شباب

سألنا شباب يعملون في وظيفتين، كيف انتزعكم العمل من حياتكم؟

"حين تدق الساعة العاشرة يتهيأ جسدي للنوم بشكل آلي ولا يفكر في شيء سواه"
15.11.18
work

تختلف دوافع كلّ منا للعمل، البعض يقضي ساعات طويلة يومياً لأجله بدافع الشغف، والبعض يُمكنه إدارة وقته، ليحظي بقدر من الوقت لأنشطته وهواياته إلى جانب عمله، لكن الوضع يختلف في مصر؛ إذ يُضطر الشباب إلى العمل لساعات طويلة مقابل أجر لا يُلبي الحد الأدني من احتياجاتهم، ما يدفع الجانب الأكبر للجمع بين وظيفتين تلتهمان الجانب الأكبر من يومه، وتحوله إلى ترس في آلة، لا يملك إلا الدوران في مسار محدد طوال الوقت.

إعلان

عدم القدرة على تخصيص وقت كاف للعائلة، والتغيب عن المناسبات الاجتماعية، وإهمال المساحات الشخصية، أبرز تأثيرات هذا النمط من الحياة، إلى جانب أشياء أخرى عرفناها بعد ما سألنا عدد من الشباب المصري عن الحياة وفق هذا الوضع كيف تكون، وكيف انتزعهم العمل من حياتهم؟

لم أقض مع أبي وقتًا كافيًا.. حتى توفي
في أول أيام العيد الماضي، كان محمّد كامل (26 سنة) في عمله الذي يبعد ساعتين عن منزله، وحين علم بوفاة والده غادر مسرعًا لكنه وصل متأخراً جداً فتضاعف شعوره بالقسوة والحزن. يقول: "في هذا اليوم فكّرت أنه بسبب عملي لم أقضِ وقتاً كافياً مع أبي حتى توفى.. أعمل أخصائي تغذية في أحد المستشفيات لمدة 12 ساعة يوميًا بخلاف أربع ساعات أقضيها في الطريق من المنزل إلى العمل والعكس". يبدأ عمل كامل من الثامنة مساء حتى الثامنة صباحاً، وكثيراً ما يطلب منه العمل في اليوم التالي من الصباح حتى المساء "باختصار أنا خاضع لاحتياجات العمل وليس لمعايير متعلقة براحتي وما يناسبني".

أحمد لديه يوم إجازة واحد فقط إسبوعيًا، وكثيراً ما يضطر إلى العمل أيام متتالية: "تبقى في اليوم كله بعد العمل نحو ثمانية ساعات فقط أقضيهم نائماً.. عزلني عملي عن المجتمع وأصدقائي وأهلي الذي لم أكن أجلس معهم إلا نادراً، لا وقت للأصدقاء أو لعب الكرة أو الرياضة". يفكّر أحمد بشكل مستمر في تغيير مساره الوظيفي لأي مهنة أخرى تتطلب ساعات عمل أقل، ما يهمه الآن فقط أن يستطيع الجلوس وقت أطول مع عائلته خاصة بعد وفاة والده.

لا أجد وقتًا للنوم
أحمد مجدي (28 سنة)، يعمل صحفياً وكاتبًا ومنتج أفلام، تتجاوز فترة عمله 12 ساعة يوميًا وهو ما جعله يشعر طيلة الوقت بأنه واقع تحت ضغط مستمر ليصل إلى قصص مختلفة ومميزة. يقول: "رأسي مشغول دائماً وهاتفي لا يفارق يدي إما لإجراء الاتصالات للتواصل مع المصادر أو لتصفح الإنترنت أو لتنسيق العمل، هذا يجعل التواصل مع أسرتي لا يتم بأفضل شكل، ولولا تفهمهم لأصبح الأمر صعبًا".

يُحب أحمد عمله، لكنها يشعر بأنه واقع تحت ضغط متواصل طيلة الوقت دون سبب. "لا أستطيع الحصول على نوم مريح، أشعر بآلام في الظهر والأسوأ أنني أخاف باستمرار من الأمراض التي قد تسببها لي ضغوط العمل بالمهنة"، لكنه على الرغم من ذلك لا يمكن أن يفكر في تغيير مهنته "أحب عملي واعتبره أهم الأشياء في حياتي، لهذا السبب لا أستطيع التفكير في تركه أو تغييره".

إعلان

أصبحت آليًا
محمود الوكيل (31 سنة)، يعمل بوظيفتين صباحاً كمعلّم رياضة، ومساءً بالتسويق العقاري، وإجمالي ساعات عمله 17 ساعة يوميًا، بخلاف ثلاثة ساعات أخرى يقضيها في الطريق من وإلى العمل في زحام القاهرة. يقول: "لا أستطيع التوقف عن الدوران مثل ترس في هذه الآلة لمحاولة تحقيق قدر معقول من الاستقرار المادي لأسرتي الصغيرة، لا رفاهية لدي ولا يمكنني التفكير سوى في المسؤوليات، لا يمكنني الحصول على ما يكفيني من الراحة الجسدية والنفسية".

يبدأ يوم محمود في السادسة صباحًا، ليتمكن من اللحاق بعمله الأول، لا يفعل شئ آخر ويستمر طوال اليوم في الركض بين عمله الأول والثاني، للدرجة التي ينسى معها في كثير من الأحيان تناول الطعام، حتى يصل منزله منهكًا بعد التاسعة مساء. "حين تدق الساعة العاشرة أشعر بجسدي بشكل آلي يتهيأ للنوم ولا يفكر في شئ سواه". في الدقائق القليلة التي تسبق النوم، يشعر محمود بصراع داخلي، يفكر في تخطيطه القديم للإقلاع عن التدخين، أو في ممارسة الرياضة التي اعتاد عليها قبل انخراطه في العمل، وفي أمنيته بنزهة بسيطة تجمعه بزوجته وطفله، أو حتى القراءة التي اختفت من حياته.

5 سنوات دون أنشطة اجتماعية
طوال خمسة سنوات كاملة، اعتاد ضياء مصطفى (31 سنة) على العمل كصحفي في وظيفتين لمدة 16 ساعة متواصلة، وبعدما شعر بالإنهاك قرر التوقف عن إحداهما واستبدالها بتأسيس مطعم مع أصدقائه والاكتفاء بذلك بجوار عمله في أحد المواقع الإلكترونية. يقول: "لخمس سنوات لم أكن أحضر المناسبات الاجتماعية كالأفراح أو زيارة المرضى وغيرها، وعندما جاءت شقيقتي المقيمة في الخارج لم أستطع الجلوس معها أو زيارتها بما يكفي بسبب ضغوط العمل".

الأوضاع الاقتصادية كانت السبب الأهم في جوء ضياء للعمل بوظيفتين، مع ما يمثله ذلك من ضغط نفسي وجسدي عليه، لكن افتتاح مشروعه الخاص ساهم كثيرًا في تخفيف هذا العبء. يقول: "صحيح أنني مازلت نظريًا أعمل في وظيفتين بعد افتتاح مشروعي الخاص، إلا أنني أملك مساحة شخصية أكبر حاليًا.. بالطبع هذا أفضل من قضاء 16 ساعة متسمراً أمام شاشة الكمبيوتر". لم يستطع ضياء خلال تلك الفترة ممارسة هوايته المفضلة في الذهاب إلى السينما أو مشاهدة الأفلام أو قضاء وقت في صالة الألعاب الرياضية، وكل ما استطاع فعله هو القراءة أثناء المواصلات من وإلى عمله يومياً.

إعلان

أنام في مكان عملي حتى لا أخسر زبائني
تزوجت فادية موسى (38 سنة ) مبكراً وأنجبت ستة أطفال، وحين بلغت 29 عاماً توفي زوجها فاضطرت إلى شراء ماكينة خياطة واستئجار محل لتعمل فيه ما يزيد عن 20 ساعة يومياً. "كان لا بد من العمل بشكل مستمر حتى أجني ما يكفي من المال ولا أخسر زبائني، وضعت أريكة في المحل أنام عليها ساعات قليلة قبل أن أستيقظ مجددًا لمواصلة العمل، وجلبت التلفاز في نفس المكان ليأتي أبنائي في نهاية اليوم للجلوس معي بينما أعمل".

تضيف: "علّمت أبنائي صنع الطعام وترتيب المنزل، في وقت الإجازة الدراسية أعيش بشكل كامل في المحل و ويأتون هم بالطعام إلي ونجلس سوياً، وفي وقت الامتحانات أغلق المحل تماماً ونضع خطة قاسية للاقتصاد في الطعام والمصروفات حتى أستطيع التركيز معهم في الاستذكار، وحين ينتهي موسم الامتحانات أفتح المحل من جديد". وتضيف: "لا أذكر أنني حظيت يومًا بما يكفي من النوم والراحة".

لعمل 12 ساعة غير آدمي
مؤمن محمد (29 سنة) يعمل في مجال العلاقات العامة والتسويق الطبي، كان يعمل صباحاً بأحد المستشفيات ومساء بمركز للأشعة، وفي الآونة الأخيرة استقال من عمله الصباحي وأسس شركته الخاصة للتسويق في المجال الطبي ليصبح مسؤول عن فريق كامل. قبل ثورة يناير، كان مؤمن يقضي 12 ساعة في عمله بأحد المستشفيات، يقول: " كانت حياة غير آدمية لا تتيح لي ممارسة أي نشاط اجتماعي، لازلت صغير السن وأريد التمتع بحياتي وفي الوقت نفسه أنا مضطر أمام ظروف الحياة المادية التي تجبرني على تحمل العمل، حتى إجازة يوم الجمعة كانت تحتوي على جدول مزدحم من الواجبات".

بالنسبة لمؤمن كان الخيار الوحيد أن يغادر وظيفته المرهقة ويستبدلها بوظيفتين يكون الجمع بينهما أقل إرهاقاً وليس أقل في الدخل المادي، وترضيان شغفه المهني في الوقت نفسه. يحاول الشاب العشريني حاليًا أن يقتطع وقتاً لحياته الاجتماعية من بين يومه المزدحم؛ فيخصص مساء الخميس للعب كرة القدم، والجمعة لأصدقائه، والسبت لزياراته العائلية، ويعلق على ذلك بالقول: "لن نستطيع المواصلة إلا إذا قمنا بشحن أنفسنا بالطاقة وانتزاع وقت ولو ضئيل للترفيه".

تم تغيير بعض الأسماء بناء على طلب أصحابها