إعلانات رمضان: مصر التي لا أعرفها

مدن جديدة ذات أسوار عالية، شركات اتصالات تقدم خدمات خيالية لا علاقة بها بالواقع المعيش، رفاهية قد تشاهدها في أفلام المستقبل والخيال العلمي
5.5.20
اعلانات مصر رمضان

يوتيوب

أشاهد إعلانات رمضان هذا العام، والسنوات الماضية، فأشعر أنني في بلد آخر غير مصر، بلد لا أعرفها. مدن جديدة ذات أسوار عالية، شركات اتصالات تقدم خدمات خيالية لا علاقة بها بالواقع المعيش، رفاهية قد تشاهدها في أفلام المستقبل والخيال العلمي، يوتوبيا أحمد خالد توفيق تظهر عبر إعلانات رمضان الآن.

في الولايات المتحدة يعتبر السوبر بول Super Bowl موسم الإعلانات الأكبر كل عام. وفي مصر، موسم رمضان هو سوبر بول الإعلانات. فكل المنتجات سواء سلع أو خدمات يمكن أن نتخيلها محتشدة على شاشات التليفزيون في محاولة لجذب المشاهدين الذين يجلسون أمام الشاشة لساعات، يومياً. على مدار السنوات الأخيرة، الإعلانات في مصر تشبه بعضها البعض، ويبدو أن وكالات الإعلان والشركات المعلنة تتبع نفس الاستراتيجية في إنتاج حملات الإعلانات، إذا فرضنا أن هناك استراتيجية أصلًا. فإذا راجعنا إعلانات شركات الاتصالات أو المنتجات الأخرى في السنوات العشر الأخيرة، سنجد أن نهجـًا واحدًا تقريبـًا تتبعه هذه الكيانات مع تغييرات طفيفة جدًا: مجموعة من الفنانين يتكررون كل سنة في إعلان شركة اتصالات معينة، سواء كان الفنان يقدم أغنية الشركة أو ممثلًا يؤدي دورًا في الإعلان، أو تشاهد فتيات جميلات في كل الإعلانات يرتدين الفساتين المبهجة وسط منازل واسعة ملونة في كل أركانها، أو شركة تحاول استجداء المصريين للتبرع على أنغام موسيقية حزينة في الخلفية من أجل دغدغة مشاعرنا ودر دموعنا.

خلال هذا العام، وفي ظل أزمة فيروس كورونا، لم يتغير الكثير، الاعلانات الرئيسية تنقسم لعدد محدد من الفئات: إعلانات التبرع، إعلانات شركات الاتصالات، إعلانات البنوك، إعلانات المنتجات المنزلية والأطعمة والملابس، إعلانات القرى السياحية والمدن الجديدة، إعلانات بيبسي وكوكاكولا (انتشار أقل في السنوات الأخيرة)، وأخيراً إعلانات الصيدليات، وهي تجربة ناشئة منذ سنوات قليلة. وكالات الإعلان اغتنمت الفرصة وقامت بعمل إعلانات تواكب التطورات الراهنة، فوجدنا شعارات خليك في البيت، وشاهدنا الكمامات في الصور، لكن دون أن يكون للأمر أي علاقة بالإعلان أو أهدافه سوى الزج بالكورونا دون تفكير في مدى نفعها أو ضررها على المُنتَج نفسه.

شاهدت الكثير من الإعلانات (ونفس الإعلان مرات ومرات) خلال الفترة الماضية، ولدي بعض الملاحظات على الإعلانات التي تتكرر كل عام وفيها نفس الثيمات وهي:

إعلان فودافون

في هذه الإعلان تحت عنوان "عزوتنا ملايين" تحاول شركة فودافون الاقتراب من مشاهير الكرة والفن في مصر، لتوضح لنا أنهم مثل باقي المصريين يلعبون مع أطفالهم ويتحدثون في الهاتف ويغسلون سياراتهم، لكنهم يفعلون ذلك من داخل قصورهم وحدائقهم الواسعة، وحياتهم تكتمل من خلال مكالمة هاتفية عبر شركة فودافون، فتحلو اللمة. ولكن مفهوم اللمة المزيف الذي تحاول فودافون الدفع به في إعلانها ليس سوى برهان على عدم رغبة الشركة العالمية في تغيير نمطها المستمر لسنوات، دون اقتراب حقيقي من المستهلك المستهدف. فعملاء فودافون ليسوا جميعًا محمد صلاح وإسعاد يونس ومنى زكي، واللمة والعزوة التي تحاول إبرازها ليست إلا خيال مصنوع عبر الهاتف.

هذا النمط من الإعلانات يقدم شركة فودافون للجمهور كشركة خاصة فقط بالنخبة، فتروج بطريقة ما للطبقية، في عالم محدود له أسواره الخاصة مثل الكومباوند، فكل من يمثل فودافون في الإعلانات ليسوا سوى كريمة المجتمع المصري، نجوم سينما أو كرة قدم، وقلما تجد شخصـًا عاديـًا. في واحد من تعليقات السوشيال ميديا حول الإعلان يقول أحدهم "إعلان فودافون حلو وكل حاجه .. بس فكرة إنك تبقى قاعد في الفيلا بتاعتك بتوجه رسالة عن القعده في البيت و لازم نستحمل زي ما هم مستحملين .. ده مافيهوش أي شبه من Stay_home بتاع أغلب المصريين اللي أي أسرة منهم محشورين في شقة أصغر من المساحة اللي عايش فيها الكلب اللي في جنينة منى زكي."

كيف يمكن لمشاهد في ظل أزمة الكورونا أن يعتبر نفسه مكان أحد هؤلاء النجوم؟ هل يُعقل أن كل مصر تظهر في هذا الإعلان بهذا الشكل؟ أليسوا تمثيًلا للمصريين أم أنهم في هذه الحالة يمثلون أنفسهم فقط؟ قد يصنع إعلان فودافون رغبة لدى المستهلكين في التطلع لمستوى اجتماعي واقتصادي أعلى .. أمر مشروع، لكن هل هذا قابل للتحقق بسهولة في بلد مثل مصر؟

إعلان فودافون يستهدف شريحة في التحليل النفسي لجمهور الإعلانات، تسمى بفئة الـ Experiencers، والتي تتسم بأنها شريحة تسعى للثروة والسلطة والشهرة. وعليه فالسعادة أحد أهداف الإعلان، خاصة مع صوت شيرين، لكن عن أي سعادة نتحدث في ظل الوضع الراهن؟ أين الطبقات الأخرى في الإعلان؟ الطبقات الاجتماعية التي من المفترض أن تكون هي المستهدفة بالإعلان؟ هذا إما إنكار لوجود طبقات أخرى أو أن المجتمع كله ينتمي لهذا العالم وأنه أمر عادي أو محاولة لجعله عاديًا Normalization. قد تبدو نظرتي للإعلان طبقية، لكن الإعلان لم يدع لي أي مجال غير أن أراه بهذا الشكل.

إعلان بنك مصر

"التاريخ بيقول إن البشر هم نوعين، ناس بتأثر وناس متفرجين، طب وإنت مين من الاتنين؟ إنت استثنائي مش زي الباقي" هذا هو جزء من أغنية اعلان بنك مصر هذا الموسم. في السنوات الأخيرة أصبحت البنوك عنصرًا مهمـًا في إعلانات رمضان، وربما سبب هذا، انتشار البنوك بشكل كبير في مصر، لا سيما الخاص منها، مما جعل بنك مثل بنك مصر يحاول الدخول في المنافسة بعمل إعلانات أصبحت مؤخرًا عالية الجودة على مستوى الإنتاج. حاول إعلان بنك مصر أن يبرز فئات المجتمع المختلفة، وقدم لنا وجوهـًا مصرية عادية، إلا أنه وقع في فخ سياسي واضح، دعائي أكثر منه إعلاني، فظهرت صور الأطباء وكأنهم يرتدون زي ضباط الجيش، وتحول موظفو البنك إلى صورة قضاة عند بعض المشاهدين.

بنك مصر الذي تأسس على أساس وطني منذ 100 عاماً هو أحد البنوك المصرية الحكومية التي تحاول أن تبرز صورة البنك الداعم للمصريين في مشاريعهم وأحلامهم، وهذا ربما يتعارض مع منطق البنوك التي تعتبر تجسيدًا للرأسمالية. فالمكسب هدفها الأساسي دون اكتراث بمعاناة المواطنين. لكن هذا ما يحاول بنك مصر والبنك الأهلي محاربته من خلال الإعلانات السنوية في رمضان من خلال إبراز قيم وطنية. والسعادة في الإعلان عامل مشترك مثل فودافون، لكنها سعادة بنيت على تقديم طرح وطني قديم، الاستثنائية والتفرد. فالأغنية وضعت البشر في ثنائية الفعل ولا الفعل، وبالطبع الخطاب موجه هنا لكل مصري بوصفه استثناء ونسخة أصلية وليس تقليدًا.

إعلان قطونيل

إذا لم تعتمد على مشاهير أو أشخاص عاديين، فهناك أسلوب آخر، اعتمد على فتيات جميلات يرقصن في الإعلان، هذا ما اكتشفاه شركة قطونيل والتي اختارت الممثلة ميس حمدان لتقدم فقرتها الراقصة عبر الشاشة وتتحدث عن بوكسرات الفتى الواقعة في غرامه - أسلوب قديم في اللعب على ثنائية الذكورة والأنوثة. وبالطبع لأننا شعب متدين بطبعه، كما تقول الأسطورة، فقد غار المصريون على شرفهم وأخلاقهم، وطالبوا بحذف الإعلان من على الشاشات، فخضعت الشركة لذلك. إلا أن ماحدث ربما جعل إعلان قطونيل الأكثر انتشارًا مقارنة بباقي الإعلانات الأخرى، فالضجة صنعت جدلًا واسعًا على السوشيال ميديا.

لستُ من مُدعي الفضيلة والرقابة على الكلمات التي تقال في الإعلانات، فالكلمات التي لم تعجب الكثيرين في الإعلان تقال كل يوم في الشارع، والتحدي في الإعلان لديّ ليس في كلماته الخادشة، لكن في افتقاره لأساسيات البيع والشراء، فهو إعلان ساذج وفقير فنيًا، كما أنه يعاني من نفس المشكلة الخاصة بـ"تسليع المرأة" لماذا مثلاً تعلن عن ملابس داخلية لذكور والإعلان كله نساء؟ بشكل عام، إذا شاهدنا أي عدد من الإعلانات في مصر، سنجد أن الفتيات ليسوا نجومـًا في الإعلان بل مجرد أجساد تتراقص لترضي رغبة العميل لشراء السلعة، والعملاء والمعلنين المسيطرين منذ نشأة صناعة الإعلان كانوا دومـًا من الذكور.

الصورة النمطية لفتاة الإعلانات لا تختلف كثيرًا عن السينما، ينبغي أن تكون بيضاء البشرة ذات قوام ممشوق، نمط جمال غربي يداعب خيال النساء من أجل التشبه بها والرجال للحصول عليها. هل يمكننا تخيل/تقبل وجود فتاة عادية، غير جميلة ذات جسد ممتلئ في إعلان يرغب في جذب الملايين لشراء سلعة ما؟ في إعلان فريش هذا العام، حاولت الشركة إن تقدم نماذج متنوعة للنساء، السمراء والشقراء وشبيهة فريدا كاهلو من أجل إبراز التنوع في المنتج، فهؤلاء الفتيات يرمزون لتنوع منتجات فريش نفسها، والحال نفسه مع إعلان كنافة إيتوال، لكن ما دور النساء في هذه الإعلانات تحديدًا؟ لا شيء تقريبـًا سوى جذب انتباه المشاهد. فإعلان "إيتوال" كله ذكور، ليس هناك أي بعد أنثوي في الإعلان سوى وجود ثلاث نساء وكنافة.

إعلانات مجموعة طلعت مصطفى

منذ إعلانات مدينة الرحاب مرورًا بإعلان مدينتي العام الماضي، تظل إعلانات مجموعة طلعت مصطفى نخبوية حتى النخاع، إذ تخاطب شريحة صغيرة جدًا في مجتمع يصل فيه مستوى الفقر إلى 32.5٪ وفق تقديرات رسمية. إعلانات هذا العام لا تحاول استجداء مشاعر المستهلكين بقدر ما تسعى لإبراز قوة المجموعة ونجاحها في مصر لمدة نصف قرن في عالم الإنشاء. إعلانان حتى الآن متوسط كل منهما ثلاث دقائق، تصلنا صور مبهرة وحكايات ساحرة توضح مدى "عظمة" هذه المجموعة، موسيقى الإعلانات تدخلك في عالم من عوالم أفلام الأبطال الخوارق التي يقدمها لنا هانز زيمر. عالم منفصل تمامـًا عن مصر التي نراها يوميـًا. مجموعة طلعت مصطفى تقدم للمصريين ملحمة في عالم الإنشاء، واجهها كثير من المصريين في المقابل بتقديم ملحمة مضادة في السخرية من الحملة الإعلانية.

السؤال، هو لمن هذا الإعلان وهل سيجذب شريحة جديدة من المستهلكين؟ علينا أن نتذكر سويـًا أسعار الوحدات السكنية في مدينتي حتى يتسنى لنا الاستعداد للشراء بعد انتهاء موسم رمضان. فإذا أخذنا جولة سريعة على الإنترنت سنجد متوسط الأسعار يقترب من المليون جنيه مصري (حوالي 63,437 دولار أمريكي) للشقة. في حين أن متوسط الدخل السنوي للأسرة المصرية خلال عام 2017-2018 حوالي 60 ألف جنيه (3,000 دولار أمريكي تقريبـًا). بحسابات بسيطة إذًا، يمكنني شراء شقة في مدينتي إذا قمت بالادخار الكامل لمتوسط دخلي السنوي المذكور لمدة 16 عامـًا تقريبـًا، وهذا مع افتراض أن السعر سيظل كما هو.. كوميديا والله!!

هناك أيضاً إعلان بنك الطعام المصري وعدد آخر لا حصر له من المؤسسات التي تنادي بالتبرعات طول شهر رمضان، وكأن الخير ينضب مع باقي العام. هذه العادة المزعجة بدأت منذ سنوات عديدة، ربما تقترب من العقدين، عندما بدأها طارق نور مع جمعية الأورمان، وكنا نشاهدها على شاشة التليفزيون المصري، لكنها لم تكن بمثل هذه الكثافة والانتشار الحاليين.

معضلة هذه الإعلانات أنها فقدت قيمتها تمامـًا، فهي تهدف لجمع التبرعات، وهذا يتنافى مع مبدأ الإعلان الأساسي "بيع المنتَج للمستهلك" ربما يقول البعض إن مثل هذه الإعلانات تبيع شيئـًا آخر للمستهلك "الثواب هو المُنتَج هنا." وإذا كان الأمر كذلك، فقد أصبحت هذه الحيلة مكشوفة ومملة، فكيف يمكن أن استسيغ إعلان بنك الطعام الذي يظهر المصريين الفقراء بعد أن شاهدت مباشرة منى زكي تقدم إعلانـًا لفودافون من منزلها الفخم، وملايين المصريين يعانون من مستقبل غير واضح بسبب الحجر وفقدانهم أعمالهم وليس لديهم أي ضمان اجتماعي؟

المعضلة الكبرى مع هذه الإعلانات أنها ابتعدت عن إبراز معلومات أو حقائق عن المُنتَج حتى تشجع المستهلك أن يشتريه، وهذا يتعارض مع آراء تحدث فيها كبار المتخصصين في صناعة الحملات الإعلانية مثل ديفيد أوجيلفي الذي أشار إلى أهمية إبراز بعض الحقائق عن المنتج، على الأقل ثلاثة، في إعلاناتنا لا توجد معلومة واحدة حتى! أما الطبقية والنخبوية فحدث ولا حرج، ناهيك عن تسليع المرأة، ولن نكرر ثانية الحديث عن التسول السنوي الذي يتكرر كل سنة حتى طفح الكيل.

تبدو إعلانات رمضان الآن مثل مسدسات الصوت، أو ماكينات الطحين التي لا تصنع عجينـًا، ضجيج فقط بلا قيمة، تأثيرها لحظي ولا يستمر، على عكس إعلانات التسعينات مثلاً التي لا أزال أتذكرها، والتي كانت أكثر مباشرة في الرسالة وأقل تكلفة في الإنتاج، لكنها كانت أكثر فعالية واستمرارًا مثل فليت الذي يقتل الحشرات ويتوغل وينتشر ويستمر ويستمر ويستمر.