ثورة

"الشباب لن يكل همه" المحتجون العراقيون في جُمعة غضب جديدة

نحن نخرج من أجل الحصول على حياة كريمة، ولم نخرج حتى نموت، وعلى رئيس الوزراء أن يوعز لقواته التوقف عن ضرب المُحتجين وتصويب بنادقهم باتجاهنا

إعداد مصطفى سعدون; تصوير حسين الوردي
2019 10 25, 2:20pm

"نحن في ساحة التحرير منذ مساء الأمس، جئنا للمُطالبة بحقوقنا، بفرص العمل، بالحياة الكريمة، بإنهاء المحسوبية، بالتخلص من الطبقة السياسية الفاسدة، وليس لدينا أي سلاح غير صوتنا، لكن هذا ما يُخيفهم،" يقول أحمد وليد، 24 عاماً، عامل في مصنع أصباغ وأحد المُتظاهرين في ساحة التحرير في العاصمة العراقية بغداد.

وليد هو واحد من آلاف العراقيين الذين توافدوا للساحة الشهيرة مساء يوم الخميس استعداداً للمشاركة في التظاهرة الكبرى التي ستشهدها كافة مدن العراق اليوم. المئات من العراقيين من مختلف الأعمار انضموا لهذه المظاهرات المستمرة منذ مطلع الشهر الجاري، للمطالبة بحياة أفضل، وبحكومة تمثل آمالهم.

"كُنا نتوقع العُنف ونتوقع أن نتعرض للخطر، لكننا نعرف أيضاً بأن من يُريد حياة كريمة عليه أن يرفع صوته ويحتج على الخراب الذي يعيشه، ولولا سكوت الأجيال التي سبقتنا لما وصلنا لهذا الحال،" يضيف وليد والذي يتحدث فيما يُسمع بالخلف صوت النشيد الوطني العراقي موطني الذي كان يُبث من أصوات سماعات في الساحة.

في الساعة الثامنة تقريباً من صباح اليوم الجمعة، في الوقت الذي بدأ المئات من العراقيين يتوافدون إلى ساحة التحرير، كثفت قوات الأمن وجودها هُناك، ومنعت المتظاهرين من عبور جسر الجمهورية والوصول إلى مُحيط المنطقة الخضراء، التي تضم مقار حكومية وبعثات دبلوماسية. قوات الأمن تصدت للمتظاهرين السلميين بإطلاق الغاز المُسيل للدموع والرصاص المطاطي، ما أدى لسقوط إثنين من المُتظاهرين قتلى، بينما جُرح 67 منهم وأصيب أكثر من 100 بالاختناق.

نُطالب بإستقالة الحكومة فوراً، وإجراء إنتخابات مُبكرة تحت إشراف الأمم المتحدة. نحن جيل لن يعرف اليأس ولا يعرفه، وجيل لن يكل حتى تتحقق مطالبه

لم تكن التظاهرات في بغداد فحسب، بل إنضمت إليها البصرة وكربلاء والمثنى والديوانية وذي قار وميسان جنوب العراق، وهذه الأخيرة بدأت تتحول فيها التظاهرات إلى إعتصام بشكل تدريجي، فسُكان المُحافظة يُساعدون في توفير كل ما يحتاجه المُتظاهرون. يقول حسنين المنشد، 28 عاماً، وهو موظف في شركة نفطية حكومية بميسان لـ VICE عربية: " التظاهرات فيها مطالب كثيرة لا تُعد ولا تُحصى، ونحن ننتظرها منذ عام 2011 ونُطالب بحقوقنا الشرعية، لكن دون استجابة حتى اللحظة. الآن نُطالب بإستقالة الحكومة فوراً، وإجراء إنتخابات مُبكرة تحت إشراف الأمم المتحدة. نحن جيل لن يعرف اليأس ولا يعرفه، وجيل لن يكل حتى تتحقق مطالبه."

وقبل التظاهرات بساعات خرج رئيس الحكومة العراقية عادل عبد المهدي بخطاب للعراقيين، ووعدهم بإجراء مزيد من الإصلاحات بينها حصر السلاح بيد الدول وحل الفصائل المسلحة، وتوفير أفضل الخدمات وفرص العمل للمواطنين، وتقديم الفاسدين للقضاء، لكن هذا كله لم يمنع العراقيين من الاستمرار بالتظاهر والمطالبة بإسقاط النظام. وبحسب مصادر حكومية عراقية تحدثت لـ VICE عربية فإن "عبد المهدي يُحاول قدر الإمكان تجاوز اليوم الجُمعة وعبوره من دون كوارث، إلا أن مُحيطين به: "حذروه من تفاقم الاحتجاجات مساء الجُمعة وفي يومي السبت والأحد."

الخبير الأمني هشام الهاشمي يتوقع أن تستمر التظاهرات ولكنه يتأمل أن لا ترد الحكومة بالعنف على المتظاهرين، حيث أدى استخدام قوات الأمن القوة ضد المحتجين، في بداية المظاهرات في أول أكتوبر لمقتل 149 محتجاً عراقياً ويضيف: "أتوقع ألا يتم تكرار سيناريو الرُعب الذي حدث في بداية أكتوبر، أتمنى أن تكون الحكومة قد أخذت درساً من ما حدث سابق، كما أنني أتوقع أن تقوم الأحزاب في السُلطة بدعم هذه التظاهرات."

وكانت مطالب المتظاهرين تتعلق في الأول من أكتوبر بضرورة إجراء إصلاحات ومحاسبة الفاسدين، لكنها اليوم ركزت على شيء آخر، وهو مُحاسبة قتلة المُتظاهرين، فعلى الرُغم من صدور تحقيق ألقى اللوم على بعض الضُباط، إلا أن العراقيين ومنظمات حقوقية من ضمنها المرصد العراقي لحقوق الإنسان قالوا إن "التقرير غيّب حقائق كثيرة." مثلاً غيب التحقيق الحديث عن القناص الذي قتل عشرات المُتظاهرين، ولم يُشر أيضاً إلى الجهة التي ينتمي إليها، وقال المرصد العراقي لحقوق الإنسان (منظمة غير حكومية) إن "التقرير الحكومي حاول امتصاص الغضب الشعبي على حساب أرواح الضحايا."

لا يبدو أن الحكومة قد تعلمت درسها حتى الآن، فأصوات قنابل الغاز المُسيل للدموع تُسمع من على مسافات بعيدة، وتسببت هذه القنابل بمقتل متظاهراً من إثنين عندما ضربته في رأسه. ولا يبدو أيضاً أن المتظاهرين سيتنازلون عن أي من مطالبهم في حياة كريمة في بلد يعتبر من أكبر مصدري النفط في العالم. على مستوى الحياة في العاصمة بغداد تحديداً، فقد قام السكان بتجميع ما يحتاجونه من مؤن غذائية، وكانت الأسواق مُكتظة بالناس حتى مساء أمس الخميس، حتى المصارف وأماكن الصرف الآلي ATM شهدت توافداً كبيراً من الناس الذين أودعوا أموالهم في المصارف.

نحن الآن نعيش تراكمات سكوت وصمت آباؤنا وأجدادنا، وحتى يعيش أبناؤنا حياة كريمة، فإننا سنتظاهر، وسنستمر بالتظاهرات حتى نصل إلى نتيجة مع هذه الطبقة السياسية

"نحن الآن نعيش تراكمات سكوت وصمت آباؤنا وأجدادنا، وحتى يعيش أبناؤنا حياة كريمة، فإننا سنتظاهر، وسنستمر بالتظاهرات حتى نصل إلى نتيجة مع هذه الطبقة السياسية،" يقول إبراهيم كريم، 33 عاماً، الذي يشارك في الإحتجاج بساحة التحرير في بغداد، ويضيف: "نحن نخرج من أجل الحصول على حياة كريمة، ولم نخرج حتى نموت، وعلى رئيس الوزراء أن يوعز لقواته التوقف عن ضرب المُحتجين والابتعاد عن استخدام العُنف وتصويب بنادقهم باتجاهنا. الحياة الكريمة التي نبحث عنها، هي حياة كريمة لكل العراقيين، وليس فقط للذين تظاهروا في ساحة التحرير أو المحافظات الأخرى."

ولأول مرة منذ انطلاق الاحتجاجات هذا الشهر، انضمت للمُتظاهرين مجموعة من الفنانين العراقيين ومنهم سناء عبد الرحمن وزوجها الفنان جلال كامل، وقالت عبد الرحمن في مقطع فيديو عن سبب مشاركتها: "زيارتي للمتظاهرين في ساحة التحرير لم تكن منة عليهم لأن سعادتي من سعادتهم وحزني من حزنهم. هذا أقل ما يمكن أن أقدمه لهؤلاء الشباب الذين أعادوا لنا الكرامة والشهامة والوطن وهم تاج فوق رؤوسنا نتزين به."

ومن المتوقع أن يزداد زخم التظاهرات خلال الساعات المُقبلة واليومين المُقبلين، رغم أن الوعود الحكومية مازالت تتحدث عن الإصلاحات وتقديم "الفاسدين" للقضاء، إلا أن كل ذلك لم يحصل، حتى أن الحكومة لم تُقدم استقالتها رغم كل ما يحدث.