إعلان
سوشيال ميديا

هل حقًا أصبحت "مملكة الجبل الأصفر" دولة ذات سيادة بين مصر والسودان؟

ليست المرة الأولى، فقد شهدت منطقة "بئر الطويل" محاولات إنشاء 3 ثلاث ممالك خلال 5 سنوات

إعداد آلاء عثمان
2019 09 09, 9:27am

مملكة الجبل الأصفر محددة باللون الأحمر أسفل منتصف الصورة

قد تتمنى في ظل ضغوط العمل والمتطلبات العائلية القليل من العزلة والراحة، وهو ما لن تجده في غرفتك الموصدة أو جولات السيارة غير المبررة في شوارع المدينة المكتظة دون وجهة، فيقودك الخيال إلى جزيرة منعزلة أو ربما منطقة نائية في الصحراء، تمنحك الهدوء والسكينة وتمنحها اسم رسمي وعلمًا جاعلًا منها مملكتك الخاصة بعيدًا عن تعقيدات الحياة في بلادك وما هو مُلقى على عاتقك من مسؤوليات، ولا بأس في هذه الحالة من جعل مظلة الشمس أو شراب البيناكولادا شعارًا لدولتك الناشئة.. إليك المفاجأة إذن، أحدهم سبقك إلى هناك بالفعل.. تحديدًا في منطقة بئر طويل الحدودية الصحراوية جنوب جمهورية مصر العربية شمال جمهورية السودان، تلك البقعة القاحلة الشهيرة؛ إذ صدر على موقع تويتر يوم الخامس من سبتمبر الجاري بيان يُعلن قيام مملكة الجبل الأصفر بالمنطقة "بشكل رسمي".

اندهشت؟ رائع.. دعنا نعود إلى الوراء قليلًا؛ وتحديدًا إلى السادس من شهر يونيو عام 2014، حيث توجه الأمريكي جيرميا هيتون للمنطقة ذاتها، بصحبته علم مطبوع على نسيج أزرق يضم تاج وثلاث نجوم لامعة، ليعلن قيام "مملكة شمال السودان" بناء على رغبة ابنته البالغة من العمر 7 سنوات.. وفقًا لتقرير أعدته صحيفة واشنطن بوست في يوليو من العام ذاته، بدأ الأمر عندما أعربت الصغيرة عن رغبتها في أن تُصبح أميرة حقيقية، فهل يُحطم الوالد قلب الصغيرة ؟.. لا، بل توجه إلى لوحة مفاتيح حاسوبه بحثًا عن الأراضي غير المُعلن تبعيتها لدول معينة حول العالم.. اهتدى وقتها ابن ولاية فيرجينيا الأمريكية إلى بئر طويل وقرر إعلان سيادته عليها، لسوء الحظ لم يتمكن من نقلها لباحته الخلفية!

وفقًا للتقرير ذاته، يعتبر هيتون إعلانه السيادة على بئر طويل - البالغ مساحتها 800 ميل مربع- بغرس العلم، أمر مشابه لإعلان السيادة على دول عدة تاريخيًا فيما يعتبر أن الحالات الأخرى ومن ضمنها إعلان السيادة على ما أصبح لاحقًا الولايات المتحدة، كانت تتضمن أعمال حرب بينما عمله في بئر طويل تعبير عن الحب.. بالمناسبة، خاطب هيتون - الأب لثلاث أطفال والذي يعمل بالتعدين- ولاية فيرجينيا "بالحب" سابقًا عام 2012 وفقًا للتقرير، إذ ترشح لعضوية الكونجرس عن المنطقة 9 إلا أنه خسر السباق.

قفزة أخرى؟ هيا بنا.. إلى عام 2017 لنتعرف على سوياشي ديكسيت، وهو شاب هندي اصطحب سارية ونسيج بلوني الأحمر والأصفر وبعض النقوش و تفوق على السيرة الذاتية لأي شاب آخر حول العالم بوضع "تأسيس دولة" بين قائمة مهاراته، مملكة للدقة، مملكة "ديكسيت"، لمؤسسها سوياشي الأول، الذي نشر بيان تأسيسها على موقع فيسيوك، قائلًا :" أتعهد بمواصلة العمل لرخاء شعب البلاد وهذا الوطن".

كلاكيت ثالث مرة.. أُسس حساب مملكة الجبل الأصفر باللغة الإنجليزية على موقع تويتر في أغسطس الجاري، وتحظى بمتابعة 486 شخصًا، أما الحساب باللغة العربية فأُسس في يوليو ويمتلك 3125 متابعًا، ووفقًا للحساب، يظهر علم المملكة الوليدة من نسيج أخضر تتوسطه نخلة تعلوها عبارة "بسم الله الرحمن الرحيم"، الافتتاحية القرآنية في الإسلام، وتُسمي الصفحة رئيس لمجلس وزراء المملكة تُدعى د. نادرة ناصيف، وهي التي ظهرت في فيديو إعلان قيام الدولة (المملكة)، دون إشارة إلى اسم الملك.

بالبحث عن اسم نادرة نصيف، وجدنا تصريحات إلى بعض الصحف العربية من سيدة تُدعى نادرة ناصيف بوصفها خبيرة في مجال التعليم، أمريكية من أصل لبناني (تتقن الإنجليزية والفرنسية) كما فضلت إحدى الصحف أن توضح، في تقريران مختلفان نشر أحدهما في مايو 2017 لصحيفة سعودية وآخر في نوفمبر من العام ذاته لصحيفة إماراتية، بيد أنه لا يمكننا التأكد إن كانت هي الشخص ذاته أم أنه مجرد تشابه أسماء.

لا يمكن الجزم كذلك بأن أحدهم تقدم بالفعل للحصول على جنسية " مملكة الجبل الأصفر".. لكن من يحتاج شعب عندما يمكن تكوين مجلس وزراء! فهناك د. رأفت البابي وزير الخارجية، و د.عبدالمنان بن إسحاق السبحاني وزير الشؤون الإسلامية (لم يفلح جوجل في تعقب أسماءهم) وكذلك د. محمد السبيعي، وزير الداخلية الذي بالبحث عنه وجدنا نتائج متباينة بين أطباء وأساتذة جامعة ومسؤولين بالمملكة العربية السعودية.

إلا أن المثير للاهتمام هو عدم تعرض الحساب لهوية ملك المملكة؛ فالحساب نشط للغاية، يهنئ الدول المجاورة بالأعياد الوطنية يقدم التعازي لدى وفاة الأمراء أو الشخصيات العامة، بل ويدين "الاعتداءات الوحشية على المصلين العزل في القدس الفلسطينية"، ويعرب كذلك عن قلقه تجاه "الأحداث الراهنة في هونج كونج".. رغم ذلك لا توجد أي تفاصيل عن شعب المملكة؛ فهل يمكن أن تقام دولة قوامها نسيج قماشي وحكومة افتراضية؟.. اسألوا أهل الذكر أو ربما أساتذة القانون الدولي، وفي حالتي سألت الدكتور أيمن سلامة، أستاذ القانون الدولي بجامعة القاهرة المصرية، الذي حدد لي أركان قيام أي دولة في العالم بترتيبها ذو الدلالة.. إقليم، شعب، حكومة، ثم اعتراف من الجماعة الدولية.

وقرأ سلامة عليّ عبر الهاتف بعض الأجزاء من اتفاقية تعيين الحدود بين مصر والسودان لعام 1899، ليشير من خلالها أن الحدود المصرية عُينت لدى دائرة عرض 22 بخط مُستقيم لا منكسر ولا متعرج ولا متقطع حتى ميناء عيذاب على البحر الأحمر، ما يعني أن منطقة "بئر طويل" تابعة لإقليم السودان، الذي لم تعلن حكومته وفقًا لسلامة - حتى اللحظة - التنازل عنه لمصر أو أي دولة أخرى.

1568022118268-Screen-Shot-2019-09-09-at-14105-PM
الخط الحدودي الفاصل بين مصر والسودان عبر خرائط جوجل

اسأل الدكتور سلامة عن كيفية اكتساب الدول للأقاليم الجديدة، فيجيبني بتفصيل أكاديمي شارحًا 4 حالات.. يأتي في مقدمتها الاستيلاء، ويعني إدخال الدولة لإقليم جديد في حيازتها بنية فرض سيطرتها عليه، وتعود أصول حالة الاستيلاء للقرنين الـ 15 و 16 ميلاديًا إبان ازدهار دولتي البرتغال وإسبانيا، إذ كانت الدول تضع يدها بقوة السلاح على أقاليم لا سيد/ مالك لها، وانتهى نمط الاكتساب ذاك بحلو القرن الـ20 حيث لم تعد هناك أقاليم أو جزر أو أرخبيلات لا مالك له - سوى لدى القطبين - أرخبيل تعني مجموعة جزر متقاربة بالمناسبة.

الإضافة هى الحالة الثانية وتكتسب فيها الدول السيادة على ملحقاتها الطبيعية بمجرد نشوئها دون الحاجة لإعلان أو إجراء خاص كالجزر والدلتا والشواطئ الواقعة داخل الحدود الإقليمية، أما الحالة الثالثة فهى التنازل، ويعني تخلي دولة لدولة أخرى عن جزء من إقليمها باتفاق في شكل معاهدة أو بالبيع أو المبادلة أو بدون مقابل، بينما الحالة الأخيرة تُسمى بالفتح وهى طريقة تاريخية تتضمن استيلاء دولة عنوة على إقليم أو جزء تابع لدولة أخرى عن طريق القتال.

ترجمة ؟ بالتأكيد، يشرح سلامة باختصار أن منطقة بئر طويل لطالما عُرفت كمنطقة جرداء مقفرة عديمة الموارد، وبلغة القانون حسبما يصف، يعتبر تدشين "مملكة الجبل الأصفر" بمثابة احتلال سلمي. ويقدر سلامة أن عدم تحرك السودان لمواجهة وطرد إيًا من تقدم واحتل المنطقة يعد بمثابة محاولة منه لمبادلة مصر بئر طويل مقابل مثلث حلايب وشلاتين وأبو رماد، إلا أنه يؤكد بهدوء وحزم في الهاتف مع التشديد على مخارج الأحرف: "مصر لم ولن تقبل بمبادلة أو التنازل عن حبة تراب من إقليمها".

هااااااه، مازلت تنشد العزلة، ربما عليك التأقلم مع جدران غرفتك في الوقت الحالي، أو ربما مازال لديك لوحة مفاتيح!