقى البلاد الأوروبية. كنا حمقى كدأب الحالمين. اليوم تمر سبع سنوات على ثورة 25 يناير، يجتر أصدقائي كربلائيات حلمنا الينايري الضائع في وطن أفضل، ويسخر بعضهم مما كنا عليه، ويردد آخرون "مفيش فايدة." نتذكر من مات منا، ومن اُعتقل، ومن "نفد بجلده" وهاجر، ومن تحطم واستسلم للطاحونة فعاش كالآخرين، أو صنع لنفسه فقاعة تعزله عن العالم. وحدي يحلو لي تأمل انتصارات الثورة، وانتصاراتي.

إعلان

الثورة مستمرة.. حقيقي
قبل سبع سنوات نزلتُ إلى الثورة فتاةً صغيرة، يحدوني الفضول ورفض الوضع الاقتصادي والاجتماعي الذي يطحنني ويجعلني أقاتل لأنال قوت يومي وأحيا بالحد الأدنى من الكرامة. مطالب عادلة، ولكن كيف كانت شخصيتي؟ كنت مسلمة متشددة، مبالغة التمسك بشعائر الدين، أرى الدنيا من منظور أصولي وقومي ضيق متعصب يستبعد كل مختلف، أؤمن أن أشرار العالم يتآمرون على وطني وديني وثقافتي، ويخلقون فرصًا يومية ليعيقوا تطورنا. مع هذا كنت إنسانة طيبة لا تصادر حق الآخرين في اعتناق ما يريدون من أفكار، ولكن عليهم أن يعيشوا تحت رحمة ما أراه أنا صوابًا، ويكونوا وطنيين ومتدينين بالطريقة المثالية التي أسير عليها - ويجب أن يسير عليها الجميع - ليبارك الله في حياتنا ويعضدنا. ثم صدمتني الثورة بشعارات وعبارات غير مألوفة.. ليبرالية، علمانية، دولة مدنية، مواطنة، خطاب تكفيري، إخوان، سلفيين.. يعني إيه؟ طب إيه الفرق؟ فعكفت على القراءة لأفهم كل مصطلح وأجادل أصحابه في أفكارهم. كان رفاق الميدان من جميع الانتماءات الفكرية والسياسية، والمساحات الإنسانية التي خلقها احتكاكنا أمام طلقات الرصاص وتحت قنابل المولوتوف، جعلتنا مستعدين ليسمع بعضنا بعضًا مهما بلغ الاختلاف، وقد أصغيت للجميع.. جعلتني الثورة أصغي وكانت هذه هي البداية.

هذه أعظم انتصارات الثورة، فلولا المرونة الفكرية التي أكسبتني إياها ما وجدت الشجاعة لأخوض في أسئلة شائكة كثيرة، عن مفهوم الوطن والعائلة والإله والدين والشر والخير

الإصغاء للآخر إقرار ضمني بتصالحك مع التطور، وكانت هذه حالي، كنت مستعدة لأتعلم وأتبنى أي فكرة تجعل حياتي أسهل، لم أتردد في نبذ رديء الأفكار مهما كان مصدرها، وأعدت النظر في كل موروثاتي، سألت نفسي "ليه؟" عن كل موقف لي من الحياة وفهمتني جيدًا، وتخلصت مما بدا لي متخلفًا وغير منطقي ومنافٍ للإنسانية والتطور. ببطء بدأت قناعاتي تفقد قدسيتها وتتحول إلى "وجهة نظر" لا تلزم سواي، ولا تلزمني أنا شخصيًّا إذا ما تطورت عنها وخطوت للأمام، أو -ببساطة- لم أرد التمسك بها. هذه أعظم انتصارات الثورة، فلولا المرونة الفكرية التي أكسبتني إياها ما وجدت الشجاعة لأخوض في أسئلة شائكة كثيرة، عن مفهوم الوطن والعائلة والإله والدين والشر والخير، ما كنت لأنفتح لجميع الأفكار والاحتمالات إذا لم أستوعب أنني مجرد إنسانة أخرى لا محور الكون، وهذه الضآلة تنسحب على معتقداتي كاملة، كل شيء كنت أعتبره "الحقيقة المطلقة" أصبح رأيًا عادي كأي رأي، ومن هنا بدأت أُقدِّر الآخر لأنه إنسان مثلي، لا لأنه يشاركني المعتقد أو الجنسية أو الموقف السياسي، فقط لأنه إنسان. وبالطبع لم يحدث هذا لي وحدي.

الحرية الشخصية.. معركة كبرى لنعيش كما نريد
قبل الثورة ما كنت لأتقبل التحدث مع شخص ملحد، بالأحرى لم أكن لأستوعب وجود هذه النماذج "الشاذة" على ناموس الكون، وبالتأكيد لم أكن لأتسامح مع فتاة تقرر خلع الحجاب، أو تترك منزل أسرتها لتعيش وحدها، ثم وضعتني الثورة أمام قضية الحرية الشخصية في أعتى صورها. في مجتمعنا المصري –وربما الشرقي كله- نعيش ملعونين بوهم امتلاك الحقيقة المطلقة، فنهاجم كل شخص مختلف ونأكله حيًّا لأنه خرج عن الـ Standard الذي حددناه وتخيلنا أنه أوامر إلهية اختصنا صانع الكون بتنفيذها. وعينا الجمعي يريد للجميع أن يشبه الجميع، بلا تميز ولا اختلاف حتى في مراحل الحياة وإنجازاتها، دراسة ثم تخرج ثم زواج فإنجاب فتربية الأبناء، حياة فقيرة تستمر حتى الموت. كشفت لي الثورة عن جمال وتفرد التجربة الإنسانية في المطلق، فأحببت الإصغاء لحكايات أصحابي الذين تاهوا ذات ليلة ماطرة في بلدة غريبة، الفتيات اللاتي جئن من محافظات بعيدة يبحثن عن فرصة دراسة وعمل أفضل، الصدمات النفسية لمن تحولوا عقائديًّا، وهؤلاء الذين اكتشفوا ميولًا جديدة لم يتخيلوها في أنفسهم. اكتسبت "بشرًا" مختلفين عني في كل شيء، لكن إنسانيتنا توافقت معًا. هذا الانتصار للحرية الشخصية وعدم مراقبة الآخر والحكم عليه، جعلني أكثر مرونة في تحولاتي الفكرية الشخصية، وقد تعلمت هذا بالطريقة الصعبة. أتذكر أن في عام 2012 أخبرتني صديقتي المقربة أنها تريد خلع الحجاب، فثرت عليها ثورة عارمة ورفضت ما تفكر فيه جملةً وتفصيلًا. جادلتني وسألتني عن نص يفرض "الحجاب" بدلالة الكلمة كما نستعملها اليوم، الحجاب كغطاء للرأس فقلت لها أنني سآتي لها بذلك النص لأمنعها مما تريد فعله، تصرفت وكأني منقذتها من نار جهنم ويجب أن أفعل هذا بأي شكل.

هزيمة الثورة كانت حتمية لسبب بسيط: من أشعلوا الثورة لم يختلفوا كثيرًا عن الأجيال السابقة لهم. الشباب الذين قابلتهم في الثورة واكتسبتهم كأصدقاء كانوا أشخاصًا طيبين، سليمي النية، ولكن لم يختلفوا عن جيل آبائنا في تعصبهم وضيق أفقهم

لعامين غرقت في القراءة حول قضية الحجاب، طالعت كل الآراء الفقهية الممكنة، وصدمت بأن كثيرًا مما نعتقده مطلقًا الآن كان مجرد رأي تبناه العامة بمرور الوقت، وبصعوبة غالبت مشاعري الرافضة لكل ما أقرأ، وببطء أصغيت لصوت ضئيل قادم من داخلي يسألني: "صحيح، ما المنطقي في إخفاء شعر الأنثى فقط؟ لو كان الشعر رمزًا جنسيًّا قادرًا على الغواية فهو كذلك في الرجل أيضًا، وهذا غير صحيح.. لماذا الانثى بالذات؟ كان سؤال "ليه؟" العظيم يعاودني، في هذه المرة ضربت معتقداتي نفسها، بدأت أمنطق قناعاتي ثم أفلتر نسختي الخاصة من الدين والبحث عن الله، وقطعًا لست بحاجة لإكراه الآخرين على "صوابي" ليرضى عني. أخذني هذا لمفكرين إسلاميين يتحدثون بشكل مخالف للسائد، حدَّثت معلوماتي الدينية بشكلٍ أكثر ثراءً وأوسع أفقًا وأكثر رحمة، وعندما خلعت صديقتي حجابها في 2014 لحقت بها بعد شهر، لأن الحياة ألقتني في نفس النقطة التي كانت فيها واتفقنا فكريًّا وإن اختلفت الأسباب. بعدها صرت أكثر رحمة ورفقًا في التعامل مع اختيارات الآخرين، لم أعد مشغولة بمحاسبتهم، ولا مشغولة بإنقاذهم مما أراه ضلالًا، ولا مهتمة بالوقوف معهم على نفس الخط من الحياة، يكفيني استيعاب مشاعرهم ووجهات نظرهم حتى وإن تمسكت بمعارضتي لها. لم أعد مهتمة إطلاقًا بمن يفعل ماذا، فليفعل أي شخص ما يريد ما دام لا يضر الآخرين، ولأصدقائي حق النصيحة إذا طلبوها، وسأقدمها دون حكم على شخوصهم، وسأدعم اختياراتهم وأدافع عنها وإن اختلفت معهم.

هزيمة الثورة كانت حتمية
أتحدث عن الهزيمة السياسية طبعًا، والهزيمة في التواصل مع الناس وكسب أرضية بينهم. هزيمة الثورة كانت حتمية لسبب بسيط: من أشعلوا الثورة لم يختلفوا كثيرًا عن الأجيال السابقة لهم. الشباب الذين قابلتهم في الثورة واكتسبتهم كأصدقاء كانوا أشخاصًا طيبين، سليمي النية، ولكن لم يختلفوا عن جيل آبائنا في تعصبهم وضيق أفقهم وتخيلهم أن ما يدعون إليه هو الصواب الوحيد. لم يكونوا متسامحين مع المختلف كذلك، ولم يكونوا منفتحين للاحتمالات على اتساعها. كنا كأطفال أصروا على لعبة معينة بشكلٍ معين، لهذا تناحرنا وتشتتنا ولم نجتمع على كلمة واحدة، وكان هذا جزءًا من هزيمتنا، إلى جوار الخيانات المتعاقبة من الآخرين.

هُزمت ثورة يناير هزيمة سياسية ساحقة، واليوم يعتبرها رجل الشارع أساس الخراب، وتفرق شبابها بين قتيل ومعتقل ومهاجر ومكتئب، والانتصار الوحيد الذي حققته الثورة كان نحن.. لقد فشلت في تغيير بلدنا لكنها بدَّلتنا إلى أشخاص آخرين، أجمل وأفضل وأذكى، وأكثر حبًّا للحياة. انتصار الثورة الحقيقي هو تحولنا لهؤلاء الشباب القادرين على سماع المختلف عنهم والتواصل معه بحب حقيقي، المستعدين لنبذ وجهة نظرهم لو وجدوا خيرًا منها، الذين تخلصوا من أعباء قومجية وأصولية غبية شكلت وعينا، وأنشأتنا بعقول مشوهة على خطى السابقين.

أحتفل بملء قلبي فرحة، لأنني أدرك ما فعلته ثورة 25 يناير بحياتي وحياة جيلي كله، كيف أخرجتني من الفقاعة الضيقة التي تربيت فيها وتخيلتها كل شيء، إلى العالم المتسع بالفن والجمال والعلوم والتكنولوجيا والفلسفة والموسيقى

انتصار الثورة الحقيقي هو قدرتنا على السخرية من مقدسات وكليشيهات من سبقونا وتمردنا على منظومتهم.. الفتيات اللائي خرجن للعالم بثقة يقاتلن ويحققن أحلامهن ونبذن ميراث "أنتِ عورة / لا معنى لأي إنجاز ما لم تتزوجي." الشباب الذين يبحثون عن شريكة حياة مثقفة تتواصل معهم فكريًّا وعاطفيًّا لا مجرد "واحدة تنضف البيت وتربي العيال." الشباب الذين أحبوا السفر واستكشاف العالم على حساب الجلوس جوار أهاليهم، وهؤلاء الذين غامروا ببناء مشاريع تجارية من الصفر وتركوا الوظيفة الحكومية التي كانت أعظم طموحات آبائهم. لقد انتصرت الثورة للإنسان بطريقتها، ليس كما أردنا بالضبط، ولكنها انتصرت لنا آخر الأمر، حررتنا من أثقال السابقين، حررت عقولنا وإنسانيتنا.

اليوم عيد الثورة، والذي عادت الدولة تسميه "عيد الشرطة" متجاهلة دماءنا وكفاحنا في زهرة شبابنا، يسرقون اليوم ويختطفون التاريخ لصالحهم، لكن العيد عيدنا. قد يبدو أن الثمن فادح للغاية، ولكن ما تحرر فينا كان يقتضي قرنًا آخر من الزمان، وما تغرسه فنوننا ومحاوراتنا في الجيل القادم تنبئ بأن عشرينياتهم لن تكون مليئة بالدم كما عشنا، ولن يقاتلوا ليحظوا بأبسط حرياتهم الشخصية كما فعلنا، سنكون أرضية يستندون إليها ويحصدون شيئًا من مكاسبها.

تصوير رسومات الجرافيتي: جيجي ابراهيم / فليكر