مصر

هروب جماعي للأطباء يُهدد مصر بأزمة غير مسبوقة

آلاف الاستقالات بين شباب الأطباء ومخاوف من تعطل المستشفيات الحكومية
2018 ديسمبر 30, 12:14pm
مصر

على عكس العادة المصرية الأثيرة بتفضيل الوظائف الحكومية على غيرها، وفقًا للمثل الشعبي الشهير عن "إن فاتك الميري اتمرمغ في ترابه" في إشارة إلى تمسك غير مفهوم بالعمل الحكومي في أي من أشكاله، استحدث الأطباء المصريين، خاصة الشباب منهم، منطقهم الخاص القائم على فكرة واحدة، الفرار من "الميري" و"ترابه."

لأسباب مختلفة وإن كانت تدور في فلك واحد، باتت استقالات شباب الأطباء ظاهرة اعترفت بها وزيرة الصحة المصرية مؤخرًا وكشف عن تعطل عمل العديد من المستشفيات جراء هذا النقص، فيما قدرت النقابة العامة للأطباء على لسان أمين الصندوق الدكتور محمد عبد الحميد، عدد استقالات الأطباء خلال السنوات الثلاث الأخيرة بما يقارب 6 آلاف استقالة، وهو رقم غير مسبوق.

وأضاف عبد الحميد أن إحصائيات موثقة داخل النقابة تشير إلى استقالة عدد 1,044 طبيبًا عام 2016، واستقالة عدد 2,549 طبيبًا عام 2017، فيما بلغ عدد الأطباء المستقيلين خلال عام 2018 - حتى 30 نوفمبر الماضي 2397 طبيبًا. وقال: "لا نستطيع القول أنها حالات فردية ولكنها ظاهرة خطيرة، وأتوقع أنه خلال عدة أشهر لن يكون هناك أطباء بمصر."

وتحدث أمين صندوق نقابة الأطباء لـ"VICE عربية" عن أسباب تلك الظاهرة قائلًا: "الأسباب كثيرة جدًا، ومنها ضعف الأجور، والاعتداء المستمر على الأطباء في معظم المستشفيات جراء نقص الإمكانيات الذي يغضب المرضى وذويهم، لينصب هذا الغضب على الأطباء وحدهم، إضافة إلى ضعف فرص الدراسات العليا وتكاليفها المرتفعة مقارنة بدخول الأطباء، وحتى الأن لا يتم تطبيق القانون الصادر عام 2014 والذي ينص على تحمل جهة العمل مصاريف الدراسات العليا للطبيب."

8% من أطباء إنجلترا مصريين و60% من الأطباء المصريين يعملون بالمملكة العربية السعودية فقط

وأشار أمين صندوق نقابة الأطباء إلى أن المشاكل ليست بجديدة على القطاع الطبي، ولكن الظروف الاقتصادية تسببت في تفاقمها. وقال: "مع التضخم وغلاء المعيشة أصبح راتب الطبيب لا يكفى شيئًا، وهناك أطباء مصريين يتجهون حاليًا للعمل بالدول الافريقية التى تمنح رواتب تصل لـ 3 آلاف دولار."

أما مسؤولو وزارة الصحة المصرية فقد رفضوا الافصاح عن أى معلومات أو التصريح بأى تعليق يخص الموضوع. واعتذر الدكتور علي محروس رئيس قطاع الطب العلاجي بوزارة الصحة، عن التعليق على الموضوع أو التصريح بأى معلومات حوله، فيما لم يرد المتحدث باسم الوزارة الدكتور خالد مجاهد على هاتفه أو رسائل الـ"واتس آب" التي أرسلناها له، لكن وزيرة الصحة وخلال الجلسة العامة للبرلمان قبل أيام، اعترفت بالأزمة، وأرجعت سبب تعطل بعض المستشفيات لنقص الأطباء، خاصة فى بعض التخصصات مثل التخدير، وقالت إن السنوات الثلاثة الأخيرة شهدت استقالات متزايدة للأطباء، وأوضحت أن عدد الأطباء 103 ألف طبيب، مضيفة أن 60%من الأطباء المصريين يعملون بالمملكة العربية السعودية وحدها.

الدكتور هشام شيحة وكيل أول وزارة الصحة الأسبق، والملحق الطبي الأسبق فى المملكة العربية السعودية، قال إن الأطباء المصريين العاملين فى الخارج عددهم أكبر من عدد الأطباء العاملين بالداخل. وأوضح أن عدد الأطباء البشريين المصريين العاملين بالمملكة العربية السعودية يبلغ حوالي 70 ألف طبيب، إضافة إلى عدة آلاف في بقية دول الخليج، وأن ما لا يقل عن 25 ألف طبيب يعملون بالولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوروبية وكندا.

وأكد شيحة أن تلك الأعداد مرشحة للزيادة إذا لم تتحسن ظروف عمل الأطباء داخل مصر وأوضاعهم المادية، موضحًا أن هذه الظاهرة لم تحدث من قبل، وقال: "موجة استقالات الأطباء ورفضهم للنيابات وإلغاء التكليف التي تحدث حاليًا لم تحدث فى تاريخ الوزارة من قبل، وكان نادرًا ما يستقيل طبيب أو يلغى تكليفه." وأشار إلى ارتفاع الأسعار وعدم زيادة رواتب الأطباء، قائلًا: "ثبات رواتب الأطباء المتدنية أصلًا (أقل من 200 دولار شهريًا في المتوسط) مع موجة ارتفاع الأسعار، ضاعف معانتهم، خاصة شباب الأطباء والفرق الطبية المعاونة (التمريض والتخصصات الفنية)، إضافة إلى أن 80% من شباب الأطباء لا يمتلكون عيادات خاصة، وحتى العيادات الخاصة أصبحت لا تعمل كما في السابق نتيجة لسوء الأوضاع الاقتصادية."

وحمل الدولة مسؤولية الاعتداءات المتكررة على الأطباء، وقال: "التصريحات الرسمية الذى تُصدّر معلومات غير صحيحة للناس بأن كل شىء متوفر، تتسبب فى صدام بين الأطباء الذين يكونون في مواجهة المرضى الغاضبين من عدم توفر الأسرة والمستلزمات الطبية والأدوية، ويؤدي إلى تكرار حوادث الاعتداءات على الأطباء، وهى أحد أسباب الأزمة."

ظاهرة استقالات الأطباء أدت إلى عجز شديد فى الكوادر الطبية بالمستشفيات، وهو ما دفع وزيرة الصحة للإعلان عن أنها حصلت على موافقة مجلس الوزراء على منع الإجازات بدون راتب للأطباء نظرًا لحاجة العمل للأطباء. وسبق تصريحات الوزيرة قرارات صادرة عن مديري مديريات الصحة بالمحافظات بوقف الإجازات. حصلنا على نسخة من أحد تلك القرارات الصادر من مدير مديرية الصحة بالجيزة، الدكتورة هناء سرور، والتي أصدرت كذلك أمرًا إداريًا يتضمن تعليمات بإيقاف كافة الانتدابات والتنقلات الخارجية والداخلية للأطباء إلا بموافقة مدير المديرية شخصيًا، كما يتضمن القرار إيقاف جميع الموافقات للإجازات غير الوجوبية، وإلغاء العمل جزء من الوقت فى حالة حاجة العمل بناء على رؤية مدير المديرية.

الاستقالات شبه الجماعية لم تضرب المستشفيات والأماكن التابعة لوزارة الصحة المصرية فقط، بل امتدت للمستشفيات الجامعية أيضًا، والتي كان يُنظر لأطبائها على أنهم أفضل حالًا من الأطباء العاملين بمستشفيات وزارة الصحة، ماديًا ومن ناحية حصولهم على الدراسات العليا مجانًا، وتعينهم كأعضاء هيئة التدريس بكليات الطب.

الدكتور خالد سمير، أستاذ جراحة القلب بكلية الطب جامعة عين شمس وعضو مجلس النقابة العامة للأطباء سابقًا غلق على ذلك بالقول: "هناك عزوف من الأطباء عن الالتحاق بنيابات أقسام الطوارىء والتخدير والجراحات الدقيقة بكليات الطب والمستشفيات الجامعية، على عكس ما كان يحدث سابقُا من سباق للالتحاق بنيابات الجراحات الدقيقة، ويتم اختيار أوائل الدفعة، والأن أصبحنا نقبل أطباء ترتيبهم الدراسي متأخر ولا نجد أحيانًا." وأوضح سمير أن مستشفيات جامعة عين شمس شهدت أزمة هذا العام فى قسمي المسالك البولية والتخدير، لتقدم أعداد قليلة من الأطباء للالتحاق بنيابات تلك الأقسام، وحدثت مشكلة مماثلة في أقسام الطوارىء والتخدير بمستشفيات جامعة الإسكندرية وأسيوط.

وعن أسباب هروب الأطباء من تلك الأقسام، قال: "بخلاف أن عملها مرهق، فهي تعرضهم لمتاعب كثيرة وفى حالة وفاة مريض يتعرض الطبيب للحبس، ويتعرض أطباء الطوارىء للاعتداءات المتكررة، فأصبح الأطباء يفضلوا تخصصات مثل الجلدية والأشعة والتحاليل، توفر لهم دخل جيد، وتعرضهم لمشاكل أقل."

التصريحات الرسمية بأن كل شىء متوفر تتسبب فى صدام بين الأطباء والمرضى الغاضبين

وكشف سمير عن أن هناك طلاب من كليات الطب يستعدون للهجرة، من قبل التخرج، ويبدأون دراسة المعادلات الأجنبية، وتابع: "المعادلة الأمريكية تنقسم لثلاثة أجزاء، الجزء الأول منها يمكن امتحانه بعد العام الدراسي الثالث والجزء الثاني بعد العام السادس، والجزء الثالث فى الولايات المتحدة بعد التخرج". وأضاف أن دول مثل الولايات المتحدة وبريطانيا واستراليا تحتاج إلى أعداد كبيرة من الأطباء،" مشيرًا إلى إن 8% من أطباء بريطانيا مصريين..

تحدثنا مع عدد من الأطباء الذين تقدموا باستقالاتهم عن الأسباب والأوضاع التي دفعتهم لذلك، وطلبوا عدم ذكر أسمائهم كاملة خوفًا من تعرضهم لمضايقات حال عودتهم لمصر. "محمد" طبيب في مقتبل العمر تخرج من الكلية عام 2015، واستلم وظيفته كطبيب تكليف بوزارة الصحة عام 2017، وبمجرد أن أنهى عام التكليف، غادر البلاد ، إلى جمهورية مالطا، وأكد لنا أنه لا ينوي العودة للعمل بمصر مرة أخرى، وأنه سيكمل دراسته العليا وعمله بالخارج.

أجر الطبيب فى الصومال 2000 دولار شهريًا في حين لا يتخطي راتبي الشهري بمصر 125 دولارًا

وتحدث الطبيب الشاب الظروف الصعبة التى يعمل بها الأطباء فى مصر، قائلًا: "ضعف الرواتب وتكرار الاعتداءات على الأطباء من المرضى وذويهم الغاضبين من سوء الخدمات الصحية أهم أسباب قراري بالهجرة، فالأطباء وحدهم يدفعون فاتورة انهيار المنظومة الطبيعة، على الرغم من أنهم الحلقة الأضعف، وأنهم يعملون لساعات طويلة بأقل الإمكانات وأدنى الأجور." وعبر عن أسفه للظروف التى اضطرته للسفر قائلًا: "كطبيب حديث التخرج، كنت أتمنى أن أخدم أهلى بعلمي، ولكن فوجئت أنني مْهان، ولن أعود للعمل مرة أخرى في وزارة الصحة."

وقال "محمد" إنه لم يجد سببًا للبقاء، حتى مع ضغط الأهل والحديث عن فقدان للمعاش التأميني والعمل الثابت، مشيرًا إلى أن راتبه 2،350 جنيه - مايقارب 125 دولار – وأن الطبيب فى مصر يحصل على أدنى رواتب فى حين يحصل الطبيب فى الصومال على راتب شهرى 2،000 دولار على حد قوله.

ويقول "إسلام": "تستلمت تكليفي عام 2008، في إحدى الوحدة صحية بمحافظة مرسي مطروح – إحدى محافظات مصر الحدودية – وبعدها انتقلت للقاهرة في إطار برنامج الزمالة المصرية (برنامج دراسات عليا تدريبي تابع لوزارة الصحة)، وعملت طبقًا للبرنامج فى أحد المستشفيات التعليمية بالقاهرة فى تخصص جراح القلب، وحصلت على الزمالة المصرية، وزمالة كلية الجراحين الملكية بلندن. وأضاف: "حاولت نقل وظيفتي من المركز الطبي بمرسي مطروح لأحد المستشفيات بالقاهرة، ولكن تم رفض طلبي بدعوى حاجة العمل، على الرغم أن المحافظة لا يوجد بها مكان مؤهل لجراحات القلب، وهو ما اعتبره روتين يؤدي إلى فقدان طبيب لديه تخصص نادر."

وعن قرار الاستقالة قال: "بسبب تلك المشاكل وظروف العمل السيئة التي نعمل فيها، قررت تقديم استقالتي ولم أنتظر الموافقة عليها، وسافرت للمملكة العربية السعودية، وأحصل على راتب شهري 30 ألف ريال – حوالي 8 آلاف دولار – بينما فى مصر لم يكن راتبي يزيد عن 4 آلاف جنيه (حوالي 200 دولار)".

"محمد. ع" طبيب شاب يستعد لتقديم استقالته لأسباب لخصها بالقول: "نتعرض لاعتداءات متكررة من أهالى المرضى بسبب نقص الإمكانيات وأسرة الرعاية المركزة وكأننا نحن المسؤولين عن تلك المشاكل التي نعاني منها فى الأساس، ومؤخرًا تعرض أحد زملائي لاعتداء انتهى بإصابات خطيرة. وهو مصير ليس ببعيد عني، حيث أعمل في الظروف ذاتها، وقد أكون أنا الضحية الجديدة."

إعلان