عنصرية

عن عنصرية العالم العربي الذي "يدعي المثالية"

"إذا قلت أن كل العرب منافقين سأكون ظالمة، ولكن الأغلبية فعلًا منافقة"
10.6.20
racism
Photo by Koshu Kunii on Unsplash

"أغلب من يتحدثون عن العنصرية حاليًا هم عرب يناصرون القضية ليركبوا الموجة ليس إلا. لقد تعرضت للعنصرية من قبل ذات الأشخاص الذين لم يدينوا العنصرية إلا بعد أن أصبحت ظاهرة والجميع يتحدث عنها،" هكذا تقول تيانا، 27 عامًا، مغربية ذات أصل نيجيري، التي تعرضت للكثير من العنصرية خلال حياتها سواء في دول الخليج التي عاشت أغلب حياتها بها، أو حتى في لندن التي تُقيم بها حاليًا، كما أنها لم تسلم من عنصرية أقرب الناس لها: "طالما أنت أسود، فأنت ذو امتيازات أقل حتى داخل العائلة الواحدة."

إعلان

تيانا ليست الوحيدة التي تستهجن التضامن "الغير صادق" مع السود في الولايات المتحدة، أيمن، 18 عامًا، من اليمن، يرى أن ما يحدث في الوطن العربي هو مجرد "تضامن صوري": "أنه أمر في غاية النفاق. العالم العربي فيه الكثير من العنصري والتنمر بسبب لون البشرة. في اليمن، بشكل عام، يتم معاملة السود بطريقة سيئة ويتم نبذهم اجتماعيًا، فلا يحصلون على فرص عمل جيدة أو تعليم منصف فقط بسبب لونهم. لن أنسى أبدًا التنمر الذي تعرضت له طوال حياتي بسبب بشرتي، كان الأطفال ينفرون مني كلما حاولت اللعب معهم، والبعض كان يناديني "يا خادم." أما الموقف الأكثر سوءًا بالنسبة لي، حين كنت في المدرسة في السعودية، لأني عشت هناك لبعض الوقت، أذكر أنه في واحدة من الحصص، كان المعلم يشرح درس عن العبودية ثم أشار إلي كمثال، ومن يومها وكل المدرسة تدعوني بالعبد."

شهد، 18 عامًا، من السعودية، توافق على وجود العنصرية بكل التعاملات اليومية على الرغم من أن البعض لا يعترف بذلك، وتقول: "إذا قلت أن كل العرب منافقين سأكون ظالمة، ولكن الأغلبية فعلًا منافقة، إذ كيف يدينون مقتل جورج فلويد في حين يلقبون الآسيويين في السعودية بـ "عمال ماك؟ (للتقليل من شأن العمال الأجانب في السعودية، لأن كثيرين منهم يعملون في ماكدونالدز). أو حين يرون أي شخص أسود يلقبونه بالعبد."

سَمر (اسم مستعار)، 38 عامًا، مصرية نوبية ترى أن المظاهرات الأمريكية وحركة Black Lives Matter كشفت "أننا ندعي المثالية ليس إلا" وتضيف: "لقد عشت حياتي في معاناة دائمة بسبب لون بشرتي وملامحي الأفريقية. في واحدة من المواقف مثلاً، تقدمت للعمل في شركة دولية، وكانت الشركة متحمسة جدًا للعمل معي، لكن بعدما قابلوني، لم تكمل المقابلة خمسة دقائق، وسمعت من بعيد من مدير العمل يقول للموظف الذي وافق على تقديمي "أنت عارف إني مبحبش الغوامق." ولن أنسى أيضًا تلك المرة التي تعاملت مع زوجة بواب عمارتي، وأخبرتني أنها لأول مرة تعرف أن هنالك "عبيد أغنياء.""

"كثير من النوبيين يتم التعامل معهم بدونية بسبب بشرتهم السوداء وعملهم في أعمال بسيطة مثل أن يكونوا "بوابين" أو "سُفرجية" وغيرها من المهن، فحين أدخل نقاشًا مع أحدهم ويحدث خلاف بيننا يعايرني بأصلي، ويخبروني بأنه لا يجب أن أتعامل معهم بندية لأنني نوبية"

في 25 مايو قُتل المواطن الأمريكي "جورج فلويد" خنقاً على يد أحد ضباط الشرطة الأمريكية، مما أثار الغضب العام في الولايات المتحدة الأمريكية، وخرجت الجموع لتعترض على العنصرية والمعاملة السيئة التي يواجهها السود في المجتمع الأمريكي طوال العقود الماضية والتي لم تنتهي إلى يومنا هذا. أثارت هذه الاحتجاجات موجة غضب عارمة تجاه معاملة السود في كل مكان، وتمكنت من لفت الأنظار إلى ما يعانيه ذوى البشرة السوداء في الكثير من البلدان حول العالم، كما أثارت هذه المظاهرات حديث العرب حول العنصرية في الولايات المتحدة والعالم العربي، فخرج العديد من العرب المتضامنين مع القضية ليقولوا أنه لا توجد عنصرية في بلادنا وأننا أكثر تسامحًا. فيما اعتبر آخرون أننا في الوقع مجتمعات موغلة في العنصرية ليس فقط تجاه البشرة السوداء والسمراء بل تجاه الكثيرين، فالعنصرية موجودة ضد الأديان المختلفة والجنسيات بل وبعض المهن أيضًا.

العنصرية أو التمييز العرقي تعني :الاعتقاد بأن هناك فروقا وعناصر موروثة بطبائع الناس و/أو قدراتهم بسبب انتمائهم لجماعة أو لعرق ما– بغض النظر عن كيفية تعريف مفهوم العرق– وبالتالي تبرير معاملة الأفراد المنتمين لهذه الجماعة بشكل مختلف اجتماعيًا وقانونيًا. وهي كل شعور بالتفوق أو سلوك او سياسة تقوم على الإقصاء والتهميش والتمييز بين البشر على أساس اللون أو الانتماء القومي أو العرقي. وهناك علاقة مباشرة بين الاستعمار والعنصرية، حيث يحمل الاستعمار يحمل في ممارساته الطابع العنصري التمييزي لصالح عرق أو قومية، فقد قامت الدول الاستعمارية بتقسيم سكان البلدان التي احتلتها على أساس عرقي وفرضت أشكال التعالي على الغير، عن طريق تضخيم ميزات الجماعة وخصائصها في مقابل التأكيد على دونية الآخرين.

من هذا المنطلق، أصبح كثير من العرب يرون أنفسهم بيض البشرة أو يعلون من قيمة لون بشرة على آخر، كمحاولة للتشبه بمن هم أعلى مرتبة منهم - بمن استعمرهم. مثلاً في مصر، هناك تمييز واضح ضد النوبيين، مع أن المصريين بالأصل ليسوا بيض البشرة، كما تشير فاطمة، 38 عامًا، مصرية نوبية. تتحدث فاطمة عن معاناتها بسبب بشرتها في المجتمع المصري؛ إذ أن أغلبية من يتعاملون معها يتفاجئون في كل مرة بأنها مصرية: "في المصالح الحكومية يعاملونني بدونية وأنني أقل درجة من باقي المصريين بسبب لون بشرتي. وفي كل مرة يجب أن أسمع تعليقاً مستهجناً "أنت مصرية" وكأنه لا يوجد إلا البيض فقط بين المصريين."

أريد أن أنبه إلى أن هذه المظاهرات ليست فقط حول إعطاء السود حقوقهم، بل لإعطاء الأقليات الأخرى أيضًا فرصة للعيش هناك بأمان، لذلك العرب مدينون لهم بالكثير في المقابل. نحن جميعًا نقاتل ضد نفس النظام الغير عادل

لا شك أن العنصرية بأشكالها المتنوعة موجودة في الكثير من دول العالم، إلا أن المظاهرات الأمريكية تمكنت من تسليط الضوء وطرح القضية ليتحدث عنها الجميع ويشارك المئات من العرب السود قصصهم مع العنصرية، تضيف فاطمة: "كثير من النوبيين يتم التعامل معهم بدونية بسبب بشرتهم السوداء وعملهم في أعمال بسيطة مثل أن يكونوا "بوابين" أو "سُفرجية" وغيرها من المهن، فحين أدخل نقاشًا مع أحدهم ويحدث خلاف بيننا يعايرني بأصلي، ويخبروني بأنه لا يجب أن أتعامل معهم بندية لأنني نوبية."

ورغم أنه يوجد اتفاقية دولية من الأمم المتحدة لحقوق الإنسان وللقضاء على جميع التمييز العنصري وقعت عليها بعض الدول العربية، لكنها لم تصدق عليها. العنصرية منتشرة في العالم العربي بأشكالها المتعددة سواء فردياً أو هيكلياً، فبالإضافة إلى العنصرية على أساس اللون، هناك عنصرية ضد الوافدين في دول الخليج، وعنصرية تجاه اللاجئين الأفارقة في مصر ودول المغرب العربي وتمييز ضد العاملات المنزليات في لبنان وغيرها. على الرغم من عدم "مثالية" التضامن، يؤكد الشباب الذين تحدثت إليهم أن لهذه المظاهرات تأثير حتى ولو كان بسيطاً على العالم العربي: "أنها فرصة لطرح القضية للنقاش، وهذا أمر مهم وإيجابي، حتى لو لم يعد علينا بنتائج مباشرة. لقد عشنا لسنوات في عنصرية واضطهاد ولم نر أي شخص يستنكر ذلك بشكل صريح أو حتى يطرح القضية للنقاش، من الجيد أن يتم الحديث عن ذلك أخيراً،" تقول فاطمة.

أما تيانا، فترى أن هذه المظاهرات في حال حققت مطالبها، فإنها ستغير العالم بأكمله وليس أمريكا فقط: "هذه المظاهرات كشفت كم التناقض الموجود فينا، وهذا يعني أن هناك ضرورة للقيام بالتغيير. أريد أن أنبه أن أن أقول أن النشطاء قادوا الحركة ليس فقط لإعطاء السود حقوقهم، بل لإعطاء الأقليات الأخرى أيضًا فرصة للعيش هناك بأمان، لذلك العرب مدينون لهم بالكثير في المقابل. نحن جميعًا نقاتل ضد نفس النظام الغير عادل، وكل ما أريده هو التعاطف مع الألم والغضب الذي نشعر به معهم، بدلاً من الإشارة إلى الاختلافات التي بيننا."