رأي

وثائقي "في سبع سنين".. بين أخلاقيات المهنة والانحيازات الأيديولوجية

لا شك أن الحياد الكامل هو أسطورة كما قال طه حسين؛ إلا أن هناك التزام بالحد الأدنى - على الأقل - من الأداء المحايد.. لكن إيه ده يا جماعة؟
4.2.19
سبع-سنين

المصدر الجزيرة

الحقيقة أنني أقف حائرة بشدة أمام وثائقي الجزيرة الذي بث منذ أيام تحت عنوان "في سبع سنين". حتى أنني قبل أن أكتب المقال وجدت نفسي أهمس: "اللهم إني أعوذ بك أن أزل أو أُزل أو أظلم أو أُظلم أو أجهل أو يجهل علي". أي والله.

هناك عدة نقاط يمكن مناقشة الوثائقي عبرها، وللوثائقي مشاكل جسيمة، ويمكن مناقشتها فيما يتعلق بالشق الأخلاقي، والشق المهني، والشق الذهني، والشق العاطفي. سأحاول أن أغطي هذه النقاط قدر المستطاع دون إخلال.

إعلان

الناس الأخلاقيين ما يعملوش كده
قبل بث الفيلم بسويعات أثير جدل، ما بين مؤيد ومعارض لبثه، حيث أنه يظهر بعض الضيوف بأسمائهم الحقيقية، ووجوههم، خاصة وأنهم مقيمون في بلد تجرم الكلام، وتحاسب عليه، إن لم يكن قانونًيا فسيكون حتمًا اجتماعيًا، كما أن أحد الضيوف قيد الاعتقال الآن. هناك من قال أنهم أشخاص بالغون عاقلون اختاروا أن يظهروا بوجوههم سافرة وأسمائهم الثلاثية أو الثنائية، وطالما أن هذا اختيارهم، فليس هناك بأس أخلاقي. وهناك من قال أن الصحفي عليه حماية مصدره، حتى وإن كان المصدر لا يأبه بحماية نفسه.

لم أحدد موقفي من هذا الجدل حتى مشاهدة الوثائقي. بعد المشاهدة، حسمت أمري: الوثائقي صفر أخلاقية، مهنية كانت أم عامة. كمشاهد، لم أفهم لماذا اختار الوثائقي أن يخفي هوية الإرهابيين، ويكشف هوية الشباب الذي صنف على أنه "كافر"، ولم أجد إجابة مرضية سوى أن القائمين على الوثائقي قد حددوا انحيازاتهم الأيديولوجية مسبقًا، وتجردوا من الحياد، وقرروا أن الإرهابيين مجرمون لكنهم مسلمون، أما الملحدين فهم مجرمون وكفرة، فقشطة يعني نوديهم في داهية.

ولا أقبل الأعذار من نوعية أن الإرهابيين هم من اختاروا إخفاء هويتهم، وأن الشباب الآخر اختاروا الإعلان عنها. إن كنت أتعامل، كصحفية، مع مصدر، ألمس بنفسي أنه حديث السن، متألم إلى حد كبير، معبأ بالغضب، وربما يتخذ قرارًا بإيذاء نفسه، بسبب غضبه، أو برائته، فإنه لابد من مراجعته في قراره، وإن أصر على إيذاء نفسه فإن الأمانة المهنية والأخلاقية تحتم علي حمايته، وعليه أن يؤذي نفسه بعيدًا عن توريطي في ذلك.

ما أطرحه ليس بغريب ولا مستهجن، ولا لم يسمع به الصحفيون في آبائهم الأولين، وقد قام به العديد من الصحفيين في مراحل زمنية مختلفة. وأجدد الإشارة إلى أن أحد الضيوف معتقل الآن، وهو متغير، كان على صناع الوثائقي وضعه في الحسبان، أم أن صناع الوثائقي، بسبب انحيازاتهم الأيديولوجية، قرروا عقاب الآبق بهذه الطريقة؟

إعلان

لا أعلم.

مهنية دي ولا انقلاب؟
بداية، هناك قواعد مهنية هامة أثناء صناعة الفيلم الوثائقي، والذي يقترب من البحث الميداني، من المفترض أن يلتزم الحياد، وألا يطلق أحكامًا مسبقة قبل التحقيق في الحالات والعينات، وأن يُنحّي الباحث – المتقصي – المذيع، ميوله السياسية وآراءه وانحيازاته جانبًا، ليصل إلى نتائج تكون أقرب إلى الواقع. فهذا هو دور الوثائقي (اسمه وثائقي) أي أنه يوثق الواقع، وليس من المفترض أن يعطي الناس، والضيوف، محاضرات أخلاقية، والباحث ليس طرفا في صراع الفيلم. إلا أن وثائقي الجزيرة، ومن البداية قد أعلن انحيازه كما ذكرت.

هذه صورة إعلان الفيلم، تظهر إرهابيًا ملثمًا، تخفي هويته، وصورة فتاة غير محجبة، يصفها الوثائقي بإنها ضمن مجموعة الملحدين، ويظهر تفاصيل ملامح وجهها.

لا شك أن الحياد الكامل هو أسطورة كما قال عميد الأدب العربي طه حسين. إلا أن هناك التزام بالحد الأدنى - على الأقل - من

الأداء المحايد.

لكن إيه ده يا جماعة؟

هذا الانبهار ارتسم على وجه الباحث/ المذيع بعدما قالت له إحدى مصادره: أنا كافرة. كما أن مقدمة الوثائقي شديدة الإرباك، فهو يبدأ بالباحث وهو يقدم لواحدة من الضيوف ورقة وقلم وقد ابتسم في سلام، قائلا لها: "خدي ورقة وقلم واكتبي لربنا رسالة! يالا… خدي".

ثم أوسعنا خطابا يصف فيه تدينه ودراسته في الأزهر وإيمانه، وهي مقدمة ذاتية لا تعنينا إلا إذا اعتبر الباحث نفسه أحد الضيوف! ثم انتقل إلى الضيوف "الكفار" واتهم أحدهم بإنه يتحدث عن الله بطريقة بالغة السوء، واتخذ سمت وكيل النيابة، وهاجمهم بنظرات ركز عليها المخرج بتعمد، وكأن صناع الفيلم يصرون على إعلان البراءة مما يتفوه به الضيوف.

هذه نظرة تقول: إخص عليك وع اللي رباك.

أما الصورة التالية، فهي نظرة محقق يبحث في جريمة قتل، وجاءت مباشرة عقب أن قال أحد الضيوف: لا أنا مش مؤمن بوجود إله.

ياخواتي… ولا فتحي عبد الوهاب في مسلسل ريا وسكينة.

مدة الوثائقي بلغت 59 دقيقة، استهلت بـ30 دقيقة لبحث ظروف الشباب من "الكفار"، والتعامل معهم بوصفهم متهمين، أو مرضى نفسيين، ولا بأس من محاولة هدايتهم: اكتبي رسالة لربنا.. أنت اللي سبتي ربنا.. هااااايييييححححح… لييييه قلعتي الحجاببببيييييححححححح؟

إعلان

ثم انتقل إلى مقابلة مجموعة من الشباب المصري المنضم لداعش. وشت لغة الإخراج، من حيث الإضاءة، واختيار المكان، وجلسة الضيوف بانحيازات صناع الوثائقي بشكل شديد المباشرة يصل إلى حد سذاجة أفلام يوسف وهبي القديمة. فأحد الشباب الذي يقدمهم الفيلم بوصفه ملحد، أو لا أدري، اختار المخرج التصوير معه في مكان يبدو وكأنه خمارة، وجاءت الإضاءة خافتة، سلطت من أعلى وجه الشاب، حتى يبدو وكأن وجهه شيطانيًا. بينما اختار غرفة نوم إحدى الضيفات للتصوير معها، طبعا بقى ما هي قلعت النقاب والحجاب وكده يعني، مش عايزة أفسر.

ربما يتذرع صناع الفيلم بأن الضيوف قبلوا مكان التصوير، وأكرر، الضيوف ليسوا مخرجين، ولا صناعة الأفلام الوثائقية مهنتهم، ولا يجدر تحميل الضيف لغة الوثائقي الإخراجية.

في محل آخر، اختار المخرج تصوير أعضاء داعش من موقع قوة، حتى أنه أجلس الضيف في مكان أعلى من المضيف.

في هذا الشق، كان التركيز على تبرير فعل القتل بوقوع أحداث رابعة، والتعرض للتعذيب، وحضور جنازات الأصدقاء، والاتهامات

الباطلة التي بثها الإعلام، حتى تصل الرسالة التربوية للمشاهد بإنه لولا وقوع مجزرة اعتصام رابعة العدوية لما كان هناك إرهاب، ولما انضم هؤلاء الشباب إلى داعش، ولما ألحد شباب آخر.

هذا بخلاف وضع الإلحاد، أو التردد في الإيمان، أو اللا أدرية، أو البحث والشك، كمعادل موضوعي للإرهاب والقتل! وكأنهما خطان متوازيان ينبثقان من نفس الظروف ويؤديان لذات النتيجة.

لن أستنفد سعراتي الحرارية في دحض هذا الافتراض الآن، لكن ما بدا لي أن صناع الوثائقي قد وضعوا افتراضهم قبل البحث، ثم شرعوا في بحثهم لإثبات هذا الافتراض بكل ما أوتوا من قوة، وإضاءة، وحركة كاميرا، ونظرات مذيع. ثم أخيرًا، فشل الوثائقي فشلًا ذريعا في تأكيد هذه الفرضية.

إعلان

وآدي جزات اللي ما يمشيش على الخطوات المهنية اللي علموها له في الجامعة.

هل هي دعوة للإلحاد؟
إن كان كذلك فلا بأس، كل واحد حر في رأيه، لكنني لا أظن أن الشاب المنبهر المندهش المذهول، وزملاءه، كانوا يقصدون إبراز ما ظهر في الوثائقي. فلنتخيل سويًا كائنا فضائيًا، هبط للتو على الأرض، وأوقعه حظه في منزل كان يفتح قناة الجزيرة مع بداية الوثائقي، فقرر أن يتابع ليفهم عما يهتم به الأرضيون.

في البداية، وجد مجموعة من الشباب، أحدهم يقول أنه لا يعلم ولا يجزم، ويروي قصة مأساوية، بدأت بفرض أهله عليه طريقا لم يختره، ثم مر بأحداث جسام، ودماء كثيرة، فقرر أن يتوقف قليلا ويفكر، وهو الآن يقول لا أعلم. وشاب آخر يروي قصة خديعة، حيث وثق في أحد الدعاة الذي خذله بمواقفه المخزية أمام الدم، فقرر أن يتوقف ويبحث، ويتعامل بحياد مع كل المعتقدات.

وفتاتين فرض عليهما، من سن الطفولة، ملابس دينية، ولم يسألهما أحد عن رأي أي واحدة بشأنها، بل، ولم يفهما لماذا ترتديان هذه الملابس، ومرت كل واحدة منهما بتجربة شخصية وعامة شديدة القسوة، إحداهن تزوجت من شخص أخافها حتى ما عادت تريد أن تبقى في علاقة هي الطرف الخائف فيها حتى لو كانت هذه العلاقة مع الله، والأخرى مرت بسلسلة من الخذلان حتى شعرت بالوحدة، وهي الآن غاضبة وحزينة، وقررت أن تعيد حساباتها في الاختيارات التي فرضها عليها أهلها منذ الطفولة.

ثم وجد مجموعة ملثمة، يقول أحدهم: أنا بافرح لما باقتل. وأنه انضم لداعش لإنه كان في الساحل الشمالي، ثم عاد ليشاهد بعض الفيديوهات الخاصة بمجزرة رابعة فقرر أن يترك وطنه ويسافر لبلد آخر ليقتل بعض الناس الذين يسميهم أعداء الدين، ويشعر بالفرح لإنه يقتل! وآخر حضر جنازة صديقه، وفوجئ بوالده ينهى أحد الشباب عن الدعاء على أحد أو تمني الشر لأحد، فقرر أن يترك هؤلاء الناس ويذهب ليقتل، ثم بعد أن ذهب وقتل، داهمه التردد، وفوجئ بأن المجموعة التي انضم إليها لا تريد إقامة الحق والعدل كما كان يظن، وهو الآن لا يعلم كيف يتراجع، وآخر تعرض للتعذيب بالصعق الكهربائي، فخرج من السجن، وسافر وحمل السلاح ليقتل أناس لا يعرفهم ولا يعرفونه، هو حتى لم يفكر في الانتقام ممن عذبه، ذهب إلى وطن آخر، مكان آخر، وكل ما يخيفه أن تعرف أمه أنه انضم لداعش! أي أن والدة هذا الشاب الآن تجلس باكية، وتظن أن ابنها مختف قسريًا، أو أنه معتقل، أو أنه مقتول، بينما هو يلهو بسلاحه ليقتل الأبرياء في مكان غير المكان.

إعلان

تخيل نفسك محل هذا المخلوق الفضائي، ماذا سيكون حكمك؟ وكيف سترى الأمور؟

بصرف النظر عن جلسة الفتاة في غرفة النوم والتي لا يعلم المخلوق الفضائي دلالاتها لإنه ليس أرضيًا، وبغض الطرف عن جلسة الإرهابي في مكان يعلو المذيع، لإن المخلوق الفضائي ليس لديه هذه المفردات.

ماذا يضير بلدي وحبايبي والمجتمع والناس أن يقرر شاب ترك جماعة الأخوان، أو التوقف عن سماع عمرو خالد، أو أن تخلع فتاة الحجاب؟ ما هو الأذى الواقع على الموظف في دولابه، والسيدة في السوق، والشاب الذاهب إلى جامعته في المترو، والحطابين في الجبال، والعجائز حول نار المدفئة من جراء إلحاد مواطن ما في مكان ما؟

ما المدهش والمحطم إلى هذه الدرجة في أن يراجع الإنسان قناعات لم يعتنقها وإنما فرضتها عليه أسرته؟

مالك يا قلبي؟ اسم الله عليك… هاتوا له مية بسكر الراجل حيروح مننا.

هذا الانهيار الذي تجسده الصورة كان بعد أن قال له شاب مسيحي: لا أنا مش مصدق في وجود إله!

وبهذه المناسبة، أنا لم أفهم أبدًا وضع المسيحي الذي ظهر في نهاية الوثائقي ليقول أنه لا يعتقد في وجود إله؟ أيوه يعني ماله ده؟ حضر رابعة هو كمان ولا أمه حجبته غصب وهو صغير؟ أم أن صناع الوثائقي، وبموجب أحكامهم المسبقة وانحيازاتهم الأيديولوجية، أرادوا أن يرسلوا إلى المخلوق الفضائي الزميل رسالة مفادها: لا.. أوعى تفتكر أن المسلمين بس هم اللي بيكفروا، المسيحيين كمان.. ألا تظن فينا حاجة وحشة.

طيب هو المخلوق الفضائي لا يعلم شيئًا عن المسلمين والمسيحيين، الموضوع ده ما وصلهمش في الكوكب اللي هو جاي منه.

والمخلوق الفضائي يرى أن كل المخلوقات التي وهبها الله عقلا لها كامل الحرية أن تراجع حسابات حياتها المهنية والدراسية والاجتماعية والدينية وكل ما يتعلق بها.

إعلان

والمخلوق الفضائي يعلم، كما نعلم، أن سلب الأرواح جريمة، وتبريرها جريمة أخرى. ولا أظن أن المخلوق الفضائي قد ابتلع فيلم جعلوني مجرمًا ده اللي عملتوه على أعضاء داعش.

والمخلوق الفضائي، إذا افترضنا أنه قادم من كوكب طيب، فينوس مثلاً، فإنه سيعتقد بإن أولئك الذي سافروا إلى بلد آخر ليقتلوا أهله، يعانون من صدمة ووجب التعامل معهم بوصفهم مرضى، وعلاجهم، وأنهم، على أفضل تقدير أشخاص غير مسؤولين.

وإذا كان هذا المخلوق قادم من كوكب زحل أو المريخ أو أي كوكب عصبي شوية، فإنه لن يصفهم سوى بالمجرمين، وسيطرح وافد كوكب زحل جدلية أن هناك شاب آخر عانى من مواجهة الدماء وفقد صديقه وقريبه وأخيه، ومع ذلك لم تسول له نفسه القتل، وإنما قرر مراجعة نفسه في كل ما كان يعتقد فيه، وده كلام الناس العاقلين على فكرة، إذا ارتج المرء داخليًا عليه مراجعة نفسه. وسيؤكد وافد كوكب زحل، أن وافد كوكب فينوس عبيط، وأنه ليس كل من يعاني من صدمة قتل أو تعذيب يتحول إلى مجرم، قد يكتئب، قد يهتز، وربما ينتحر، لكن القاتل قاتل، وله نفسية المجرم؛ إلا أن كل من وافد كوكب فينوس وكوكب زحل، لن يجدا غضاضة في أن يتعامل الإنسان مع نفسه ومعتقداته كما يشاء، ولن يفهم كلاهما لماذا ينهار المذيع بهذا الشكل؟

تجربة إنسانية
رغم كل ما سلف، إلا أنني شاهدت الوثائقي مرتين على التوالي، للأسباب الآتية:

إحقاقًا للحق، الوثائقي مسل جدًا، وإيقاعه منضبط. وهناك جانب عاطفي فيما يتعلق بهذا الوثائقي، أنا أعلم هذه الآلام وهذا الشعور بالخذلان وهذه الاختناقات والرغبة في الفكاك من القيود. هذا الوثائقي يمسني بشكل شخصي، ورغم كل شيء، سعدت بالمشاركة النفسية لبعض الضيوف.