فيروس كورونا

نصائح أسير سابق تعرض للعزل الإنفرادي للحياة تحت الإغلاق في ظل الكورونا

أذكر حالات من بعض الأسرى الذين بعد خروجهم من العزل الانفرادي، لم يتمكنوا من إعادة الاندماج مع الأسرى وقرروا العودة للعزل
24.3.20
solitary confinement
Photo by camilo jimenez on Unsplash

بعد انتشار فايروس كورونا، وتصنيفه من قبل منظمة الصحة العالمية كوباء، وفرض الحجر المنزلي الصحي على آلاف المواطنين في مختلف دول العالم. أصبح الجميع أمام نمط حياة جديد ومختلف، وربما مربك للبعض، الغالبية لا تعلم كيف تتأقلم مع هكذا وضع منعزل، وما الذي عليهم فعله. لذلك قد يكون من الضروري سماع بعض النصائح من أشخاص لهم تجارب مع ظروف مشابهة إلى حدٍ ما، رغم قساوتها.

بلال كايد، 38 عامًا، أسير فلسطيني محرر، خرج من السجون الإسرائيلية قبل خمس سنوات، حيث قضى قرابة 15 عامًا في الأسر، وخلال فترة سجنه تعرض لتجربة العزل الانفرادي عدة مرات. في الوقت الذي يصف البعض الحجر المنزلي يشبه العزل الإنفرادي، قررت الحديث مع بلال عن حجم المبالغة في ذلك وعن حياته في السجن، محاولاً تقديم بعض النصائح لتجاوز الحجر الصحي.

إعلان

VICE عربية: كيف كانت فترة السجن؟ تحديدًا العزل الانفرادي؟
بلال كايد: اعتقلت عام 2001 على خلفية انتمائي حركة الجبهة الشعبية والقيام بنشطات عسكرية ضد الإحتلال الإسرائيلي، كنت أبلغ 23 عامًا، وحُكمت بالسجن لـ 14 عام ونصف، وتعرضت للعزل الانفرادي عدة مرات، آخرها كان في عام 2016 وتم ابقائي في داخل العزل الانفرادي لمدة عام. أثناء تواجدي في العزل الانفرادي انتهت محكوميتي، لكن الإحتلال رفض الإفراج عني، مما اضطرني إلى اتخاذ قرار بالإضراب عن الطعام، استمر 72 يومًا، حتى تم الإفراج عني بدون قيد أو شرط.

غرفة العزل الانفرادي التي قضيت فيها مدة عام كامل، لم يتجاوز مساحتها متران في متر واحد، معتمة، متسخة، لها رائحة من الصعب تقبلها، تستخدمها إدارة السجون الإسرائيلية لكسر معنويات الأسير. هناك نوعان من العزل، الأول يكون بشكلٍ منفرد، أما الثاني يكون لأسيران معًا في ذات الغرفة والمساحة. غالبًا ما تستخدم إدارة السجون النوع الثاني من العزل للالتفاف على القرارات والإرشادات الصحية التي تؤكد أن بقاء الفرد بشكل منفرد ومنعزل في ظروف لا إنسانية لأكثر من ثلاثة أشهر، قد يتسبب بأضرار نفسية جمة، لذلك يتم زج أسير آخر معه في ذات الظروف لتبرير الإدارة موقفها أمام المحاكم الإسرائيلية وطمأنتها بأن الوضع النفسي للأسير مستتب.

كنت أتواصل مع باقي زملائي في الزنازين الانفرادية المجاورة من خلال جورة المرحاض، حيث تنقل المياه صدى أصواتنا

ما هو أكثر موقف صعب واجهته في العزل الانفرادي؟
فكرة العزل الانفرادي بحد ذاتها أكبر موقف صعب واجهته، كنت معتقل في سجن مجدو لكن تم اعتبار وجودي بين الأسرى خطر على أمن إسرائيل، وتقرر عزلي انفراديًا في سجن عسقلان. في البداية تم عزلي بشكل مزدوج مع أسير آخر، وفيما بعد نُقلت لعزل انفرادي منفرد. مُنعت من الفسحة الخارجية إلا بمرافقة 3 ضباط حتى لا أختلط بأحد، ولم يكن يُسمح لي دائمًا بالخروج، ومُنعت من زيارة أهلي، ومن زيارة الطبيب والمحامي، ومُنعت من إدخال الراديو والتلفزيون. تقدمت بالعديد من الشكاوى على طبيعة العزل، وتعرضت خلال العزل لابتزاز من الشاباك (جهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي) لعدة مرات. ربما منعي من الاتصال والتواصل مع العالم الخارجي والمحيط الاجتماعي كان من أصعب ما عايشته خلال فترة العزل، لا أعلم ما يجري بالخارج، لا أكلم أحد ولا أحد يكلمني.

حرمانك من الإتصال والتواصل، كيف أثر ذلك على صحتك النفسية خلال فترة العزل الانفرادي؟ وما الذي ساعدك على تحمل تلك الأيام والشهور؟
خلال فترة تواجدي في زنزانة العزل الانفرادي، كنت أتواصل مع باقي زملائي في الزنازين الانفرادية المجاورة من خلال جورة المرحاض، حيث تنقل المياه صدى أصواتنا، كنت وقتها أدرك أن العزل ترك بداخلهم ردود نفسية من الصعب التعامل معها، وربما تلك التجربة غيرت أنماط حياتنا 180 درجة في تعاملنا مع المحيط الاجتماعي. كنت أذهب باتجاه العزلة بشكل أكبر يومًا بعد يوم، أصبحت علاقتي بالجمادات أكبر وأعمق من علاقتي مع البشر. ربما ما ساعدني على التحمل وعي الثقافي والفكري الذي كنت أتسلح به مسبقًا، وخبرات من سبقوني من الأسرى بتجربة العزل التي حدثونا وأخبرونا عنها منذ دخولنا اليوم الأول في الأسر. وقد يكون إيماني بضرورة التماسك ومعالجة نفسي نفسيًا، فمثلاً كنت أقوم بالحديث مع نفسي ومحاولة الضحك بشكل منفرد، أو حتى البكاء، وفتح أحاديث بيني وبين ذاتي وأشخاص يعنون لي، وهذا الأمر ليس سهلاً، بعض الأسرى ما زالوا يعانون من الوحدة والشكك وانعدام الثقة. أذكر حالات من بعض الأسرى الذين بعد خروجهم من العزل الانفرادي، لم يتمكنوا من استيعاب الأمر، ورفضوا الوجود بين الأسرى أو بالأدق لم يتمكنوا من الاندماج وقرروا العودة للعزل.

أصبحت علاقتي بالجمادات أكبر وأعمق من علاقتي مع البشر. كنت أحاول معالجة نفسي نفسياً من خلال الحديث مع نفسي ومحاولة الضحك بشكل منفرد، أو حتى البكاء

تحدثنا عن العزل الانفرادي في السجون، واليوم يواجه العالم الحجر الصحي بسبب انتشار وباء كورونا، وربما من الصعب المقارنة بين التجربتين، لكن برأيك هل هناك نقاط تشابه؟
هذا صحيح. في اعتقادي هناك بعض التشابه خاصة من هم معزولون بشكل منفرد، الجميع ممنوع من الخروج والتجول بحرية وممارسة حياته بشكل طبيعي، لكن ظروف العزل الانفرادي في السجن أصعب كثيرًا بالطبع، برغم الحجر الصحي لكن تبقى هناك خيارات لممارسة بعض الأعمال اليومية، إضافة لنظافة المكان والأكل وهذا لا يكن يتوفر لنا في عزل السجون.

من خلال تجربتك وفي ظل إغلاق المدن، بماذا تنصح من يعيشون تحت الحجر الصحي؟
لربما أكثر ما نحن بحاجة له اليوم هو التثقيف الاجتماعي لنتمكن من تجاوز المرحلة الحالية التي نعيشها، وأعتقد أن هناك دور كبير على المسؤولين سواء السياسيين أو الأخصائيين الاجتماعيين والنفسيين لتوعية ومساعدة الناس على المرور بسلام من هذه الوضع. يجب علينا التخلي عن بعض العادات الاجتماعي في محاولة لمنع تفشي المرض أو الوباء للحفاظ على صحتنا، لكن لا أدعو للتقوقع على الذات كما حدث معي في السجن، ولا أدعو لفرض قوانين على الناس، بل أدعو لتثقيفهم بتحديات المرحلة وطبيعة المرض، ويجب أن يكون هناك وعي أكبر بمخاطر التجمع والتجمهر في الأماكن العامة، إضافة إلى دعم الناس اقتصاديًا واجتماعيًا وصحيًا وثقافيًا أيضًا.

أعتقد هناك العديد من الوسائل والأساليب ولربما تختلف من شخص لشخص آخر، من الممكن أن تساهم في التخفيف من أعباء المرحلة، فمثلاً شبكات التواصل الاجتماعي اليوم متاحة للغالبية العظمى كجزء من فك العزلة الاجتماعية للفرد المتواجد بداخل غرفته أو سريره، وهذا مهم وضروري، لكن يجب التنبه من الشائعات وبث الرعب الذي يبث على ذات الشبكات والذي قد يؤدي لنتيجة عكسية. لذلك تحدثت عن أهمية التثقيف والوعي الثقافي والاجتماعي، من المهم استغلال الشبكات الاجتماعية في التواصل مع الآخرين وتناقل أحوالهم لتخفيف الضغط النفسي الذي قد يتولد من العزلة. كما من المهم الإستمرار بالقيام بنشاطات اجتماعية وبدنية كالرياضة وقراءة الكتب ومشاهدة برامج وأفلام.

بشكل شخصي هل أنت متخوف من كورونا أم تشعر أن الخوف مبالغ فيه؟
باعتقادي الخوف لا بد منه، وهو شعور إنساني، أخاف من شيء موجود لكنه بنفس الوقت مجهول، لا نراه ولا نعلم علاجه، حتى الآن هناك بعض جهل في التعامل معه، لذلك دائمًا ما نبحث عن الوضوح الذي يقدمه العلم. نعم هناك خوف، لكن الخوف لا يتجاوز فكرة ماذا سيحدث في المستقبل، الوضع لا يبث الرعب بداخلي، فقد مررت بأصعب من ذلك، لكن ما يبث الرعب بداخلي هو عدم التعامل بحكمة مع انتشار الفيروس، الأمر الذي قد يتسبب بتفاقم الحالة.

هناك أكثر من 5,000 أسير وأسيرة فلسطينية في السجون الإسرائيلية حالياً. ما هو أكثر ما يقلقك في وضع الأسرى في إسرائيل في هذا الوقت؟ وماذا سيحدث إذا انتشرت الكورونا في السجون؟
أكاد أجزم أن هناك مصابين بين الأسرى، من طبيعة إدراكي للحياة التي يعيشونها داخل السجون، فمثلاً يتم وضع كل 10 أسرى تقريبًا في غرفة واحدة، مقيدين الحرية، ولا يمكنهم الانعزال في حال أصيب أحدهم بالفيروس مثلما نفعل في منازلنا، إلى جانب انعدام الكفاءة الطبية، فالعيادات لا تقدم لهم الفحوصات والعلاجات اللازمة، وربما هذا أكثر ما يقلقني في الفترة الحالية. فمثلاً في سجن رامون هناك قرابة ألف أسير فلسطيني مخصص لهم عيادة واحدة لا تستقبل أكثر من 6 حالات يوميًا، وأحيانًا يحتاجون الذهاب للعيادة ولا يجدونها متوفرة. إضافة إلى التكتم من إدارة السجون على أوضاع الأسرى ومنع الزيارات ومنع تحويل الأموال لهم بسبب تفشي الفيروس في إسرائيل، وإغلاق كافة الطرق والمؤسسات والبنوك.

أيضًا، هناك أخبار من مصلحة السجون الإسرائيلية عن وجود إصابات بين جنود الاحتلال، ومن الممكن أن يكونوا قد نقلوا العدوى للأسرى أثناء نقلهم، لذلك الأمر مفزع وهناك تخوف وفزع على أكثر من 5 آلاف أسير يتم التعامل مع قضيتهم من قبل إدارة السجون بهامشية ويتم التعامل معهم كرهائن. أعتقد أن الأسرى يتعرضون لضغط نفسي وصحي كبير، وهم بحاجة لدعم دولي ومحلي لدفع إدارة السجون التخفيف من واقعهم بالإفراج عنهم، لأنه في حال تفشى بينهم المرض لا سمح الله، فالظروف السيئة قد تؤدي إلى إصابة معظمهم.