مجتمع

بين النوم والسفر والعزلة.. هكذا يهرب النباتيون من ذبائح العيد

أكل اللحوم حلال، لكن الامتناع عن أكلها حلال أيضًا
2019 أغسطس 11, 5:06am
النباتيون

يدخل ياسر غرفته، ويغلق الباب والنوافذ، ويقضي 4 أيام كاملة حبيسًا، لا يرى ضوء النهار، ولا يشم رائحة الشوارع، بينما تتسرب إليه من الخارج أصوات الألعاب النارية للأطفال الفرحين بالعيد، تتخللها أصوات أستغاثات مكتومة، لحيوانات في طريقها إلى الذبح. "العيد فرحة"، لكن بالنسبة لمجتمع النباتيين، هو "أكبر مذبحة" تتكرر سنويًا عبر التاريخ، ما يحول صفحاتهم على مواقع التواصل الاجتماعي خلال أيام العيد إلى مظاهرة إلكترونية، مثيرين المزيد من الجدل مع كثير من "اللاحمين"، الذين يستخدمون سلاح الدين في حسم النقاش لصالحهم.

عندما سألت عددا من النباتيين "كيف يقضون عيد الأضحى؟" كانت الإجابة واحدة، تقريبًا، فالجميع يهرب بعيدًا، البعض يغلق عليه غرفته، والبعض الآخر يختار السفر لحين إزالة آثار الذبح من الشوارع، وخلال هذه الفترة لا يكون أمامهم سوى التواصل عبر العالم الافتراضي لـ"السوشيال ميديا".

ياسر العمودي، مصمم جرافيك فلسطيني يعيش في مصر، قال إنه يقضي أيام عيد الأضحى داخل غرفته، منذ 15 سنة، هربًا من صراخ و"بكاء" الحيوانات المساقة إلى الذبح، وحتى لا يشم رائحة الدماء في شوارع العاصمة المصرية، فلا يخرج من غرفته إلى أن تنتهي آثار الدماء.

يقول العمودي، إن الألم كان بعتصر قلبه في الصغر عندما كان يرى مشهد ذبح الخراف في العيد، فقرر أن يصبح نباتيًا، لكن مخاوف الأسرة على صحته، إذا امتنع عن تناول اللحوم، لم تمكنه وقتها من تنفيذ القرار، فظل التحول إلى النباتية حلمًا بالنسبة له، حتى اتخذ القرار في عام 2004.

رأيت عدداً من السيدات في ملابس سوداء، يقفن وسط بركة من دماء أحد الحيوانات المذبوحة، في انتظار الحصول على قطعة منه، ووقتها قرر أن يمتنع نهائيًا عن تناول اللحوم

كان يسير في أحد شوارع منطقة المهندسين الراقية، بالقرب من قلب القاهرة، في أول أيام عيد الأضحى، عندما شاهد العمودي مشهدًا لم ينساه منذ 15 سنة، يقول "رأيت عدداً من السيدات في ملابس سوداء، يقفن وسط بركة من دماء أحد الحيوانات المذبوحة، في انتظار الحصول على قطعة منه، ووقتها قرر أن يمتنع نهائيًا عن تناول اللحوم."

وطوال الـ15 سنة الماضية، كان العمودي يحبس نفسه في غرفته خلال أيام العيد، حتى لا يرى الدماء المنتشرة في كل مكان، خاصة في المناطق الشعبية، موضحًا أن الأسرة اعتادت على عدم مشاركته لهم في الاحتفال بالعيد، رغم إن بعضهم مازال يسأله من حين ﻵخر عن أسباب امتناعه عن تناول اللحم، فيوضح لهم أن الموقف أخلاقي بحت، وأنه يرفض ذبح الحيوانات، ﻷنها كائن حي يشعر ويتعذب مثلنا، فلا يقبل أن يعيش هو سعيدًا على حساب قتل كائن حي آخر.

في أحيان كثيرة، يدخل العمودي في جدل طويل حول موقفه، لكن مع الوقت اعتاد أن ينهي الجدال، خاصة حول موقفه من ذبح الحيوانات في العيد، عندما يشعر أن النقاش بلا جدوى، فيما يقول إنه يطبخ بنفسه أكلات نباتية في العيد، ﻷن أغلب المطاعم لا تقدم سوى اللحوم في هذه الأيام، بينما المطاعم المتخصصة في الأكلات النباتية باهظة الأسعار بشكل مبالغ فيه، مشيرًا إلى إنه إذا فكر في الزواج، لن يتزوج إلا نباتية.

لا توجد أرقام دقيقة عن أعداد النباتيين في الدول العربية، لكن أشهر تجمعاتهم على موقع فيسبوك، وهو صفحة "vegan life"، تضم عددًا يتجاوز 157 ألف متابع، بالإضافة لعدد كبير من المجموعات، التي تنشط بشكل مكثف خلال أيام عيد الأضحى، بإطلاق دعوات لوقف ذبح الحيوانات.

عيد أخضر

منذ أيام، أطلقت صفحة "منزوع القسوة" النباتية، التي بدأت نشاطها العام الماضي، وتضم حاليًا قرابة 3 آلاف عضو، حملة بعنوان "عيد أخضر" تدعو لوقف ذبح الحيوانات في العيد، "لأن ذلك يضر الكوكب الذي نعيش عليه"، حسبما قال لنا أحد المشرفين عليها، وهو مصري الجنسية، طلب عدم ذكر اسمه.

ويوضح: "ضرر قتل الحيوانات كارثي على البيئة، والعالم لا يحتاج كل هذا العدد من الحيوانات الذي يقتل في يوم العيد، وبالتأكيد الدين لن يرضى أن يساهم في تدمير الكوكب". ويتابع "عيد الأضحى مناسبة صعبة نفسيًا بالنسبة للنباتيين، ومن تجربتي في إدارة الصفحة، فإن أغلب النباتيين يلزمون منازلهم في العيد، هربًا من منظر الدماء في الشوارع، لكن للأسف يقابلون بالاستهجان والرفض من العائلة، التي يرى في عيد الأضحى مناسبة دينية يجب الاحتفال بها."

وعن أنشطته في العيد، يقول أدمن "منزوع القسوة"، "بالنسبة لي، ألتقي بأصدقائي النباتيين، وعادة ننظم vegan party، ولا أفضل الجلوس مع اللاحمين أثناء أكلهم نهائيًا”، مشيرًا إلى أن حملة "عيد أخضر "لاقت صدى جيدًا بين النباتيين وحدهم، بينما رفضها غير النباتيين رفضا قاطعًا، "بل كانت بعض الردود سلبية، إما بالاستهزاء أو الاتهام بأنها ضد الدين،" حسب قوله.

مشاهد الذبح تكون مزعجة أيضًا لبعض اللاحمين، فما حال النباتيين

تجمعات نباتية

مريم، طالبة في الجامعة الأمريكية بالقاهرة، تقول "عمري ما حضرت الذبح، مقدرش أشوف حيوان بيتدبح"، وتضيف "أصبحت المأساة أكبر عندما تحولت إلى نباتية منذ سنتين، فمن وقتها أحاول أن أتفادى السير في الشوارع خلال عيد الأضحى قدر الإمكان، حتى لا أسمع أنين الحيوانات".

ومنذ سنة، بدأت مريم مع عدد من أصدقائها تنظيم تجمعات "vegan"، تقول "المفروض هيكون في واحد في العيد علشان منبقاش لوحدنا"، موضحة أن "هذه التجمعات يحضرها النباتيون وحدهم، ويأتي كل منهم بالأكل الخاص به، أو نتجمع لنذهب إلى مطعم نباتي لتجربته". وتقول مريم "في السابق كنت أتأثر بكلام بعض الناس، ممن يتصدون للنباتية بالدين، واتهاماتهم للممتنعين عن أكل اللحوم بأنهم ضد الدين، أما الآن فأنا لا أنتبه لمثل هذا الكلام."

النوم وسيلة للهروب

زكريا، شاب مغربي، قرر أن يصبح نباتيا في عام 2015، يقول "تصادف أن يكون القرار في أول أيام عيد الأضحى، الذي أعلن رفضي له بشكل صريح أمام الجميع، لهذا خصصت أيام العيد للتوعية بأضرار ذبح الحيوانات، ونشر مبادئ النباتية"، أما عن نشاطه في أيام عيد الأضحى، فيقول "أسهر طوال الليل، وأنام طوال النهار، حتى لا أحضر أجواء العيد التي أكرهها وأرفضها تمامًا."

أما أميرة، التي تعمل مدرسة لغة إنجليزية في القاهرة، فقالت لي إنها تفضل الذهاب إلى أماكن بعيدة مع أصدقائها، لتهرب من مشهد الدم ورائحة الذبج، وتختار "مول" أو "كافيه" وهي تقترح أن تكون هناك أماكن مخصصة للذبح، مع عدم السماح بأن تتم في الشوارع. وتستكمل أميرة حديثها قائلة: "لأنه عيد اللحمة كما يطلق عليه المصريون، لا أجد ما آكله في المطاعم خلال هذا اليوم، لهذا أطبخ بنفسي أطباقًا نباتية، لكنني أحرص على مشاركة عائلتي في الاحتفال بالعيد، حتى لا يغضبوا مني، ولا آكل لحوم معهم، فليس معنى الاحتفال معهم أن آكل لحوم، لأن ده مش الاحتفال من وجهة نظري."

بعيدًا عن المنزل

تحدثت مع أدمن صفحة veganzawy، التي بدأت نشاطها في العام الماضي على موقع فيسبوك، و تضم ما يقرب من 2000 عضو، وقال لي بعدما طلب عدم ذكر اسمه، "في العيد أترك بيت العائلة، لأنني لا أتحمل رائحة الدم، وأذهب لقضاء اليوم مع أحد أصدقائي الفيجن، فعيد الأضحى بالنسبة لي فرصة لمقابلة أصدقائي النباتيين، لنقضي الوقت سويًا، ونطبخ أكلات نباتية، أما العائلة فاعتادت على هذا من جانبي كل سنة".

واختار أدمن صفحة "النباتيون السوريون" على فيسبوك، وتضم 13 ألف متابع، البحر ليقضي العيد بعيدًا عن أجواء الأضاحي، حسبما قال لـ"VICE عربية"، مضيفًا، بعدما طلب عدم ذكر اسمه، إن "مشاهد الذبح تكون مزعجة أيضًا لبعض اللاحمين، فما حال النباتيين؟ لهذا قررت السفر إلى البحر لأبعد عن أي مشاهد مؤذية لي أو لشقيقتي النباتية أيضًا، وأحمد الله أننا عائلة لا تستهلك لحومًا كثيرة، لهذا علاقتي بعائلتي جيدة في عيد الأضحى، الذي يمر دون مشاحنات بيننا."

الامتناع حلال أيضًا

وتتفادى الطالبة الجامعية حبيبة الزيارات العائلية في يوم العيد، حسبما قالت لي، موضحة أن أسرتها تنتمي لإحدى القرى المصرية، حيث يكون الذبح عادة ضرورية، تقول "أحاول ألا أشارك الأسرة في الزيارات العائلية خلال أيام عيد الأضحى، و أعوضها في أي وقت أخر من العام، كما أنني اعتدت على سماع جملة: "اللي بتعمليه ده حرام، ما أرد عليه بتأكيدي أن أكل اللحوم حلال، لكن الامتناع عن أكلها حلال أيضًا، لهذا اخترت الحلال الأكثر رحمة من وجهة نظري، وللأسف عائلتي غير داعمة لي، رغم أن لي شقيقة نباتية أيضًا، وهو يجعل الأمور أيسر بالنسبة لي."