مرأة

السعودية خلود عسيري التي قتلت على يد زوجها: ضحيّة العائلة والقبيلة والقوانين الغير منصفة

"تقاليد القبائل الذكورية بدون استثناء مقبرة للنساء"
2020 يونيو 24, 2:54pm
mohamed-nohassi-aDTMGRdx28w-unsplash

المكان: مدينة جدة، الزمان: الأثنين، 23-5-2016. كان ذلك اليوم شاهداً حادثة مروّعة وجريمة قتل بشعة ضج بها الشارع السعودي قبل أربع سنوات راحت ضحيتها الشابة خلود فايع عسيري، 21 عاماً، عندما هربت من زوجها حسام الزهراني، طالبةً منه الطلاق. التجأت خلود لمنزل والديها حيث اعتقدت أنها ستكون بأمان، لكن حسام لاحقها واقتحم المنزل بسلاح ناريّ وخرج قاتلاَ خلود بدم بارد بطلقتين بالرأس أمام أهلها. فارقت خلود الحياة على الفور. قُبض على حسام وحُكم عليه بالقصاص بتهمة القتل المتعمّد. ولكن القصة لم تنته هنا والعدالة، بحسب كثيرين، لم تتحقق.

بحسب النظام القضائي السعودي القائم على أساس الشريعة الإسلامية، فإن عقوبة المجني بالحق العام في حالة القتل المتعمد هي السجن خمس سنوات فقط، وقد تخفف المدّة إذا حفظ السجين للقرآن الكريم. بالنسبة للحق الخاص فتطبّق أحكام الديّه، حيث يخّير أهل القتيل بين التنازل عن حقهم بالدم مقابل دفع الدية وهي المال الواجب بالجناية على الحر في نفس أو فيما دونها أو قصاص القاتل. في حالة خلود، وافق والد المقتولة على قبول الديّه بتسوية ماديّة قدرها 9 ملايين ريال سعودي.

وهنا يأتي دور قبيلة الزوج القاتل، والتي أطلقت حملة جمع تبرعات بالمبلغ المطلوب للعفو عنه، وتمكنت قبل أيام من تجميع المبلغ المطلوب للدية، حيث نشر حساب قبيلة زهران (التي يتبع لها الزوج) على تويتر تغريدة تحتفل بذلك. في المقابل، وتحت هاشتاغ #خلود_فايع_عسيري #عار_زهران الذي تصدر الترند السعودي، عبر الكثير من المغردّين عن غضبهم واستنكارهم لموقف القبيلة من جهة وموافقة الأهل على دية ابنتهم من جهة أخرى، وهو ما اعتبره كثيرون قتلاً لخلود لمرة ثانية. في أحد التغريدات اعتبر أحدهم أن "الانثى في هذا المجتمع التي لا قيمة لها إلا بعد موتها 'مقتولة' ليدفع لابوها دية مليونية،" وذكرت أخرى: "السيناريو المعتاد، طبعا القبيلة انقذت المجرم، وكأننا في أدغال وغابات، لا قانون يردع القتلة! تقاليد القبائل الذكورية بدون استثناء مقبرة للنساء."

تشير الناشطة النسوية السعودية سارة اليحيى، 32 عاماً، في حوار معها حول مقتل خلود إلى أن الأحكام القضائية تتفاوت في تقدير العقوبة للجاني في نظرة القضاء حين تكون الضحية امرأة وتضيف: "قضاؤنا السعودي غير مقنن ويستطيع القاضي الحكم بناء على توجهاته الشخصية، حيث تساهل القضاء مع فيحان الغامدي الذي قام باغتصاب وتعذيب وقتل طفلته البالغة 5 سنوات، حيث حكم القاضي بأن يدفع دية مقابل إسقاط جميع التهم الموجهة له*."وتكمل اليحيى: "كلما كانت الضحّية أقرب للقاتل (زوجته، اخته، ابنته) زاد التساهل وتخفيف العقوبة ويمكنك قياس ذلك على كافة الحالات الموجودة في المحاكم. في حالة حسام الزهراني، والذي كان من المفترض أن يسجن مؤبداً كعقوبة عادلة، ولكن بدلاً من ذلك سيقضي محكوميته فيما يخص حق القضاء العام لخمس سنوات أو أقل ويخرج، وتلك إشارة لأي زوج آخر على سهولة تعنيف وقتل زوجته."

بحسب المحامية السعودية ريم محمد بن زينة فإن عقوبة القتل المتعمد حسب القوانين في السعودية، ‏ترجع إلى أولاً إلى أولياء دم المجني عليه: "عقوبة القتل العَمد هي القصاص، فإن تنازل أولياء الدم فالسجن على ضوء الإرادة الملكية لمدة خمسة أعوام، وللمحكمة أن تغلظ عقوبة السجن إن رأت ذلك.‏ هذا بخصوص الحق العام. أما الحق الخاص فهو العفو أو عدمه من قبل أهل المقتول."

موافقة الأهل على الدية يعود للنظرة الدونية للمرأة بالمجتمع، الأهل لم يؤمنوا بحق ابنتهم وهي حيّة، فكيف سيؤمنون به وهي ميتّة؟

وبخصوص الدية، تقول المحامية: **"**يؤسفني جدًا ما حصل للمرحومة خلود عسيري، نعلم جميعاً أنّ الإسلام حفظ الإنسان واختص المرأة بأحكام خاصة. للأسف لا يتم تطبيق التعاليم الصحيحة في أغلب الأحيان، وخاصة من قبل بعض القبائل التي تتسيّد فيها العادات والتقاليد على الشرع، هناك أيضاً جهل بأمور الدين والكثير من سوء التقدير للأحكام الشرعية الواضحة بالقرآن والسنة. وكما نعلم بأن الإسلام اعتنى بالضروريات الخمس التي اتفقت جميع الشرائع الإلهية على حفظها، وهي: حفظ الدين، النفس، العقل، العرض والمال. واعتبر التعدي عليها جناية وجريمة تستلزم عقاباً مناسباً يحقق الأمن، ويمنع الفساد والعدوان والظلم. وأيضاً لعدالة الدين، تم تشريع الديّة التي لها ضوابط ومقاييس خاصة وثابتة والتي بالأغلب ترجع إلى أصحاب المجني عليهم، فلهم القرار إما بالقصاص أو العفو لوجه الله الكريم، أو وضع مبالغ مالية للتنازل وهذا ما حدث في قضية خلود."

وكان عدد من المغردين على مواقع أشار على التواصل أن والدة القتيلة اعترضت على الدّية، فهل اعتراض أحد أفراد القتيل على الدية يسقطها؟ تقول بن زينة: "إن اختار أولياء الدم (ورثة المقتول) القصاص جميعاً وجِب قصاص القاتل، وإن عفوا جميعاً سقط القصاص، وإن عفا أحدهم فقط سقط القصاص أيضاً ولو لم يعف الباقون. في حال اختار أولياء الدم تنفيذ حكم القصاص (أي قتل القاتل) ضمن الحق الخاص، يتم تنفيذ ذلك من قبل القضاء بعد إنتهاء محكوميته في السجن."

اليحيى ترى أن الموافقة الأهل على الدية "يعود للنظرة الدونية للمرأة بالمجتمع، الأهل لم يؤمنوا بحق ابنتهم وهي حيّة، فكيف سيؤمنون به وهي ميتّة؟ معظم حالات التعنيف سببها الأب ولا ننسى المفاهيم المجتمعية التي يربّي الأهل الفتيات عليها بأن "البنت مالها غير بيت زوجها ومن حقّه يسوي اللي يبيه فيها،" وعليها طاعته وإذا خالفت أوامره فهي عاصية وتستحق العقاب. لذلك فخلود متّهمة بقضية شرف لهروبها من بيت زوجها، وهي مذنبة من وجهة نظر الأهل والمجتمع. أيضاً، في حين عدم قبول الديّة من الأساس سيلحق العار بالأب وقد يطرد من القبيلة." من وجهة نظر المنظومة القبلية في السعودية، كما في عدد من البلدان العربية، يجب ألّا يردّ خائباً من فزع واحتمى بها (في هذه الحالة الزوج القاتل) وفي حال مخالفة ذلك (أي رفض الدية من قبل أهل القتيلة) فقد يلام الشخص وينبذ من قبل القبيلة، التي ترى أنه "من باب الرجولة والشرف للرجل أن يعفو وينقذ حياة "رجل آخر" من الموت." أما حق المرأة المقتولة هنا فلا يتم ذكره.

العنف الخطير ضد المرأة يصبح أشد في ظل عدم وجود أي قوانين رادعة، ولا شك أن قبول الدية في حادثة قتل متعمد يجعل المرأة المقتولة ضحية الأهل كما هي ضحية الزوج. اليحيى، كما كثيرون غيرها، يدعون لإلغاء الديّة من الأساس كونها تعتبر تجارة بالدماء وتكرس القبلية في المجتمع على حساب القانون: "الديّة تكرّس سلطة القبيلة على الفرد ولا تساعد على تنفيذ القانون، فيستهين المجرمين بالقتل كونه يعلم أن قبيلته ستجمع المبلغ المطلوب وتنقذه، يجب إلغاء الديّة تماماً. كما أنه ليس من العدل بشيء خروج القاتل بعد خمس سنوات من السجن فقط، هذه ليست عقوبة رادعة فعلية."

ذكرت اليحيى أنه بعد نشر المعنّفات لقصصهن على وسائل التواصل تختفي حساباتهن تماماً، وذلك إما نتيجة للقبض عليهن أو توقيعهن على تعهدّات بعدم المشاركة والنشر من جديد أو التشهير بالمعنّفين

في استطلاع أجراه المركز الوطني لاستطلاعات الرأي العام بالسعودية أوضحت النتائج أن العنف النفسي هو أكثر أنواع العنف انتشاراً ضد المرأة في المجتمع السعودي، وأن الزوج هو أبرز من يمارس العنف ضد المرأة، وأن المنزل هو المكان الأكثر الذي تتعرض فيه المرأة للعنف. تخشى كثير من النساء اللجوء لمركز بلاغات العنف الأسري وذلك لتقديم طلباتهن دون جدوى أو لإبلاغ ولي الأمر واستدعائه دون توفير الحماية للمعفنة كما في حالة أمل الشمّري التي اشتكت على وسائل التواصل من تعنيف والدها وتهديده بقتلها ولكنها اختفت بعد ذلك، وغيرها الكثير ممن تحدثن على مواقع التواصل. وذكرت اليحيى أنه بعد نشر المعنّفات لقصصهن تختفي حساباتهن تماماً، وذلك إما نتيجة للقبض عليهن وتوقيعهن على تعهدّات بعدم المشاركة والنشر من جديد أو التشهير بالمعنّفين، وزادت الرقابة مؤخراَ على مواقع التواصل والتشديد بذلك الخصوص، بحسب اليحيى.

واقع مرير تعيشه نساء الوطن العربي اليوم يسوده الرعب وخوف على أرواحهن في مجتمع عنيف وأنظمة تتساهل مع القتلة ولا ضمان للحق والعدل فيها عندما تكون الضحية مرأة. خلود ليست أول ضحية، للعنف ضد النساء ملف مليء بالأحداث الفاجعة بالوطن العربي، حيث يُمارس العنف على المرأة يومياَ بأشكال مختلفة تتفاوت في حجمها ومدى انتشارها. بحسب تقرير للأمم المتحدة فإن 46٪ من النساء المتزوجات كن ضحايا للعنف المنزلي، ثلثهن تعرضن لعنف جسدي وجنسي. و 1 من 3 نساء في العالم تعرّضن لعنف جسدي أو جنسي على الأقلّ لمرّة في حياتهنّ. كما كشف استطلاع الباروميتر العربي أن ربع الأسر في دول عربية تعاني من انتشار العنف الأسري بنسب مرتفعة، وازدادت الحالات مؤخراُ بعد الحجر الصحي بجائحة الكورونا.

مؤخراً، سُجّلت عشرات الجرائم بحق النساء بمختلف دول الوطن العربي منها مقتل الشابة السعودية ندى القحطاني على يد أخيها، والعراقية ملاك الزبيدي التي توفيت إثر تعرضها لحروق بالغة نتيجة لعنف أسري، وقيام أخ في الأردن بقتل شقيقته لأنّها استخدمت هاتفه لإنشاء حساب لها على موقع فيسبوك، وغيرهن الكثير من النساء اللواتي طلبن النجدة بمقاطع مصوّرة عبر مواقع التواصل تحت هاشتاغات مختلفة مثل #معنفة_الباحة التي تحدثت عن تعنيف زوجها لها لفظياً وضربها وتهديدها أمام أطفالها، وهاشتاغ #معنفه_السليمانيه_جده حين صوّرت فتاة فيديو ذكرت أنه صراخ جارتها التي تتعرض للتعنيف وطلبت النجدة لإنقاذها. وهاشتاق أنقذو أمل، الذي حصد العديد من التفاعل لقصة أمل التي تعرّضت للعنف لسبع سنوات من أخيها ونشرت فيديو تطلب النجدة بعد أن قدّمت الشكاوى واستعانت بالمحامين دون جدوى.

وعن ارتفاع ضحايا العنف خلال الفترة الأخيرة تقول اليحيى: "لا غرابة في ذلك، المجرم والضحيّة في منزل واحد بين أربع جدران، ما الذي تتوقعون حدوثه؟ العادات والتقاليد ونظام القبيلة والعشيرة لازالت تحكم المجتمع العربي كافة وستبقى النساء تعاني من العنف مادام الوضع كذلك. العنف الأسري غير مجرّم بالقانون، وتهمة التعنيف غير موجودة، والبلاغات الكيدية ساهمت في زيادة حالات العنف. الواقع حقاً مرير."

* حُكم الغامدي 8 سنوات ثم خففت لـ 3 سنوات وخرج بعد دفع دية بمبلغ مليون ريال.