مرأة

نظرة، لمسة، نكتة... كله تحرش

لو ألقيت عليه تحية الصباح ينظر لصدري أولًا قبل أن يقرر الإجابة
16.9.18

يبدو أنه موسم حوادث التحرش الجنسي في العمل، فخلال شهر واحد وجهت الشابة المصرية داليا الفغال اتهامًا للإعلامي المصري الشهير يسري فودة بالتحرش الجنسي خلال فترة انتقاله للعمل في ألمانيا في قناة "دويتشه فيله"، بينما تقدمت الصحفية مي الشامي بشكوى ضد رئيس تحرير جريدة "اليوم السابع" دندراوي الهواري، بسبب تحرشه بها جنسيًّا باللفظ والملامسة. يأتي هذا بعد شهور من تداول بريدٍ إلكتروني من فتاة تعرضت للاغتصاب على يد أحد الحقوقيين المصريين بحزب (العيش والحرية)، ما أحدث فضيحة مدوية فتح إثرها الحزب تحقيقًا في الواقعة. تفتح هذه الوقائع الصندوق الأسود في حياة كل فتاة مصرية. مثل أي فتاة مصرية اختبرت بنفسي التحرش في أثناء ممارسة وظيفتي، ومن حكايات الصديقات، وقصص المستقلات اللاتي يقاتلن بشكلٍ مضاعف للنجاة في مجتمعٍ معادٍ للمرأة، تكونت لدي صورة شبه شاملة عن التحرش في أماكن العمل، وزملاء العمل المتحرشين وتكنيكاتهم. وللذين لديهم صورة محددة عن شكل التحرش، أقول لكم، نحن النساء (وغيرنا من الذين يتعرضون للتحرش) من نحدد ذلك، ونحن فقط. ولهذا إليكم كل ما يعتبر بنظري تحرشاً -في العمل وغيره.

أول القصيدة كفر: التحرش بالنظرات
لدى السادة المدافعين عن التحرش نظرية مضحكة تقول: "ما دام لم يلمسك أو يوجه لكِ كلمة خارجة فالأمر ليس تحرشًا." الحقيقة أن التحرش يبدأ أحيانًا بالنظر، نظرات طويلة متعقبة متفحصة تحيل حياة المرأة العاملة إلى جحيم من التوتر والضغط العصبي. المدير أو الموظف المتحرش بالنظرات يتعمد تفحص موظفاته باستمرار كأنه يقيم أجسادهن، ربما لو ألقيت عليه تحية الصباح لنظر لصدري أولًا قبل أن يقرر الإجابة، وفي أثناء الحديث معه لن تثبت عيناه على وجهي بل تركزان مع شفاهنا، ثم تنحدران لتتفحصا أجسادنا، ولو مرت زميلة أخرى بالمكان سينظر إليها أيضًا، يتأمل مناطقها الخاصة وشفتاه توشكان على السقوط لأسفل، وفي عينيه جحوظ مقرف. هذه النظرات المتحرشة أسوأ من ألف كلمة، إنها مصدر دائم للشعور بالانتهاك وكأنه يعرينا من ملابسنا، ولا أتخيل كيف يعتقد شخص أن التحديق المستمر في جسده وأعضائه الجنسية بهذا الشكل شيء يمكن التغاضي عنه لأنه لم يرتق للمستوى الثاني.

المستوى الثاني: التسلل باللمسات "البريئة"
في المستوى الثاني من التحرش يتعمد المدير -أو الزميل- لمسنا بشكلٍ بريء ظاهريًّا، مثل الإمساك بأصابعنا عند تناول ورقة، أو التظاهر بالود والصداقة ليربت على ظهرنا أو كتفنا، أو يقف على مسافة صغيرة جدًّا ونحن نريه شيئًا على شاشة الكمبيوتر ويده تحيط بكتف المقعد. في كل مرة نتعرض لهذه المواقف يجد المدير المتحرش مبررًا سخيفًا يلقيه بنبرة جزع: "غصب عني - لم أقصد - أنتِ مثل ابنتي ولا أقصد شرًّا.. إلخ." بهذه العبارات يحاول امتصاص غضبنا، وقياس مدى سذاجتنا أو تسامحنا مع الانتهاك. إذا اقتصر رد فعلنا على نظرة غاضبة ثم الصمت فبالتأكيد ستكون هذه إشارة البداية لمستويات أعنف من التحرش باللمس والمحاصرة في المكتب، وليس من المستبعد تطوره إلى اغتصاب بحجة أننا لم نعترض منذ البداية. لهذا لو حاول مدير ما التجاوز معي بأقل حركة، يكون رد فعلي شديد العنف، وأهدده بشكل واضح أنه لو فكر في تكرار هذا ستكون العواقب أسوأ من أسوأ كوابيسه.

التحدث عن الجنس أمامنا وفتح مواضيع لا تمت للعمل بالصلة نوع من التحرش الهادف لاختبار ما إذا كنا نوافق على علاقات جنسية مع الآخرين وهو تحرش

التكنيك المفضل للحمقى: نكات وألفاظ بذيئة
المتحرش شخص فاشل اجتماعيًّا وعاطفيًّا لدرجة لا تمكنه من التعامل الطبيعي مع النساء، وامتدادًا لهذا الفشل فهو يستعمل وسائل متخلفة للفت انتباهنا، وترك انطباع بأنه الخبير الرائع في فنون الحب والجنس. من تلك الوسائل المتخلفة استعمال ألفاظ بذيئة والتحدث عن أمور غير لائقة في أثناء العمل. منذ أسابيع حكت لي صديقة حادثة مقززة عن زميلين في العمل جلسا قربها يتحدثان عن فيلم إباحي، ويسردان تفاصيل ما رأيا وطموحاتهما لتطبيقه وهما يختلسان النظر لها ويبتسمان. ترددت صديقتي في اتخاذ رد فعلٍ لدقيقة، لكن الغضب أفقدها أعصابها فصرخت وأحدثت لهما فضيحة مدوية في الشركة. الغريب أن المتحرشين هاجماها بعبارة: "وإنتي إزاي عارفة إن الكلام ده عيب عشان تتضايقي!" والأغرب أن هذه العبارة بدت منطقية للزملاء الآخرين. هذا المنطق المنحط هو ما يجعل كثير من السيدات يترددن في التصدي للتحرش الناعم المراوغ، لأن الكلمات والتلميحات والنظرات ليست أدلة مادية ترصدها الكاميرا، لهذا نكون مجبرات على تجاهلها لأننا لو تكلمنا سنُتهم بالجنون والهستيريا، أو بقذارة التفكير ومن ثمَّ الطعن في شرفنا. التحدث عن الجنس أمامنا وفتح مواضيع لا تمت للعمل بالصلة نوع من التحرش الهادف لاختبار ما إذا كنا نوافق على علاقات جنسية مع الآخرين، وهو تحرش ومثل أي تحرش فالردع الوحيد له هو العنف والفضيحة، دفاعًا عن أنفسنا الآن ومستقبلًا ضد أي وغد يفكر في ترصدنا.

المعجب الولهان شديد الإلحاح
هناك نوع من التحرش في العمل لا يبدو كذلك ظاهريًّا، والسبب أن المدير أو الموظف المتحرش معجب بموظفته ويريد الارتباط بها رغم رفضها، وبدلًا من تلقي الرفض بتهذيب ونضج، تتحول تلك الموظفة إلى فريسة يجب أن يقتنصها بأي ثمن، وتبدأ المطاردة الطويلة بالمشاعر، ومناقشتها في أسباب رفضها، وتضييق الخناق عليها لتستسلم، ثم تعمد معاملتها بطريقة سيئة خصوصًا لو كان أحد الزملاء يلاطفها، وأخيرًا: مساومتها على مستحقاتها المالية وامتيازاتها الوظيفية، فنجده يخصم من مرتبها لأتفه الأسباب، يكلفها بالعمل في الإجازات، ويدفعها للاستقالة بكل السبل، فإذا انسحبت من اللعبة كان هذا مبررًا لعدم دفع راتبها أو تأخيره لشهور.

إعلان

"لا تضعي نفسك أبدًا تحت إمرة رجل رفضتِ مشاعره" هكذا أنصح أي صديقة تستشيرني في تلك القضية، ورغم أن هذا يبدو تعنتًا، فإن رصيد التجارب السيئة التي نعيشها يوميًّا يجعلنا نفترض السوء في الرجال قبل أن نفكر في شيء آخر. قبل أسابيع اشتعلت السوشيال ميديا في مصر بسبب هاشتاج "الدعوة غير المرحب بها تحرش" على خلفية حادثة تحرش التجمع، واتهمنا الرجال بالجنون لأنهم لم يستوعبوا قط أن إلحاحهم على شيء سبق ورفضاه يعتبر تحرشًا ومضايقة، وسلوكًا يسبب لنا الرعب. السبب أن كثيرين لا يفهمون أن "لا" تعني "لا" ويتخيلون أننا نرفض على سبيل الدلال و"يتمنعن وهن الراغبات" أو أننا نريد منهم التمادي لإثبات ولائهم.

ليفيل الوحش: فلنمارس الجنس الآن
هذا النوع من متحرشي العمل أشد غلظة وغباءً ووقاحة من الآخرين، إنه شخص يدرك مدى سلطته وسطوته ويدرك مدى احتياجنا للعمل، لهذا لا يضيع وقته في التسلل الناعم لأنه يفترض أن كل النساء عاهرات يقبلن بيع أنفسهن، وكل ما يفعله أن يساومنا على السعر المناسب. هذا هو المدير الذي يقدم لنا عروضًا جنسية صريحة مقابل أن نحصل على ترقية نستحقها، أو ليحل لنا مشكلة كبيرة تعترضنا في العمل مع زميل منافس مثلًا، أو ليرفع راتبنا ويمنحنا امتيازات لا نحلم بها.

هذا الوحش هو أسوأ صنف نقابله من المتحرشين، لأنه يجمع مساوئ كل من سبقوه، له إصرارهم المقرف، ونظرتهم الدونية لنا، وقدرتهم على عقابنا وسرقة مستحقاتنا، وتوقيع جزاء إداري فادح علينا، وفي حالات أسوأ يكون له نفوذ كبير يمنعنا من العمل في جهاتٍ أخرى بديلة، أو يطلق حولنا الشائعات، أو يتهمنا بسرقته مثلًا كنوع من التهديد لنستسلم لرغباته، أو كنوع من المساومة لنتنازل عن شكوانا ضده.

التحرش في العمل متنوع ومرعب، يأتي من أي شخصٍ في أي لحظة وبأي شكل، قد يحمينا منه التعامل الصارم، وردود الفعل الجنونية وإحداث الفضائح، لكن المهزلة ستظل مستمرة حتى تصبح لفظة "متحرش" وصمة تدمر مستقبل أي رجل، عندها سيكون الجميع خائفًا من التورط فيها، يهربون منها ويتنصلون من أي شخص تلاحقه، ويبدأ الرجال أنفسهم في استهداف أي متحرش لأن ضرره عليهم أكبر من ضرره على النساء. على أمل.