رأي

قص شعر النساء في مترو القاهرة: تجريم النقاب ودفاع نسوي مشوّش

أجد صعوبة في الدفاع عن حق ارتداء النقاب بعد انتهاكات يرتكبها أفرادًا يرتدون النقاب

إعداد غدير أحمد
2019 09 08, 11:29am

Unsplash/ مريم علي العميرة

في يوم من شهر أغسطس 2019 استقلّت نانسي مجدي، العربة المخصصة للنساء داخل مترو أنفاق القاهرة. بسبب الزحام، لم تستطع نانسي إيجاد مقعد، فوقفت باتجاه الباب استعدادًا للنزول بعد محطات قليلة. وقفت بجانبها امرأتان ترتديان النقاب. عند فتح باب المترو، قامت إحداهن بشد شعر نانسي، وقطعته باستخدام آلة حادة "كاتر." صرخت نانسي، ولم يُمهلها باب المترو الكثير لتلحق بالسيدتين اللواتي هربا وصاحا بها: "عشان تبقي تستري نفسك." يغلق الباب، ويتحرك القطار، وتشاهد نانسي شعرها على رصيف المحطة التي غادرتها توًا، وبعض الراكبات يحاولنّ تهدئتها، وبعضهن ينظرن لها كمجرمة نالت العقاب، مُبررات ذلك بأن لديها وشمًا على رقبتها: نون.

نون هي نون النسوة، التي تؤمن نانسي بأهميتها في اللغة، والحياة اليومية. تُضفي نون النسوة تأنيثًا للأفعال والأسماء، وتُضفي معهم منظورًا فاعلًا عن النساء. هكذا هي معتقدات نانسي: حق النساء في الوجود في كل حيّز. ما تؤمن به نانسي، قد لا يتغير بعد هذه الحادثة، ولكن البعض قد يرى أن الأمر أكبر من إختلاف في الرأي أو في الشكل، لأن الأمر وصل إلى الأذية الجسدية وهذه الحادثة لم تعد حالة فردية يمكن لومها على بعض النساء "المتشددات دينياً."

جريمة متكررة وعقاب غائب
وقائع قص الشعر داخل مترو القاهرة، متكررة، ومتشابهة. في شتاء 2012 قامتا مُنتقبتان بقصّ شعر امرأة مسيحية داخل مترو أنفاق القاهرة، ووصفتاها بـ"كافرة." وفي واقعة شبيهة، قامت منتقبة بقص شعر طفلة مسيحية ماجي ميلاد بنفس الطريقة. في أبريل 2017 تم الاعتداء على الصحفية المصرية رحمة سامي داخل عربة المترو المخصصة للنساء. حاولت امرأة قص شعرها بنفس الآلة الحادة التي استخدمت لقص شعر نانسي وقلن لها:"عشان تحترمي نفسك بشعرك اللي انتي فرحانة بيه ده." نجَت رحمة بأعجوبة عندما تدخلت الراكبات لمنع المعتدية التي هربت بمجرد فتح باب المترو. حررت رحمة سامي محضرًا بالواقعة، ولم يتم التوصل إلى المعتدية، رغم كونها غير منتقبة.

استهداف غير المحجبات له دلالاته أيضًا. فالحجاب لا يزال الزي السائد الذي يُعتقد أن غير المحجبات يستحققن عقاب قص الشعر على عدم ارتدائه

هناك عدة عوامل مشتركة بين هذه القصص: مكان الاعتداء، طريقة الاعتداء، أداة الاعتداء، طريقة الهروب، ردود فعل الحاضرين/ات، والإفلات من العقاب. اختيار المترو يرجع إلى سرعة الحركة على أرصفة القطارات، مما يُسهل هروب المعتدين/ات. استهداف غير المحجبات له دلالاته أيضًا. فالحجاب لا يزال الزي السائد الذي يُعتقد أن غير المحجبات يستحققن عقاب قص الشعر على عدم ارتدائه. يرجع هذا لسنوات طويلة تم الترويج فيها للحجاب باعتباره الزي الإسلامي المحتشم، وأن السافرات سبب فتنة الرجال، وحتى أنه تم لومهن على غلاء الأسعار.

هذه التبريرات الفارغة تترجَم إلى عنف ضد غير المحجبات، وتتعرض المسيحيات إلى عنف مُضاعف، مرة لأنهن غير محجبات، ومرة لأنهن يرتدين صليبًا أو وشمًا. في جميع هذه الحوادث، تحاول الحاضرات تهدئة النساء اللواتي تعرضن لهذه الاعتداءات، ولا يُساعدن في الإمساك بالمعتدية، فهناك خوف من التعرض للأذى أيضاً. أما الأداة، المستخدمة بهذه الاعتداءات فيمكن لحاملها المرور من بوابات الأمن الإلكترونية بسهولة. كذلك لا ينتبه عساكر أمن محطات المترو المفترض انتشارهم على الأرصفة وسرعة استجابتهم إن رأوا حركة غير عادية داخل المترو، فيتدخلون فورًا، أو يوقفون المترو لدقائق إضافية، للقبض على منتهك. حتى في حالات الإبلاغ، لا يتم التوصل إلى المعتديات اللواتي عادة ما يكن منتقبات، مما يجعل العثور عليهن مستحيلاً. هذه الحوادث تسببت في خوف من المنتقبات وتسبب في جدل شخصي ومجتمعي حتى اللواتي كن يعتبرن أن النقاب حرية شخصية بدأن يرين في النقاب تهديداً وطريقة للإفلات من العقاب.

ولكن المتنقبات اللواتي تحدثت معهن لهن رأي آخر في كل هذه الحوادث، تخبرني إسراء محمد، في العشرينات من عمرها وتعيش في القاهرة، أن هذه الوقائع تُرعبها شخصيًا كمُنتقبة. وسواء المعتدية ترتدي النقاب فعلًا أو ترتديه لتتخفّى به، فهذا الاعتداء يُضر منتقبات أخريات يتعرضن للمضايقات لارتدائهن النقاب في الأماكن العامة. وتستكمل، "بس المواقف دي بتخليني عاوزة امشي اقول للناس والله مش كلنا كده ومش دي نظرتنا لغير المحجبات."

أما مروة علي، 30 عاماً، فتشير إلى أنها غير مقتنعة بقصة نانسي ودللت على ذلك بالقول: "المترو بالليل مبيكونش زحمة كده، وان لو حصل ده اكيد في واحدة كانت هتصور المشهد أو حتى صراخ نانسي." ولكن مروة على الرغم من عدم اقتناعها، لم تلجأ إلى السخرية أو ذكر الواقعة بأي شكل على حسابها الشخصي، "هذه حوادث فردية لا يُمكن من خلالها الحكم على النقاب أو منعه."

دفاع نسوي مشوّش
مع كل واقعة انتهاك وقص شعر داخل المترو، تتعالى نداءات تجريم النقاب في الأماكن العامة، تصحبها تعليقات مُسيئة للمنتقبات. كنسوية مؤمنة بحق النساء في الملبس، أجد صعوبة في الدفاع عن حق ارتداء النقاب بعد انتهاكات يرتكبها أفرادًا يرتدون النقاب. أنا في المنتصف بين ما أؤمن به نظريًا، وبين جرائم تُرتكب باسم ما أقول أنه حق أصيل. وإن كنتُ أملك حجة أن حتى لو المعتدية غير منتقبة فقد فشلت الأجهزة الأمنية في الكشف عن هويتها، كما في واقعة رحمة سامي، فأنا لا أملك حجة للباقيات اللواتي تم استخدام النقاب لارتكاب جرائم ضدهن، تصل أحكامها وفقًا لقانون العقوبات إلى 7 سنوات.

الآن يُعتبر دفاعي كنسوية عن النقاب غير ذي جدوى، إن كانت المنتقبات أنفسهن لا يقومنّ بإدانة هذه الأُفعال، ولا يتضامنّ مع المعتدى عليهن

إن كنت أدّعي أن الزي لا يمكنه تحديد السلوك والهوية، فلا يُمكنني الجزم أن مُرتكبيها ليسوا نساءً. إن كنت سأدعو إلى زيادة عدد العساكر في الأماكن العامة، مع حفظ حق المواطنين في الملبس، فقد أكون ساهمت فيما تُسميه الأكاديمية: "أمننة المجال العام" والتي تُزيد وتيرة العنف عمومًا ضد أفراد قد لا يكونوا مُنتهكين أو مجرمين.

في الوقت الحالي، لا أملك إلا دعوة للحث على الانتباه لماكينات الفحص الآلي عند بوابات المترو -كحيّز تتكرر فيه تلك الجرائم- والتي قد تكشف عن وجود آلات حادة مع الركّاب، وتدريب العساكر على أرصفة المحطات بالانتباه لما يحدث داخل العربات، وتمكينهم من وقف المترو في حالات الطوارئ. الآن يُعتبر دفاعي كنسوية عن النقاب غير ذي جدوى، إن كانت المنتقبات أنفسهن لا يقومنّ بإدانة هذه الأُفعال، ولا يتضامنّ مع المعتدى عليهن.

Tagged:
مصر
حقوق المرأة
مرأة
حجاب
نقاب
نسوية
مساواة