divine wind 3
بطلا فيلم "ريح رباني" في أحد المشاهد 
2018

5 أفلام عربية خيبت الآمال في 2018

ناقشت قضايا كبرى بمعالجات سطحية وخالفت توقعات الجمهور والنقاد
23.12.18

ارتفاع سقف التوقعات يقف أحيانًا في غير صالح الفنان، خاصة عندما يتعلق الأمر بأفلام حازت جوائز في مهرجانات كبرى، أو أسماء مخرجين حازت أفلامهم السابقة على إعجاب الجمهور والنقاد، وهو ما يجعلهم في مرمى نيران النقد القاسي بمقدار آمال جمهورهم. في العام 2018 أصابت لعنة التوقعات الكبرى عدد من الأفلام بعضها لأسماء واعدة على الساحة العربية والبعض الآخر لصناع أفلام مخضرمين أمتعوا الجمهور وأبهروا لجان تحكيم المهرجانات الدولية لسنوات. لعلها تلك الكبوات الصغيرة التي تؤكد مكانة الفنانين المحبوبين لدى جمهورهم وتدفعهم للتفكير في العودة إلى إلى حيث يستحقون بتأن وحذر.

إعلان

يوم أضعت ظلي.. ضحية البندقية
لعل أبرز الصدمات التي تلقاها الجمهور والنقاد في عام 2018 عرض فيلم يوم أضعت ظلي للمخرجة السورية سؤدد كدعان في العالم العربي للمرة الأولى بعد ضجة كبيرة أثارها، كونه الفيلم السوري الأول الذي ينال جائزة بمهرجان البندقية السينمائي الدولي المرموق، وهي جائزة أسد المستقبل - لويجي دي لورنتيس ببرنامج آفاق، والتي تُمنح لأفضل مخرج واعد عن العمل الأول أو الثاني، وحصلت عليها مخرجته في الدورة الـ75 للمهرجان باعتباره فيلمها الروائي الطويل الأول بعد أربعة أفلام قصيرة ووثائقية طويلة.

يدور الفيلم حول فكرة إنسانية بسيطة هي فقدان الإنسان ظله بينما لا يزال على قيد الحياة، في استعارة رمزية ربما لفقدان الإنسانية سواء للقاتل أو للضحية على حد سواء، وهو ما يتتبعه شخوص الفيلم على مدى ساعة ونصف خلال رحلة مريرة بحثًا عن أسطوانة غاز في شوارع سوريا حيث تجري أحداث الفيلم ما بين عامي 2011 و2012. فكرة شاعرية ألهمت مخرجة الفيلم للعمل طوال 7 سنوات كاملة بدعم عدة جهات انتاجية ساهمت في خروجه للنور، ثم جائزة غير مسبوقة للسينما السورية تضيف الكثير لوزن صناع الأفلام العرب في المشهد العالمي. أدى كل ذلك إلى الصعود بتوقعات النقاد والجمهور العربي للفيلم إلى عنان السماء قبيل عرضه الأول في الشرق الأوسط بمهرجان الجونة في مصر، خاصة بعد عدم تمكن مخرجته وفريق عملها من دخول البلاد خلال العرض، وهو ما أضاف ظلالًا من التشويق والتعاطف مع الفيلم الذي اضطرت مخرجته لإرسال رسالة شفاهية تلتها على جمهور المهرجان المخرجة التونسية كوثر بن هنية التي كنت قد شاركت أيضًا في لجنة تحكيم مسابقة "أسد المستقبل - لويجي دي لورينتيس" بمهرجان فينيسا حيث حصل الفيلم على جائزته الأهم حتى الآن.

إعلان

غير أن عرض الفيلم بعد الضجة التي أثيرت حوله أصابت قطاع واسع من النقاد والجمهور بخيبة الأمل، بفعل بطء الأحداث التي يتجاوز الكثير منها الضرورة، ناهيك عن المنطق الدرامي، والعديد من الفجوات التي شابت السيناريو، الذي كتبته أيضًا مخرجة الفيلم، فضلًا عن الجنوح إلى المباشرة الشديدة أحيانًا في استعراض المواقف من الأطراف المختلفة في سوريا، وعدم الدقة في رسم الشخصيات، وهو ما انتهى إلى أداء باهت من أبطال الفيلم، وعدم قدرتهم على استيعاب الشخصيات رغم كون بعضهم يمتلكون خبرة عريضة خلف الشاشة، كأبطال الفيلم سوسن أرشيد، وسامر اسماعيل.

عمرة والعرس الثاني.. ما الجديد؟
عندما حصد الفيلم الأول للمخرج السعودي محمود صباغ "بركة يقابل بركة" مرشح السعودية للأوسكار 2016، جائزة لجنة التحكيم بقسم "منتدى" لمهرجان برلين السينمائي الدولي في العام 2016، كان الدافع الأبرز وراء اختيار لجنة التحكيم الفيلم، حسب بيانها، أنه فيلم "رغم أنه يحكي قصة كلاسيكية عن شاب يقابل فتاة في سياق معقد ملئ بالتحديات، إلا أنه يلقي الضوء على دور النساء في المجتمع السعودي في التعبير عن أنفسهن برغم التحديات الثقافية التي تواجههن، فضلًا عن استخدام الكوميديا والسحر لتوصيل رسالته السياسية حول مساعي الشباب في التحرر" وهو ما يمكن حرفيًا أن تكتبه لجنة التحكيم ذاتها تعليقًا على فيلم الصباغ الجديد " عمرة والعرس الثاني" إنتاج 2018 والذي شهد عرضه العالمي الأول بمهرجان القاهرة السينمائي الدولي في دورته الأربعين. يتناول الفيلم الفجوة بين الحداثة والبداوة في ثقافة المجتمع من خلال حكاية اجتماعية لزوجة وأم مضطرة للتعاطي مع الزواج الثاني لزوجها لا يبدو أنه يبتعد كثيرًا عن تجربة الصباغ الأولى. على الجانب الإيجابي يتسم الفيلم كسابقه بالاعتماد على طاقم من الممثلين السعوديين، فضلًا عن التصوير في السعودية سيرًا على درب هيفاء المنصور التي تعتبر أول مخرجة سعودية، كما يعتبر فيلمها "وجدة" أول فيلم يتم تصويره في السعودية، بالإضافة إلى الاستعانة بطواقم تقنية عربية بدلًا من الأجنبية. ورغم التحديات التي يواجهها مخرج فيلم عمرة والعرس الثاني بسبب عدم وجود منظومة مكتملة في بلاده تسمح بالتسويق والعرض في الداخل على جمهور محلي أوسع، إلا أن أبرز سلبيات التجربة الثانية على ما يبدو هو سقوط الصباغ - الذي اضطلع أيضًا بمهمة كتابة فيلميه - في شرك "اللعب في المضمون" ومجاراة ما يتوقعه الجمهور العالمي ولجان تحكيم المهرجانات الدولية من مخرج سعودي، بدلًا من محاولة حفر بصمة جديدة، وهو تحدي لا يقل صعوبة عن تحدي مواصلة إخراج الأفلام في ظل ثقافة مجتمعية تتسم بالمحافظة وتخطو خطوات وئيدة نحو الانفتاح الثقافي.

ولدي.. الجري في المكان
لا يمكن الحديث عن الفيلم الجديد للمخرج التونسي محمد بن عطية "ولدي" دون تذكر فيلمه الطويل الأول "نحبك هادي" الذي حقق العام الماضي معادلة صعبة بتمكنه من الاستحواذ على إعجاب قطاع أوسع من الجمهور رغم انتمائه لتيار السينما الجديدة، حتى أنه بالإضافة إلى دور العرض التونسية عرض تجاريًا في عدد من البلدان العربية في الوقت الذي تصدر فيه قوائم تفضيلات النقاد العرب لأهم أفلام العام. اقتنص الفيلم ثمانية جوائز مرموقة أبرزها جائزتي مهرجان برلين السينمائي الدولي لأفضل فيلم روائي طويل أول، وأفضل ممثل التي ذهبت لبطل الفيلم مجد مستورة.

إعلان

ويبدو أن لعنة نجاح العمل الأول تطارد بشكل ما صناع الأفلام، فلا يتخلص منها بعضهم في عملهم الثاني، ومن ثم يصبح نسخة مكررة لكن ينقصها الحماس والطزاجة. حدث ذلك حرفيًا مع عطية في فيلمه الجديد "ولدي." ففي فيلمه الأول "نحبك هادي" تدور الأحداث من وجهة نظر الابن الشاب الذي يعاني من تربية خانقة وتسلط قاهر من أسرة تفرض عليه أسلوب حياة إجباري بما في ذلك الوظيفة وزوجة المستقبل. تمكن بن عطية من المزج بين هذه العلاقة التقليدية المريضة وبين انتفاضة الشباب خلال الربيع العربي ولو بشكل رمزي، كما بدى معتنيًا بشكل خاص برسم الشخصيات الأساسية وبأداء الممثلين في كل الأدوار داخل سيناريو محكم وحوار مؤثر كتبه بن عطية نفسه.

قرر عطية على ما يبدو في فيلمه الأخير "ولدي" البقاء في ذات المساحة الآمنة علاقة الأباء بالأبناء لكن هذه المرة من وجهة نظر الأب الذي يفقد ابنه المراهق بالتدريج دون سبب واضح فاقدًا بذلك أسباب حياته هو وزوجته بعد أن لخصا عالمهما الصغير المنغلق على ذاته في رعاية طفلهما الوحيد، فتتوقف الحياة برحيله الغامض للانضمام للجماعات الارهابية المتشددة بسوريا. في حين يبدو بن عطية مشغولًا حقًا بالعلاقات الأسرية التي ينشأ فيها الصغار في مجتمعنا حتى أنه خصص لمناقشتها فيلمين متتالين، افتقر السيناريو في الفيلم الجديد للإحكام حيث جاء مليئًا بالفجوات التي وصلت إلى التنميط الساذج في الكثير من الأحيان خاصة فيما يتعلق بسيرة انضمام الابن للجماعات الارهابية ورحلة الأب إلى تركيا لمحاولة استعادته والتي بدت تفاصيلها وكأنها منقولة رأسًا من قراءة متسرعة لعناوين الصحف.

وبدا الفيلم في بعض الأحيان مرتبكًا بين مجرد تقديم حكاية أب فقد ابنه وضرورة أن تكون هناك رسالة وراء الحكاية، لكن لأنه لا رسالة هناك ولا وضوح في معرفة إلى من يوجه الفيلم أصابع الاتهام؛ غلب الإرتباك على سير الأحداث وأداء الممثلين باستثناء المحاولات الحثيثة لبطله محمد بن ظريف الذي لعب دور الأب "رياض" في استجماع خيوط الشخصية، عائدًا لشاشة السينما بعد غياب 30 عامًا منذ ظهوره في فيلم "ريح السد" للمخرج نوري بوزيد الذي حصل على جائزة أفضل فيلم في قسم نظرة ما بمهرجان كان عام 1986. إذ بدا "ولدي" نسخة باهتة من "نحبك هادي" تحاول التعاطي مع قضية ملحة تشغل الرأي العام التونسي، وربما العربي وهي قضية انجذاب الشباب والمراهقين للجماعات المتطرفة بإسلوب ينقصه العمق، فضلًا عن المتعة الفنية تاركًا المشاهد وسط عشرات التساؤلات التي تخص مسار الأحداث المرتبك.

"ريح رباني".. كبوة مخرج مخضرم
الجزائري المخضرم مرزاق علواش تجاوز كل التوقعات بفيلمه "ريح رباني" الذي شهد عرضه العالمي الأول بمهرجان تورنتو السينمائي، وعرض في العالم العربي للمرة الأولى بمهرجان الجونة السينمائي في دورته الثانية؛ فالمخرج الحاصل على ثلاث جوائز من مهرجان كان السينمائي الدولي عن أفلامه حب في باريس - 1987، حومة باب الواد - 1994، والتائب - 2012 من بين 16 جائزة و15 ترشيحًا في مهرجانات عربية وعالمية، فاجئ النقاد والجمهور بفيلم مخيب للآمال، وهو ما أثار تساؤلات أبرزها، هل فقد المخرج الذي اعتاد على التألق لمسته الآسرة أم خانته الحسابات في فيلمه الأخير؟

الفيلم يقلب في دفتر طالما برع علواش في التعاطي مع موضوعاته وهو التطرف الديني الذي مثل جوهر العديد من أفلامه، لكنه اختار هذه المرة ألا يذهب أبعد من مانشيتات الصحف الرسمية في تقديم قصة جهاديين فشل مخططهما في تفجير محطة بترول بصحراء الجزائر. ولم تشفع السينماتوغرافي البارعة للوجوه ولغة الأجساد القلقة والمترقبة بالأبيض والأسود على خلفية شاسعة من فضاء لا متناهي الأطراف في إنقاذ السيناريو من عثرات جوهرية، ولا الحوار من كليشيهات ساذجة لا تنفذ إلى ما هو خلف السطح.

إعلان

اختار المخرج رمزية الأبيض والأسود لونًا لفيلمه، تاركًا المتفرج مع حديث صمت الملامح والطبيعة القفر، لكن جماليات التصوير لم تتمكن من تفسير الكثير مما لم يفسره الفيلم من نوازع ومبررات الشخصيات، كما لم يشفع الحوار المقتضب الأداء المفتعل والمبالغة في الإنفعالات لأبطاله وخاصة سارة لايزاك التي لعبت دور الجهادية المخططة للعملية الإرهابية. ولم ينجح المنحى التأملي في الكثير من لقطات الفيلم في اكتساب تعاطف المشاهد مع حكايته على مدى ساعة ونصف هي مدة الفيلم.

"كارما".. شعارات كبرى بلا مضمون
بعد غياب سبع سنوات عن السينما منذ فيلمه "كف القمر" مهد المخرج المصري خالد يوسف إعلاميًا لعودة قوية بفيلمه "كارما" الذي استقبلته دور العرض في عيد الفطر الماضي بعد تصريحات متوالية ليوسف أثارت شهية النقاد والجمهور لجديده، وتوجت الحملة الإعلامية الداعية للفيلم بمصادفة حين أعلن قبل يوم واحد من عرض الفيلم عن تراجع الرقابة على المصنفات الفنية عن منحه ترخيص العرض، وهو الخبر الذي شغل وسائل الإعلام وعدد كبير من الفنانين الذين انخرطوا بدورهم في حملة تنديد بالقرار الذي أعلن عن التراجع عنه بنفس الغموض بعدها بساعات.

تصريحات مخرج الفيلم وكاتبه خالد يوسف فضلًا عن ضجة الرقابة لم تتمكن من العبور بالفيلم إلى بر الأمان، لا على مستوى الجمهور ولا النقاد؛ إذ اختار الفيلم الانضمام لملعب القضايا الكبرى على وزن الطائفية والطبقية بتناوله حكاية شخصين مسلم ومسيحي أحدهما غني والآخر فقير تسوقهما الأقدار إلى تبادل الأماكن فينخرط كل منهما في سلسلة من الاكتشافات عن واقع الآخر. ولم يتمكن الفيلم، رغم الدعايا وعرضه خلال موسم العيد، فضلًا عن مشاركة قائمة من النجوم في أدواره من بينهم عمرو سعد، وغادة عبدالرازق، وزينة، وخالد الصاوي من البقاء في دور العرض طويلًا بحجة ضعف الإيرادات، في حين رأى مخرج الفيلم أن سحبه من دور العرض هو السبب في ضعف الإيرادات.

وأيًا كان السبب وراء ضعف الإيردات فلم يلق الفيلم ترحيبًا نقديًا رغم التوقعات حوله. فالقضايا الكبرى والشائكة التي تعرض لها الفيلم لم يتجاوز التعاطي معها السطح بأسلوب بعضه مكرر ومباشر، والبعض الآخر ربما ينتمي إلى اللامعقول، وهوما يجعل "كارما" واحدًا من الأفلام العربية التي أصابتها لعنة الشعارت الكبرى بغياب في المضمون، وهي اللعنة التي كانت عاملًا مشتركًا بين الأفلام التي خيبت آمال الجمهور والنقاد في العام 2018.