صحة نفسية

رسوم: دان ايفانز

صحة نفسية

كتم المشاعر يقتل الرجال... حرفياً

تحدثك عما يدور في ذهنك يمكن أن يكون سببًا في إنقاذ حياتك
27.2.19

تعرضك لحدث مؤلم في الطفولة، يمكنه أن يكون مصدر إلهام لثلاثة أشياء: روايات أولى غير جيدة، تدوينات ذاتية؛ ونكات سيئة تجعل أصدقائك يشعرون بالغرابة تجاهك. على سبيل المثال، إليك قصة مضحكة جداً عن آخر محادثة أجريتها مع والدي، والذي كان قد أُصيب بالأنفلونزا لبضعة أسابيع. سألته: "كيف حالك يا أبي؟" أجاب: "أنا بخير." ثم وقف على قدميه وشق طريقه نحو الحمام ليموت.

جزء كبير مني يأمل أن تكون آخر كلمة قالها والدي مختلفة، أن لا تكون "بخير" هي الكلمة الأخيرة التي قالها والدي قبل موته. بعد وفاة والدي بثلاثة أسابيع، احتفلت بعيد ميلادي العاشر، وبعد بضعة أشهر حصلت على لقب "أفضل تلميذ مرح" في حفل توزيع للجوائز في مدرستي. تحويل حزني إلى شيء يجعل الآخرين يضحكون كان أفضل بكثير من البكاء عدة مرات في اليوم. كنت أحاول التمسك بأي نوع من الإيجابية بعد حدث مؤلم للغاية، وأعتقد أنني وجدت ذلك في ضحك وابتهاج زملائي الطريقة للتعامل مع ذلك. بالإضافة إلى ذلك، دعونا نواجه الأمر، لا أحد يريد أن يكون ذلك الطفل الممل الذي يبكي باستمرار على أبيه الميت.

إعلان

عندما أنهى الطبيب الشرعي عمله بفحص جثة والدي، الذي لم يتعدى عمره الـ 51 عامًا، تبين أن أبي أصيب بنوبة قلبية قاتلة، وبعد تشريح الجثة كشفت الأنسجة وجود ندبة كبيرة تشير إلى نوبة سابقة في وقت ما خلال الأشهر أو السنوات السابقة تعرض لها والدي، وهو ما كان مفاجئاً لنا جميعًاً، فلم يحدث أبداً أن سمعنا بذلك. من الواضح أن والدي لم يعتبر أن آلام الصدر الذي شعر بها لم تكن تحتاج الى الذهاب للمستشفى أو حتى الحصول على مشورة طبية احترافية، والد تقليدي.

في الوقت الذي يؤثر فيه السرطان على الرجال والنساء على قدم المساواة، يقتل سرطان الجلد الرجال بنسبة أربعة مرات أكثر من النساء، لماذا؟ لأننا نتجنب معالجة هذه المشكلة إلى أن يفوت الأوان

بعد موته، كانت النكات أفضل طريقة للتعامل مع موته؛ لأن فكرة كشف الإنسان لضعف تعتبر أكثر الأشياء رعبًا بالنسبة لمعظمنا، وهو شيء استطيع تفهمه، إنها سمة أراها الآن كواحدة من أكبر عيوب والدي، فقد أدت في نهاية المطاف الى موته. إنها أيضًا سمة متأصلة في العديد من الرجال. هي صفة متجذّرة بشكل حقيقي جدًا ومدمر جدًا في عقول الذكور، نحن نتعلم منذ سن مبكرة بأن الاعتراف بالضعف هو نقطة ضعف وهناك الكثير من الإحصاءات المُحبطة التي تؤكد أن تلك مشكلة كبيرة جداً.

حتى في حسابات الصحة الإنجابية، في أي عام، يكون الرجال أقل احتمالاً لزيارة الأطباء بمقدار النصف مقارنة بالنساء، وهو ما لا يبدو منطقيًا تماماً. أنا متأكد من أن النساء لا يصبن بالمرض بنسبة مرتين أكثر من الرجال. في المملكة المتحدة، معدل الوفاة المبكر (أقل من 50 سنة) هو أعلى بمرتين ونصف لدى الرجال أكثر من النساء، ويرجع ذلك في المقام الأول إلى أمراض القلب والأوعية الدموية والحوادث والانتحار والسرطان، والذي يعد أقوى دليل على إحجام الرجال على طلب المساعدة. على سبيل المثال، في الوقت الذي يؤثر فيه السرطان على الرجال والنساء على قدم المساواة، يقتل سرطان الجلد الرجال بنسبة أربعة مرات أكثر من النساء، لماذا؟ لأننا نتجنب معالجة هذه المشكلة إلى أن يفوت الأوان.

الحقيقة هي أن الكثيرون منّا نحن الرجال يخافون حتى الاعتراف بمشاعرهم تجاه أنفسهم، ناهيك عن الآخرين، نحن مرعوبون من الحديث، وهو أمر يقتلنا

هناك من يحاول أن يغير هذا الواقع، مثلاً تشجع مبادرة "Feeling Nuts" مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي من الذكور على نشر صور شخصية لهم وهم يمسكون عضوهم الذكري، بهدف نشر الوعي بسرطان الخصية وهو هدف نبيل، لكن لا يسعني إلا أن أشعر بأن ذلك الأمر هو تلاعب في وعي الجمهور العام، بدلاً من كونه شيئًا من شأنه التأثير في كيفية تعامل الرجال مع همومهم وقلقهم. سبنسر ماثيوز، نشر صورة شخصية وهو يمسك بعضوه الذكري وهو ربما ما جعله يتم الإشارة إليه في صحيفة Mail Online، ولكن ما مدى احتمالية أن يشعل ذلك الأمر شرارة النقاش حول تلك القضية بين الرجال؟ الحقيقة هي أن الكثيرون منّا يخافون حتى الاعتراف بمشاعرهم تجاه أنفسهم، ناهيك عن الآخرين، نحن مرعوبون من الحديث، وهو أمر يقتلنا.

التباين في معدلات الانتحار، تظهر نظر أخرى في الموضوع، فعلى الرغم من أن الاكتئاب يكون أكثر شيوعًا عند النساء، فإن الرجال البريطانيين هم أكثر عرضة بثلاث مرات لإنهاء حياتهم. وقد خلص تقرير Samaritans لعام 2012 إلى أن البنية المجتمعية للذكورة هي سبب رئيسي لهذا الاختلال، وأشار التقرير إلى أن "الطريقة التي يتعلم بها الرجال، خلال الطفولة، أن يكونوا رجالًا، لا تركز على المهارات الاجتماعية والعاطفية" على النقيض من النساء اللواتي يستخدمن الطرق الصحية مثل الموسيقى أو ممارسة التمارين للتحكم في التوتر أو القلق بدلاً من "التحدث" عن المشكلة أحياناً.

إعلان

إدمان الكحول هو أيضًا أكثر انتشارًا بين الرجال، والذي يرتبط إلى حد كبير بالعلاج الذاتي للمرض النفسي، فلقد حارب جدي في نورماندي، ونجا بالحظ فقط، الفظائع التي لا توصف التي كان يشاهدها أثرت على سلامة عقله، حتى إنه لم يتمكن من القيام بأي شيء إلا شرب الكحول. وُلد والدي بعد ست سنوات من يوم النصر (انتصار الحلفاء عند غزو نورماندي في عملية أوفرلورد خلال الحرب العالمية الثانية) ومثل الكثير من الأطفال الذين تربى مع أب خلّف لأبنائه قمع عاطفي عميق وغير قادر على الحب، ناهيك عن الحديث عن أي من مشاعره. إنها حالة وراثية لدى الرجال الذين يتم تربيتهم من قبل رجال غير القادرين على التواصل عاطفيًا، وأعراض ما نعرفه الآن بـ PTSD أو اضطراب ما بعد الصدمة، والذي أصبح مرادفًا للذكورة.

لو كان والدي تعلم أن يفتح فمه أكثر قليلاً، ولم يكن قد قضى حياته في تجنب المساعدة فربما كان لا يزال معنا هنا اليوم

بالطبع، لا ينتهي الدمار بنهاية الحرب، وبينما تتعامل الأمهات الأرامل مع تداعيات عدم ثقتنا بالأطباء، يقوم الرجال بعمل رائع في تخريب أي محاولة للرومانسية في المقام الأول بسبب عدم قدرتنا على التواصل. لم أكن قادراً على التعايش مع موت والدي حتى الآن، وتوصلت إلى فكرة بسؤال صديقتي السابقة ميجان عن مشاكل محددة ظهرت خلال فترة صداقتي البائسة بها. وقالت لي: "أهم شيء هو عدم قدرتك على التواصل مع مشاعرك، وهو ما يعني عدم قدرتك على التواصل معي، كنت تحاول تجاهل كل شيء لدرجة أنك فقدت الاتصال مع نفسك. حتى عندما كنت أتمكن من تحديد موضع المشكلة، كنت تقوم بإنكار ذلك، كان لدي مهمة صعبة من البداية، وهي جعلك تعترف بوجود مشاكل في المقام الأول."

التواصل هو المفتاح للعلاقة الناجحة، كما سيقول لك أي شخص يعيش حياة زوجية سعيدة (عدم ممارسة الجنس مع زميلاتك، هذا مفيد أيضًا). أسوأ جزء هو أننا نعرف ذلك، لقد تم غرسها في عقولنا من خلال كل كتاب وبرنامج تلفزيوني وفيلم يتناول هذا النوع من القضايا، لكننا ما زلنا نتجاهل ذلك، ونمضي قدماً نحو الاعتقاد الخاطئ بأن هذه القواعد لا تنطبق علينا بل على الآخرين.

ماذا يمكننا أن نفعل؟ من السهل محو المشكلة كحالة ميئوس منها، فلا يمكنك تغيير شخصية نصف سكان العالم بين عشية وضحاها، فهناك الكثير من الإهمال الذاتي، والسخرية، والعدوان السلبي على النفس. ولكن يمكنك دائماً البدء في المحاولة من خلال إجراء شيء واحد بسيط وهو: التحدث. نحن نفعل ذلك كل يوم، فلماذا لا نفعل ذلك عندما يتعلق الأمر بالأشياء التي تهمنا حقًا؟ أنت تستطيع فتح وإغلاق فمك لجعل الصوت يخرج منه؛ كل ما عليك فعله هو إحداث تغيير طفيف في هذه الأصوات والتحدث بشيء مهم لك، ويمكن أن ينتهي بك الأمر إلى أن تشعر بالكثير من التحسن.

لو كان والدي تعلم أن يفتح فمه أكثر قليلاً، ولم يكن قد قضى حياته في تجنب المساعدة فربما كان لا يزال معنا هنا اليوم. الافتراضات لن تصل بنا إلى أي مكان، ولكن حتى نعالج عدم قدرتنا على الانفتاح، سنستمر في الموت مبكراً ودون داع، فضلاً عن تدمير العلاقات التي نبنيها أثناء حياتنا. لذلك من فضلك: إبدأ في الحديث، لا أريد أن ألزم نفسي بكتابة كتاب كامل حول هذا الموضوع.

ظهر هذا المقال في الأصل على VICE UK.