تمييز

عاملون في المجال الإبداعي يتحدثون عن تعرضهم للتمييز في المناصب وفرص العمل لأنهم عرب

"أنت الأخير عندما يتعلق الأمر بزيادة الراتب أو المنصب. السبب ليس له علاقة بعملك، فقط له علاقة بجنسيتك"
3.8.20
image00001 (1)

منذ إنطلاق المظاهرات ضد العنصرية في الولايات المتحدة الأمريكية، إثر مقتل جورج فلويد، بدأ الكثيرين بالتحدث عن العنصرية والتمييز الذي يواجهونه في حياتهم ومجتمعاتهم، سواء الغربية أو العربية. مؤخراً، شهدت منصة انستغرام العديد من المنشورات والقصص الغاضبة من فنانين ومبدعين عرب، يتحدثون فيها عن التمييز الذي يواجهونه في حياتهم الإبداعية الفنية، فقط لأنهم عرب. انطلقت هذه الحملة بشكل عفوي من خلال قصة على انستغرام نشرتها فنانة المكياج السعودية والمقيمة في الولايات المتحدة الأمريكية، آية طارق، 32 عامًا، والتي تحدثت عن تجربتها في العمل.

إعلان

تخبرني آية عن قصتها، وتقول أنها سافرت إلى الولايات المتحدة منذ 10 سنوات لكي تصبح فنانة مكياج. تعلمت أولًا في إحدى مدارس المكياج وعملت كمساعدة بشكل مجاني، وهذا أمر شائع في البداية، ولكن المشكلة أنها كانت تعاني حين يأتي دور العمل المدفوع، فقد كانت تجد صعوبة في الحصول على فرص عمل جيدة وخاصة ضمن المؤسسات العربية: “عانيت كثيرًا طيلة السنوات الماضية في هذا المجال بسبب التمييز. خلال سنين عملي كنت أحاول التواصل مع النسخ العربية للمجلات العالمية، ولكني أفاجئ أن معظم العاملين هناك أجانب، لا يوجد كثير من العرب يتم توظيفهم داخل هذه المجلات التي من المفترض أنها أساسًا للعرب. لم يحدث أن أيًا من العاملين في هذه المجلات حاول التواصل مع مبدعين عرب لتوظيفهم إطلاقًا، ليس في المكياج فقط بل في التصوير والإخراج وتصميم الملابس وغيرها من المجالات. هذا أمر غير منطقي، لماذا يكون مقر مجلة أو شركة ما في دولة عربية ويتم توظيف وطلب فنانين أجانب من الخارج.”

IMG_20200730_101854.jpg

آية طارق. الصورة مقدمة منها.

المشكلة الأساسية كما تقول آية هي أن عدم توظيف عرب ينعكس بشكل سلبي على المحتوى الذي يتم تقديمه للجمهور العربي: “نحن بحاجة كبيرة لأن نجد من يمثلنا ويتحدث عن مشاكلنا ويتعامل معنا، ونحن نرفض ما يقدم لنا على صفحات المجلات الفنية والإبداعية في المنطقة التي تعكس في معظمها معايير الجمال الأوروبي.” تشير آية أن جزءًا كبيرًا من المشكلة يتعلق بنا نحن كعرب أيضًا، فالكثير من المبدعين والمؤثرين العرب يفضلون التعامل مع أجانب خلال عملهم. "نحن بحاجة لدعم بعضنا البعض."

الدعم الذي تتحدث عنه آية تحقق من خلال دعوتها لكل المبدعين العرب لأن يشاركوا بياناتهم وتفاصيلهم في التعليقات على انستغرام ليتعرف المبدعين العرب على بعضهم البعض تحت هاشتاغ HireMoreArabs ودعت الجميع للمشاركة فيه، حتى يصل صوتهم لأصحاب القرار في الشرق الأوسط.

إعلان

آلاء بلخي، 31 عامًا، رائدة أعمال ومخرجة فنية سعودية، قررت أخذ الأمر لأبعد من ذلك وقامت بإنشاء قائمة رسمية للمبدعين العرب في شتى المجالات. تخبرني آلاء أنها وبعد مشاهدتها لـ منشور آية، خطرت لها فكرة لماذا لا يتم إعداد قائمة متجددة بالمبدعين العرب كطريقة للتوقف عن خلق تبريرات لعدم توظيف عرب: “قمت بكتابة منشور وطلبت مشاركة الأصدقاء ودعوة أصدقائهم بكتابة تفاصيلهم في الملف الذي أعددته، بغرض أن يتواصل  المبدعون العرب من مختلف القطاعات مع بعضهم البعض. كان التفاعل الذي حدث فوق توقعاتي تمامًا. بالإضافة إلى التعليقات الإيجابية الداعمة، أنضم للقائمة حوالي 1،500 مبدع/ة في أول يومين، واستمر العدد بالارتفاع، حيث وصلنا إلى أكثر من 3،000 شخص في القائمة.”

تقول آلاء أنها تفكر مع بعض الأصدقاء بجعل القائمة رسمية أكثر ومتوفرة للجمهور، ولكنها لم تحدد شكل ذلك حتى الآن، وتضيف: “أعتقد أنه حان الوقت الآن لأن نضع أيدينا في أيدي بعض، قبل أن يأتي أحدهم ويدعي أننا غير موجودين أو أنه من الصعب التواصل معنا أو أنه لا يوجد مواهب عربية.”

IMG_20200729_170617.jpg

آلاء بلخي. الصورة مقدمة منها.

بعد أن قامت آية بالحديث عن التمييز الذي تعرضت له، بدأ عدد من المبدعين العرب، بمشاركة قصصهم وتجاربهم وما تعرضوا له من عنصرية وتمييز في الدول الغربية وفي داخل الوطن العربي نفسه. مها حيدر، 26 عامًا، مخرجة فنية ومصممة فلسطينية مقيمة في إيطاليا، تقول مها أنها تعبت من مراسلة شركات أو مجلات عربية في الشرق الأوسط للعمل معها: “أظن أن المهمة مستحيلة، أعتقد أني بحاجة إلى تغيير أسمي لكي يتم الرد على رسائلي حتى ولو كان الجواب بالرفض. غالبًا ما أرسل أنا وأحد أصدقائي الإيطاليين لنفس الشركة التي تعمل في العالم العربي، ولا يتم الرد علي، بينما يتم الاتفاق على عمل مع صديقي الإيطالي. هذا ما يشعرني بالإحباط.”

6 (5).jpg

مها حيدر. الصورة مقدمة منها.

في الواقع، اشتكى كثير من النشطاء والمبدعين العرب، على سياسات بعض النسخ العربية من المجلات العالمية، ويرون أنها لا تمثل الثقافة العربية أو تعكس ما يحدث في الوطن العربي، فهي تقوم بترجمة لما يحدث في مكان آخر من العالم، بدلًا من أن تتحدث عما يجري في البلاد العربية، التي يُقدم إليها العمل. كما أنهم  نادراً ما يوظفون عرب في المناصب العليا.

المصورة الفوتوغرافية سلمى، 26 عامًا من مصر، تقول أنها قامت بعمل جلسة تصوير لإحدى الفنانات المصريات الشهيرات، في وقت كانت فيه تلك الفنانة صاحبة بطولة في إحدى المسلسلات الرمضانية، وراسلت إحدى النسخ العربية الشهيرة من مجلة عالمية، ولكن كان ردهم بالرفض وتضيف: “تكمن المشكلة في أن الجهات المسؤولة عن التعامل مع المبدعين لا تُدرك قيمة الفنانة التي صورتها، وهذا لأن تعيين فريق التحرير في هذه المجلة غير عربي، ولا يفقه أي شيء عما يدور في المنطقة. هذا أمر كارثي، لماذا لا يتم أخذ الجمهور العربي على محمل الجد؟”

إعلان

أيمن، 25 عامًا، مصمم ألعاب من الأردن ويعمل في الإمارات، عانى كذلك من التمييز بسبب كونه عربياً، ودائماً ما وجد صعوبة في إيجاد وظيفة تناسب خبرته: “في عالم الألعاب الجميع يفضل أن يوظف أجنبياً، عليك أن تثبت نفسك طوال الوقت بأنك بنفس المستوى مع المصممين الآخرين، على الرغم من أنك قد تكون أفضل منهم. الفكرة الأولى هي أنك أقل، أو أنك غير منتج أو كسول. أنت الأخير عندما يتعلق الأمر بزيادة الراتب أو المنصب. السبب ليس له علاقة بعملك، فقط له علاقة بجنسيتك.”

MM - Lina Qummosani 03 copy.jpg

مريم مصلي. تصوير: لينا قمصاني.

يشير آخرون إلى أن هناك أيضاً محاولات لاستغفال واستغلال المبدعين العرب الذين يعملون بشكل حر من قبل الشركات العالمية العاملة في المنطقة العربية، لأنه ليس هناك قوانين واضحة تُعطي للعاملين الفريلانسر مع هذه الشركات. رائدة الأعمال السعودية ومالكة شركة نيش أرابيا مريم مصلّي، 33 عامًا، تخبرني عبر الإيميل أن نسخة عربية لمجلة عالمية شهيرة سرقت أحد أعمالها وقامت بنشره دون أن تدفع لها وتتابع: "كنت مخرجة فنية لأحد المشاريع، ورتبت كل شيء مع فريق العمل المطلوب في ديسيمبر ٢٠١٦ لعمل جلسة تصوير. وبعدما انتهينا أرسلت المشروع للمسؤولة التي اتفقت معها في المجلة، ولكنها رُفدت. في ٢٠١٨ راسلني أحد المصورين وقال أن المجلة ترغب في نشر المشروع، ولكني رفضت لأن الأزياء لم تعد تليق بالموضة الحالية، وحتى إن لم يهتموا هم لذلك، فهذا عملي ويهمني بالتأكيد، وبناءًا عليه طلبت إعادة التصوير ولكنهم رفضوا، وتفاجئت بقولهم أنه علي أن أكون سعيدة، لأنهم عرضوا علي التعاون من البداية. رفضت كل ما قالوه لأن لدي معاييري في العمل، ورغم كل ما حدث اكتشفت أنهم نشروا العمل دون أذني في النهاية، وعندما اتواصلت مع أحد الفرق المعنية بالأمر، قالوا أنهم غير مسؤولين عما حدث.”

تُشير مريم، التي أطلقت مؤخراً النسخة الثانية من كتاب Under the Abaya، إلى أنها ليست الوحيدة التي تعرضت للاستغلال فهي تعرف قصص الكثير من المبدعين الذين تعاملوا مع هذه المجلة وصُدموا بقوانينها المجحفة تجاه العرب: "لا أحد يستطيع أن يتحدث ضد هذه المجلة، لأن قيمة الأسم الكبير للمجلة سيضيف الكثير على السيرة الذاتية لمن يعمل بها، والمجلة تعرف ذلك جيدًا وتستغله."

image00001 (1).jpeg

سيف هداية. الصورة مقدمة منه.

يقول سيف هداية، 25 عاماً، مُحامي تحت التدريب وكاتب من الأردن أن القضية الأساسية في قطاع النشر هي أن معظم محرري المجلات العالمية بنسخها العربية غير مهتمين أو غير مطلعين على الثقافة العربية، ويضيف: “لا أفهم تقوم بعض المجلات بإجهاد أنفسهم ويطلقون نسخًا عربية إذا كان من الممكن أن نشتري النسخة الأجنبية مباشرة؟ فالمحتوى هو نفسه ولكن بلغة أخرى؟ أعتقد أن هناك ضرورة لتحديد شروط التوظيف بهذه المجلات، ومعرفة لمن هي مقدمة أساسًا؟ وهل ستكون الأجور متساوية  للمتقدمين من أنحاء الوطن العربي أم لا؟ يجب أن يتدخل متخذي القرار في الشرق الأوسط لوضع قوانين مختصة بهذا الشأن لكي نرفع من قيمتنا وقيمة عملنا وخبرتنا وثقافتنا.”

ولكن على الرغم من سوداوية الوضع، يحاول البعض خلق فرص وتوسيع شبكة العلاقات، حيث قام هداية بتأسيس منصة إلكترونية بعنوان "إلنا" التي انطلقت في يونيو هذا العام لربط المبدعين العرب، وهو يعمل مع عدد من المبدعين العرب بشكل تطوعي ويساعدهم في إنشاء حملات إعلانية أو تواصل مع جهات عالمية. ويشير هداية إلى أن الحملة التي أطلقتها آية ساعدت في تسليط الضوء على مشكلة كبيرة، مما ساعد بدفع الشركات والمجلات لإعادة ترتيب أولوياتهم: "أستطيع أن أؤكد من تجربتي الشخصية أن كل المبدعين الذين تعاملت، والذين حاولوا في السابق مراسلة مجلات لعرض أعمالهم عليها، تم التواصل معهم بعد الحملة الأخيرة على انستغرام. ولكن السؤال، لماذا لم يتم ذلك من البداية؟ لماذا نحن بحاجة للثورة دائمًا كي نحصل على أبسط حقوقنا؟"