illustration-01

شريط لاصق لتخفيف ضغط الانفجار الافتراضي

في كل مرة يتحتم علينا خلق أساليب جديدة للنجاة النفسية، وفي الوقت نفسه عدم تجاهل المآسي التي تحدث في العالم
8.9.20

الحرب في اليمن وليبيا لا تنتهي، السودان تغرق بالفيضانات، الحرب في اليمن وليبيا لا تنتهي، غزة تتعرض للقصف مجدداً، ولبنان لا تزال تعاني من تداعيات انفجار مرفأ بيروت. أراقب هذه الأحداث على الشاشة مع كتم الصوت، أستطيع تخيل الأصوات، إنها موجودة في ذاكرة أي شخص عاش في دولة تعرضت لحربٍ ما، أو هكذا أقنع نفسي لأسمح لها بكتم الصوت ثم أخفف وقع الأمر عليّ. أطمئن على الأصدقاء، وإن لم يتعرضوا لأي أذىً سأسمح لنفسي بمتابعة الأمور الأخرى على الشاشة وتخيلها بالمساحة التي يسمح بها خيالي، أو ربما فعل شيء ممتع. ربما يسمون هذا الأمر "الشعور بالذنب المترافق مع النجاة."

في غرفتي في دمشق، عدت لتأمل شباكي الذي تغطيه الأشرطة اللاصقة الشفافة والموضوعة على عدة مراحل في محاولة لتجنب خطر تهشم الزجاج عند أي غارة إسرائيلية أو عبوة ناسفة. كان هذا الشريط اللاصق موضوعاً منذ سنوات، وفي كل مرة تكون فيها الأمور هادئة في دمشق، أفكّر في أنه عليّ مشاهدة الشارع من خلال زجاج نظيف دون أشرطة لاصقة، فما تلبث أن تعود الأصوات، أصوات الانفجارات أو قصف ما، أو "تصدي من مضادات طيران." في كل مرة أكون ممتنة لأخذي احتياطاتي.

في هذا الوقت الذي يلي أي مأساة عندما نشعر بالعجز التام، تأتيني رسالة من صديقة تقول لي فيها "أحسن شي عملتيه انك سكرتي الفيسبوك". كنت قد أغلقت حسابي على الفيسبوك لأخذ استراحة، وفهمت من هذه الرسالة إن حرباً ما تقوم هناك في عالم الفيسبوك حيث يمكننا أن نجد أشخاصاً شامتين ويعلنون ذلك، وأشخاصاً يشنون حملات هجومية على شخص ما أعرب عن تعاطفه، أو لم يفعل! وبالطبع تحليلات سريعة ومناوشات كلامية وأخيراً الكثير من الصور. يبدو إنني تجنبت رؤية كل هذا، ثم تخيلت إن شريطاً لاصقاً مثل الذي على شباكي موضوع على شاشة الموبايل.

أليست غرفنا معتقلات صغيرة في مراحلها الأولى؟

الأشرطة اللاصقة لا تقي من الانفجارات، إنها إجراء وقائي لتجنب تكسر الزجاج فقط، وعلى المدى البعيد تساعد في عدم رؤية كل شيء.  قررت الإبقاء على الشريط اللاصق على شاشة هاتفي ولم أتابع أيّاً مما يحدث فيسبوكياً. شيئاً فشيئاً قررت الابتعاد أكثر، كان ذلك بسبب شعور العجز، فما الذي يمكنني فعله؟ ما قد يشعرني بأني "فعلت شيئاً ما" هو الدخول في النقاشات العقيمة للحصول على بعض الرضا النفسي، أو نشر بعض الصور والتصاميم الفنية للهدف ذاته. حتى الاستماع إلى أغاني فيروز في هذا الوقت كان لغاية الرضا النفسي، والحصول على بعض الدموع للتفريغ، لكني خفت من إنني بكلمة ما قد أجرح شخصاً فقد عائلته أو بيته فقررت عدم الكتابة حتى والتعتيم بشكلٍ كامل على شاشة الموبايل بالأشرطة اللاصقة التخيلية. وإن أردت أن أقول شيئاً هل أستطيع قوله كاملاً؟ أليست غرفنا معتقلات صغيرة في مراحلها الأولى؟ كنت خائفة ولا أزال. أراقب من خلال فتحات الزجاج غير المغطاة الأصدقاء الذين ينزلون إلى الشوارع في العراق ولبنان وغيرهم، فما تلبث أن تتناثر بقع الدماء على شاشتي.

أتخيل "الشجعان" الذين يتباركون بهذه الدماء، ويلمسونها بأيديهم ويتابعون مسيرتهم من خلالها، ثم أرى نفسي اشاهد لوناً وتاتي معه باقة من الأمور الأخرى. على نشرات الأخبار هناك أكثر من شريط يتناول أموراً مختلفة، وعلى وسائل التواصل الاجتماعي ستحرك اصبعك فقط لتجد بعدها تمارين شد المؤخرة أو فستاناً أو بعض النكات. ستقوم بمشاركة صور المأساة على العلن وتحتفظ بالباقي لنفسك. أفكّر: هل هذه هي الأشرطة اللاصقة المستخدمة لتخفيف الصدمة على مواقع التواصل الاجتماعي؟ هل أنتقل من صورة إلى أخرى لتخفيف الصدمة؟

في كتاب "في أي صورة ما شاء ركَّبك – سؤال الحق في الصورة" لمجموعة أبو نضارة، قرأت أن الفنان السويسري توماس هيرشهورن يرى أن إشاحة النظر عن صور الأجساد الممزقة تدل على حساسية مفرطة هدفها الحفاظ على "رغد العيش" وهي حساسية تحافظ على مسافة وهمية مع العالم، في الوقت الذي يتوجب فيه مجابهة العالم ومحاربة فوضويته، فالتعايش والتعاون مع الآخر يتطلبان مواجهة الواقع، لا النأي بالنفس". ويضيف داروك زابونيان في مقالته "الحق في الصورة ومبدأ الكرامة" التي ذكر بها رأي هيرشهورن: "هكذا يصبح التحديق في الصور الصادمة لعالم فاقد للإنسانية شرطاً لإعادة الاعتبار معها ولإيجاد صورة الآخر المفقود. يرى زابونيان  إن فكرة هيرشهورن تعمل على إدانة المتفرج مفرط الحساسية المنكفئ على نفسه والمُستَلَب. ويضيف زابونيان : "وهكذا يجد من ينتقد السلطة نفسه في موضع سلطة مكرسة لإنتاج الشعور بالذنب."

أظن أن وسائل التواصل الاجتماعي هي جزء كبير من هذه السلطة المكرسة لإنتاج الشعور بالذنب، ولأننا لا نريد فقدان إنسانيتنا نحدّق بالصور ولا نصبح مُستَلبين ونتواصل مع الآخر الذي عانى من انفجار أو عطش أو جوع أو هجمة كيماوي وغيره. ما لا يعرفه هيرشهورن أو ما لا يذكره هو أنه لا يوجد رغد عيش لنحافظ عليه هنا. فعندما نرى صوراً من سوريا ونكون في العراق، ونرى صوراً من لبنان ونحن في سوريا لا نرتبط ونتفاعل مع الآخر، إننا جميعاً هذا الآخر الذي يتحدث عنه، ورغد العيش هنا ما هو إلا مساحة صغيرة بسيطة جداً للاستمرار حيث نسمح لأنفسنا بإكمال فصل دراسي أو تمشيط شعرنا.

الشريط اللاصق يتمدد من النوافذ، إلى الشاشات وإلى أفواهنا وأيدينا. مقيدين إلى كرسي في مكانٍ ما من العالم نشاهد ولا نستطيع أن نقول أو نتحرك

أتذكر في أحد المرات التي تعرضت فيها غزة لغارات إسرائيلية، كنت طالبة في المدرسة، وكان الجميع قد شاهد الأخبار ثم في اليوم التالي كان علينا الذهاب إلى المدرسة. لم نستطع متابعة دروسنا أو الركض في الساحة، كنا نشعر بالذنب والحزن، فاقترحت إحدى الطالبات أن نقوم بختمة قرآن، وبالفعل تم توزيع أجزاء القرآن على جميع الطالبات. في اليوم التالي لم أذكر ماذا كانت الغاية من هذه الختمة، هل كانت لرحمة أرواح الشهداء أو لرحمة الأحياء؟ قمت بما عليّ فعله مثل الجميع وعدنا لممارسة حياتنا. وبشكل عام كان هناك ذلك المعلم الذي يحكي مُتخيل الوحدة العربية عندما سيخرج جميع العرب لمواجهة إسرائيل بعد القضاء على حكّامهم المستبدين. كان ذلك قبل وسائل التواصل الاجتماعي، أما الآن فبدلاً من الختمة نقوم بمشاركة الأشياء على وسائل التواصل الاجتماعي، والشجار على وسائل التواصل الاجتماعي كما لو أننا نتبرع بدمائنا للجرحى، لكننا نتبرع بها لوسائل التواصل الاجتماعي ولا تصل لأحد. الوحيد الذي تصل دماؤه إلى الجرحى هو الموجود في الواقع هناك وليس بحاجة لمشاركة الصور، استطاع مشاركة نفسه. في ختمة القرآن التي قمنا بها في المدرسة، كنا قد وضعنا أشرطة لاصقة حول صفنا، وخففنا على أرواحنا ظانين بأننا خففنا عليهم.. ربما فعلنا لكني لست متأكدة.

أفكّر بالأشخاص الذين كسروا زجاج الغرفة التي يعيشون فيها – إن لم تتحطم فوق رؤوسهم – وقفزوا من خلاله مثل أبطال أفلام الأكشن ونزلوا إلى الشارع لفعل شيءٍ ما، للتظاهر أو للإنقاذ أو تنظيف الشوارع، وأيضاً الأشخاص الذين أحكموا إغلاق كل شيء لأن لديهم ما يريدون حمايته. ثم أتخيل نفسي بينهما، عاجزة عن اختيار أي الأمرين. أتخيل أن لدي مكنسة سحرية، أو قوىً خارقة مثل سوبر مان أستطيع بها إنقاذ العالم، بهذا الخيال أُرضي نفسي مؤقتاً ثم أكمل حياتي. كوّنت مهارات متعددة في سبع وعشرين عاماً من النجاة أستطيع بها مسامحة نفسي لبعض الوقت والاستمرار. في كل مرة يتحتم علينا خلق أساليب جديدة للنجاة النفسية، وفي الوقت نفسه عدم تجاهل المآسي التي تحدث في العالم، على الأقل لا يجب أن يشعر أحدٌ ما بأنه وحيد هناك، وهذه الموازنة التي لم يتحدث عنها هيرشهورن.

الشريط اللاصق يتمدد من النوافذ، إلى الشاشات وإلى أفواهنا وأيدينا. مقيدين إلى كرسي في مكانٍ ما من العالم نشاهد ولا نستطيع أن نقول أو نتحرك، وإذا ما قلنا اختفى الصوت مع ضجيج ارتطام كل الأمور ببعضها ومع صوت ضربات السوط لجلادي حكّامنا التي صارت الخلفية الموسيقية لحياتنا.

يقول سعد الله ونوس في مقالة (أنا الجنازة والمشيعون) "أردت، وأريد أن أقول لا. وأبحث عن لساني فلا أجد إلا رغوة من الدم والرعب.. من لساني المقطوع بدأت الهزيمة، وانطلقت الجنازة.. من لائي المقموعة على امتداد الوطن العربي نفذ العدو، والانفصال، والفقر، والجوع، والسجن، والجلاد، والانهيار العربي المعاصر."

أقول له: أردت، وأريد أن أقول لا. وأبحث عن لساني فأجده داخل علبة افتراضية، أحاول أن أكسر الحائط فأجد أنني صرت شبحاً يسير من خلال الجدران ولا يلمسها.