download (4)
جانب من حفل الافتتاح - جميع الصور من الموقع الرسمي للأوليمبياد الخاص- أبوظبي 2019
رياضة

هذا ما تعلمته من مشاركتي كمتطوعة في الأولمبياد الخاص في أبوظبي

شارك في الحدث أكثر من 7 آلاف لاعب ولاعبة يمثلون أكثر من 190 دولة
21.3.19

لم أكن أتوقع أن أحظى بذلك القدر الوافر من السعادة الممزوجة بالانبهار والتأمل يومًا ما، خليط غريب من المشاعر المتناقضة لم اختبره قبل ذلك. هذا ما شعرت به كإحدى متطوعات الأولمبياد الخاص للألعاب العالمية - أبوظبي 2019. دخلت عالم التطوع منذ زمن طويل، تحديداً عندما كنت في الصف الثانوي، كنا نقوم بالعديد من الأنشطة التطوعية بتنظيم من المدرسة ودعم من معلماتي وأسرتي، كبرت وزاد شغفي وحبي للتطوع، سافرت لمصر وانضممت لعدد من المؤسسات التطوعية الخيرية غير الربحية، التي كانت تقدم المساعدات المختلفة للمحتاجين، عُدت للإمارات وانشغلت بدراستي بضع سنين، واشتقت للعودة للعمل التطوعي، فوجدت منصة متطوعي الإمارات والتي انضممت إليها عام 2014، تحتوي المنصة على عدد مختلف من الفرق التطوعية منها فريق ساند، وفريق تكاتف، وفريق مارشال الإمارات، وتضم ما يقرب من 400 ألف متطوع وأكثر من 400 مؤسسة داعمة مختلفة.

إعلان

اختلفت الأحداث التي شاركت فيها من دورات تدريبية وتنظيم ودعم لأحداث محلية وأيضا عالمية كان آخرها كأس الأمم الأسيوية 2019، دوري الرئيسي في المنصة وفي معظم الأحداث كان متطوع استجابة للطوارئ وذلك بحكم مهنتي كصيدلانية، ويمكن أن يختلف هذا الدور باختلاف الحدث والعدد أيضًا. مع كل حدث كنت أتعرف على أناس جدد من جنسيات وثقافات وأعمار مختلفة، اجتمعوا فقط على حب الخير وروح العمل التطوعي. قبل حوالي ستة أشهر تلقيت إعلانًا عن الأولمبياد الخاص وعلى الفور قمت بالتسجيل، فأنا على دراية بهذا الحدث العالمي من متابعتي السابقة له والذي يقام كل سنتين كحدث رئيسي للألعاب الخاصة، بمشاركة رياضيين من أصحاب الإعاقات الحركية أو الذهنية بالإضافة إلى متطوعين كشريك موحد (Unified Partner).

تخيل أن تعيش لأكثر من أسبوع وسط قرابة 20 ألف متطوع كل يقوم بدور مختلف لخدمة 7،500 رياضياً اجتمعوا من أكثر من 190 دولة ليشاركوا فيما يزيد عن 20 رياضية أوليمبية

منذ أن تسلمت دولة الإمارات العربية المتحدة - التي أقيم على أرضها - شعلة الأولمبياد في 2017 من دولة أستراليا، وأنا أحلم بأن أكون جزءًا من هذا الحدث الذي يقام للمرة الأولى في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا منذ أن تأسست حركة الأولمبياد الخاص قبل أكثر من 50 عاماً، بكل تأكيد المتعة التي تعيشها حين تكون ذا فعالية في حدث ما تختلف تماماً عن معايشة هذا الحدث خلف شاشة التلفاز، وقد حدث ما تمنيت وأكثر. لم أصدق نفسي حين تسلمت بريدًا إليكترونيًا يؤكد أنه تم قبولي كمتطوع في قسم الرياضيين الأصحاء - مهمة علاج الأقدام، أكملت الأوراق والدورات المطلوبة بنجاح وحماس شديد، كنت أشعر أن هذا الحدث سيكون مختلفاً تماماً في كل شيء، وبالفعل وجدته مختلفاً، وجدته رائعاً بكل تفاصيله وأكثر بكثير مما كنت أتصور.

توالت الأيام واقترب الموعد وزاد الشغف والحماس، تخيل أن تعيش لأكثر من أسبوع وسط قرابة 20 ألف متطوع من مختلف الأعمار والتخصصات والبلدان، بعضهم حضر خصيصًا من دول أخرى فقط لفترة الحدث، كل يقوم بدور مختلف من تنظيم ودعم وفحص ورعاية وتوجيه وإرشاد، بجانب أدوار أخرى تشكل الدرع الأساسي الداعم لخدمة 7،500 رياضياً اجتمعوا من أكثر من 190 دولة ليشاركوا فيما يزيد عن 20 رياضية أوليمبية.

1553083040550-download-3

مشاركون من جنسيات مختلفة

أن تقترب من أشخاص ربما يكونوا مميزين عنك أولاً بظروف إعاقتهم الخاصة التي لادخل لهم فيها، وثانياً بتفوقهم وتميزهم وتحديهم لكل شيء حتى وصلوا إلى أكبر حدث رياضي وإنساني في العالم. وصلت للعاصمة الإماراتية أبوظبي وبدأت رحلتي بحفل الافتتاح الرائع جداً بكل تفاصيله، واختتمت اليوم بطاقة حماسية هائلة أودعتها ذاتي للغد وكلي شوق كبير أن تشرق شمس الصباح سريعًا. في اليوم التالي - رغم أنني حظيت بالكاد بساعتين من النوم، إلا أنني استيقظت وكلي نشاط، أعددت نفسي للذهاب لأرض المعارض حيث يقام الحدث، وبدأ يومي بابتسامة جميلة وتحية حين التقيت أحد الرياضيين في مصعد الفندق، كانت ابتسامة كفيلة بأن تغمرني بالراحة والسلام والحب، واصلت السير حتى وجدت فريقاً كاملاً من سوريا غمرني ترحيبهم بالأمل والأمان، ورغم أنني لا أدري مَن مِن المفترض أن يحيي الآخر، فقد كنت أتوقع أن يكونوا متحفظين بعض الشيء أو خائفين من اقتراب الآخرين منهم، لكنهم كانوا سباقون في كل شيء.

ودعتهم وأكملت طريقي نحو المغامرة المرتقبة، إلى أرض المعارض أبوظبي، سجلت حضوري واستلمت تصريح الدخول والزي الخاص بفريقي التطوعي، كل شيء كان منظماً بدقة شديدة. تجولت في أرجاء القسم، استقبلني أحد الأطباء المتطوعين، رحب بي وشرح لي دوري بالتفصيل، وازداد حماسي أكثر وأكثر، تجربة جديدة علاقتها بتخصصي المهني ليست وثيقة، ولكنها مثيرة ومثمرة جداً.

إعلان

اقتربت الساعة العاشرة، بدأ الرياضيون في الدخول وتسجيل بياناتهم وبدأنا التعامل معهم بفحص أقدامهم وتقييم كل شيء فيها ووضع توصيات خاصة بالعلاج المقترح أو تحويلهم لطبيب مختص -إذا لزم الأمر- ، توالت الحالات في الدخول وتوالى حماسي في الزيادة، مع كل ابتسامة، مع كل تحية، مع كل تعارف جديد، حتى في بعض الأحيان كان يصعب التواصل معهم بسبب اللغة أو درجة الإعاقة، ولكن الإبتسامة قادرة على إيصال كل شيء دون حواجز. كم أشعر بالامتنان لمخترع الصور الفوتوغرافية، فقد أهدانا طريقة رائعة لتخليد الذكرى وإيقاف الزمن للحظة مليئة بالمشاعر والحب، كنا نتبادل الصور وشعارات الدول المختلفة، أمنيات بتحقيق الفوز ووداع مع أمل في لقاء قريب، هكذا استمر اليوم حتى انتهى ولكن حماسي لم ينتهي بعد بل ازداد واستمر.

1553085229892-download-2

في الأيام التالية قررت أن أحصل على مصادر أخرى للذكرى وقد كان، ازدادت الصور والهدايا المتبادلة وأضفت إليها حكايات، تعمقت قليلًا في التواصل معهم، تبادلنا قصصنا معاً، وكم شعرت بضألتي حينها إلى جانبهم، فكل منهم يحمل قصصاً مليئة بالدروس في الإرادة والعزيمة والتميز.
أذكر اوجدان السلمي ( 19 عاماً) التي حضرت لتمثل المملكة العربية السعودية في رياضة البوتشي. وجدان تعاني من متلازمة داون وتعاني أيضًا من السمنة المفرطة، تحدثت لي بكل ثبات وقوة رغم تلعثم الحروف ولكن الثقة التي كانت تتحدث بها عن نفسها وطموحاتها وامتنانها لأسرتها ومعلميها كانت أكبر بكثير لتتغلب على كل عجز. أخبرتني مدربتها الخاصة منى البيتي عن إرادة وجدان الكبيرة وكم تحدَّت هذا بنفسها وبدأت بالفعل العمل على إنقاص وزنها الزائد بمساعدة كل من حولها حتى تستطيع تحقيق أفضل النتائج في رياضتها المفضلة.

ذكرت البيتي أيضًا أن هذه أول مرة يكون فيها تمثيلاً نسائياً للملكة في بطولة عالمية كهذه، وإنه حدث غير مسبوق إن دل على شيء فإنما يدل على التطور الكبير والفرصة العظيمة التي بدأت المملكة منها للمرأة السعودية كممثلة عنها وبداية لبناء دورها وإبراز قدرتها على إثبات نفسها في جميع المجالات. انتهت فترة العمل الأولى وبدأت فترة الراحة الخاصة بالمتطوعين، فقرات عديدة من الترفيه والهدايا المقدمة من شركات مختلفة، موسيقى هادئة تملأ المكان ومشاهير يتجولون في الأرجاء، قابلت منهم الفنان المصري حسين فهمي مشاركاً في الأولمبياد كسفيراً دولياً. أكملت جولتي بحضور عدة مسابقات ككرة الطائرة وكرة السلة استمتعت كثيرا خلالها وقابلت بعدها لاعبات فريق الإمارات وشاركتهم إيضًا في إعداد فيديو ختمام البطولة وجلسنا بعدها نتبادل الحكايات والضحكات والدموع!

1553083102890-download-5

الفنان المصري حسين فهمي (يمين) ضمن ضيوف الأوليمبياد الخاص

حدثتني ياسمين مسعد (25 عامًا) من الإمارات العربية المتحدة عن حكايتها. ياسمين ولدت بضعف في السمع حد من تواصلها مع المجتمع الخارجي. أدخلها والداها مؤسسة زايد العليا للرعاية الإنسانية وذوي الإحتياجات الخاصة تعلمت هناك لغة الإشارة حتى اتقنتها، برز لديها حب الرياضة فشجعتها أسرتها ومعلميها وأصبحت قائد فريق كرة السلة النسائية لذوي الاحتياجات الخاصة، ومن ثم انضمت للأبطال الرياضيين المشاركين في الحدث العالمي.

قابلت أيضا مريم ناصر سعيد (18 عاماً) التي حدثتني بكل ثقة وسعادة عن حبها لكرة السلة والذي ورثته عن والدها لاعب السلة السابق والذي قدم لها كل الدعم والتشجيع حتى أصبحت تشارك اليوم في الأولمبياد الخاص ممثلة لدولة الإمارات العربية المتحدة. تأثرت كثيرًا بحكاية اليازية الحساني ابنة الـ18 عامًا، والتي فقدت الجو الأسري الخاص في ظل غياب الأب والأم نتيجة انفصالهم، ولكن جدتها لم تهملها فهي تقدم لها كل الدعم والتشجيع والحب والحنان قائمةً بدور الأب والأم معًا، حتى أنها حضرت خصيصًا لدعمها وتشجيعها. توالت الأحداث واستمرت الحكايات المختلفة التي رغم اختلاف ظروفها إلا أنها تؤكد في نهايتها أن أصحابها يحملون من الحب والعزيمة والإرادة ما يكفي العالم بأسره. وعلى الرغم من تكرار الفعاليات اليومية وظروف العمل لكن الحماس والسعادة في كل لحظة كانا مختلفين، لكل وقت سعادته الخاصة، سعادة مختلفة لا تقارن بما قبلها.

1553083181196-download-12

أحد المشاركين في منافسات الأوليمبياد

أتذكر الابتسامة الجميلة التي ارتسمت على وجه هدى العنان ابنة الـ15 عاماً والتي حضرت من الكويت، كانت تحدثني بسعادة دون أن تغيب ابتسامتها عن وجهها. عانت هدى من تأخر في الإدراك جعلها تكمل حياتها في مدرسة لذوي الإحتياجات الخاصة، ولكن تقييم البشر للناس ليس منزهاً، فهي جميلة وواعية جدًا بدرجة فاجئتني، فقد وجدت فيها ذكاء وإدراكًا يفتقر إليه أشخاص بالغون يحملون شهادات عليا في بعض الأحيان. أخبرتني هدى عن أمنيتها بأن تحصد ميدالية ذهبية في رياضتها المفضلة لترفع راية دولتها عاليًا. لم يبقَ الكثير على نهاية هذا الحدث العالمي، حتى الآن أذكر كل لحظة عشتها منذ أن بدأ، صادفت كافة الأعمار وكل الجنسيات الفخورة بحمل راية بلدانها والمتحدية لكل الظروف التي واجهتها، كل لديه رسالة، لديه هدف، يريد أن يراه العالم، يريد أن يقول انظروا لي ها أنا إنسان مثلكم لدي ظروف لا دخل لي فيها ولكن أتحداها حتى تروني جيداً، يقول ذلك بكل ثقة وثبات بالفعل وليس بالكلمات المرتبة والشعارات المنمقة.

1553085373908-download-11
1553085357191-download-9
1553085336025-download-13
1553085312995-download
1553085294846-download
1553085277218-download-7
1553085265557-download-6