حياة

لماذا يشعر جيل الألفية بالملل من الحياة؟

ولماذا شعورك بالملل هو أفضل شيء قد يحدث لك
20.5.19
ملل

نادراً ما يمر يوم دون أخبار تشير الى شيء مفزع أو محبط يتعلق بـ "جيل الألفية." نحن جيل يتم تحليله ودراسته بصورة دائمة، ويتم تجميع سلوكنا وقراراتنا باستمرار في صور معلوماتية تصنفنا كأكثر جيل نباتي، وأكثر جيل عاجز وغير مستقر جنسياً. لكن قبل فترة، تم نشر نتائج استبيان مع استنتاج مثير للقلق بما يكفي للوقوف عنده والانتباه إليه، لمدة دقيقة على الأقل. فعلى ما يبدو أن ثلثي جيل الألفية "يشعرون بالملل من الحياة." 27% يشعرون بالملل من التلفزيون، واحد من كل ستة سئموا من وسائل التواصل الاجتماعي، و25٪ منّا يشعرون بالملل من محاولة النوم. لقد فقدنا الاهتمام بكل شيء. سئمنا من الإحساس والشعور، مللنا من وجودنا وحياتنا.

إعلان

على الرغم من ذلك، هناك شيء غريب حول هذه العبارة "الملل من الحياة." إنه تشخيص فظ، الأمر يبدو كما لو أننا فقدنا القدرة على التعبير. يبدو الأمر مثل نتيجة يائسة تم التوصل إليها بعد محاولات سابقة لا حصر لها من الفشل في تحديد الخلل واستخلاص المشكلة الحقيقية. هناك فرق بين أن تشعر بالملل من الرياضيات أو أن تشعر بالملل من العلاقات، ولكن أن تشعر بالملل من الوجود هو بالتأكيد يعني أنك ترفض كل عنصر في هذا العالم الذي نعرفه. لا شك أن هناك ما يعجبك في الحياة، بالتأكيد هناك أشياء كافية لإبقائك مشغولاً ومنهمكاً ما بين ولادتك وحتى وفاتك.

1558348005017-Boredom

Photo via wiki

عندما أقوم بتقييم تجربتي الحياتية، كيف أشعر بشكل يومي، فإن حدسي سيقول لا، لا أشعر بالملل من الحياة. ظاهريًا، هناك الكثير يحدث حولي. في اليوم العادي أتحدث إلى بعض الأشخاص المثيرين للاهتمام، واقرأ عن معاناة العالم، وأشاهد مقاطع فيديو لدببة تطارد راكبي الدراجات. عادةً أشرب بضعة أنواع مختلفة من المشروبات الساخنة، وأحيانًا أدخن سيجارة وأندم على ذلك، وأتناول بعض الكاجو، وأتبول عدة مرات. في المساء، أشرب البيرة أو أشاهد برنامج تلفزيوني أو أذهب للملاهي الليلية متظاهرًا أنني لست مُتعبًا. وهذا يكفي للرضا والقناعة. بداخل رأسي، توجد أيضاً تفاصيل متناقضة. أشعر بالسعادة عندما أرى صديقتي، وأشعر بخيبة الأمل عندما أنظر إلى جسدي، وأغضب عندما أقرأ مجموعة من التعليقات على وسائل التواصل الاجتماعي، أضحك مع أصدقائي، وأبكي مرة كل سنتين أو ثلاث سنوات. هذه التفاصيل متعبة بعض الشيء، لكنها ليست مملة.

مثل كل الشباب، لدي مشكلة في الالتزام بأي نشاط. لدي عدم قدرة محبطة على إنهاء قراءة كتاب، على سبيل المثال. في حقيبة ظهري حاليًا كتابين كلاسيكيين من إصدارات Penguin وقصة قصيرة نسبيًا عن فن الـ Afrofuturism (الجمع بين القصص العلمية الخيالية مع الأساطير الأفريقية) والتي حصلت عليها كهدية في الكريسماس. أنا أستمتع بالقراءة، لكن إذا قرأت أكثر من ثلاث صفحات، ابدأ في الشعور بمشاهدة خيوط دقيقة أسفل عيني وهي تجر رأسي بعيدًا عن النص نحو أي شيء آخر. الجاني الواضح الذي يجب إلقاء اللوم عليه هو: الهواتف الذكية. لا شك أن الاجتياح المستمر للتفاعل الاجتماعي عبر الموبايل نتج عنه صعوبات في التركيز والاهتمام، ولكن هذا ليس ما نتحدث عنه هنا. فالملل لا يعني بالضرورة عدم القدرة على التركيز. الملل هو قلة الاهتمام، أو قلة الأشياء التي نهتم بشأنها. الملل هو التحديق الفارغ في الفراغ.

1558348124976-person-731165_1280

Image via pixabay

وهذا هو السؤال: كيف يمكن للجيل الذي لديه الكثير للقيام به أن يزعم أنه يشعر بالملل من الحياة؟ هل من الممكن أننا اخترعنا نوعًا جديدًا من الملل؟ الملل الناشئ عن وفرة الخيارات بدلا من غيابها. عندما أفكر فيما أشعر به يوميًا، غالبًا ما يكون هناك شعور بالضيق ورغبة في أن أفعل شيئًا آخر. أريد تغيير نوع الموسيقى التي استمع إليها مثلاً. اريد مشاهدة برامج تليفزيونية على نيتفلكس بدون الشعور بالضغط لمشاهدتها. المقالات التي احتفظ بها لقراءتها في وقت لاحق تتجمع يوماً بعد يوم. قد يظهر هذا الملل في صورة قلق – أقل من كونه "شعور بالملل من الحياة" هناك انتظار مستمر لحدوث شيء في الحياة. هذا الملل العبثي الفاتر يبدو لي أنه أسلوب للبقاء نوعا ماً. الطريقة الطبيعية الوحيدة التي يمكننا من خلالها التعامل مع الحجم الهائل من الأمور المشتتة لتركيزنا هو التدوير المستمر للأشياء التي نخصص لها أوقاتنا – الضوضاء البيضاء التي قمنا بتطويرها للتخفيف من حدة التعامل مع كل شيء دفعة واحدة.

في مقال لصحيفة الجارديان العام الماضي، وصف غاياتري ديفي، أستاذ مساعد في اللغة الإنجليزية بجامعة لوك هافن، الملل بأنه "أخر ميزة للعقل الحر." وعلى حد تعبيره، فإن الملل هو "تجربة مكثفة من الوقت لم يمسها الجمال والسرور والراحة وجميع الأحاسيس الحيوية الوقتية." أساسًا، الملل الحقيقي هو مساحة فارغة، الوقت الوحيد الذي نقضيه مع أفكارنا الخاصة. هي المرة الوحيدة التي يُسمح فيها لأفكارنا بالخروج عن المألوف، لتصبح أفكارًا أكبر وأفضل، دون أن يتم محيها من خلال الجنس أو المخدرات أو مباريات كرة القدم. الشعور بالملل من الحياة هو، بالطبع، شيء طفولي ومحبط لكي تقوله أو تشعر به، ولكن شعورك بالملل من الحياة من وقت لآخر، ربما لا يكون أمراً سيئاً، رغم كل شيء.

ظهر هذا المقال بالأصل على VICE US