شهر رمضان

الدراما السورية تستعيد عافيتها

يُعرض هذا الشهر 21 مسلسلاً يروي قصصاً سورية بطواقم عمل سورية
14.5.19
سوريا
عابد فهد وستيفاني صليبا في دقيقة صمت.

تستعيد الدراما السورية عافيتها هذا الموسم بعد سنوات من الركود والارتباك فرضتهما ظروف الحرب الدائرة في البلاد. فبعد ثمانية أعوام من نزاع ألقى بظلاله الوخيمة على مختلف مشارب الحياة وخاصة صناعة الدراما، تشتت نجوم سوريا الكبار بين دراما مصر ولبنان بعد أن هجرت شركات الإنتاج والفضائيات الأعمال المحلية. لكن وبعد أن هدأت الحرب ها هي الدراما تنفض الغبار وتتجه نحو استعادة سالف مجدها.

خلال سنوات الحرب تضرر قطاع التصوير التلفزيوني والسينمائي في سوريا كثيراً بعد أن كان لسنوات صناعة رابحة استطاعت أن تزاحم الدراما المصرية التي تربعت لعقود على عرش الدراما العربية، بل وأزاحتها في بعض المواسم. وتراجع معدل الأعمال السورية بسبب عزوف شركات الإنتاج وصعوبة التصوير في بلد تنخره الحرب في كل جهة. هذا عدا مغادرة عدد كبير من النجوم السوريين الكبار للبلاد لأسباب أمنية وسياسية. ولسنوات غاب الزخم والتنوع عن الدراما السورية التي باتت ممثلة في بعض الأعمال لم تلقى ذات الرواج الذي كانت عليه قبل الحرب رغم جودة بعضها بسبب تراجع إقبال دول الخليج والدول العربية على شرائها. وعالجت مجمل هذه المسلسلات تأثيرات الحرب على المجتمع وتركيبته ومسائل أخرى على علاقة بالأزمة دون الخوض في السياسة.

في الأثناء، استفادت الدراما المصرية واللبنانية من نجومية بعض الفنانين السوريين الذين تم ادراجهم في جملة من الأعمال بأدوار رئيسية تألقوا فيها رغم عقبة اللهجة. ومن نجوم الصف الأول بدمشق، تحول جمال سليمان وباسل خياط وقصي خولي وتيم حسن وغيرهم لنجوم الصف الأول بمصر ولبنان. ولكن يبدو أن موسم 2019 سيكون بداية خروج الدراما السورية من العناية المركزة وتجاوزها للأزمة التي حلت بها على مدار سنوات.

ويقول ناقد الدراما السوري ماهر منصور في حديث مع VICE عربية: "هذا العام يمكننا الحديث عن زيادة في عدد الأعمال السورية، ومع هذه الأعمال نرى بصيص أمل مشروع بانبعاث طائر الفينيق من رماده، وعودة الدراما السورية إلى مكانتها الفنية في المشهد الدرامي العربي، تمهيداً لعودتها إلى أصولها الفكرية."

1557824367190-

ناقد الدراما السوري ماهر منصور - الصورة مقدمة منه.

وتسجل الدراما السورية في هذا الموسم الرمضاني حضورا بـ21 مسلسلاً يروي قصصا سورية بطواقم عمل سورية على مستوى الإخراج والتأليف والتمثيل، فضلاً عن ستة أعمال يلتقي فيها النجوم السوريين مع نظرائهم العرب. كما يشهد رمضان هذه السنة الإفراج عن أربعة مسلسلات تأجل عرضهما في المواسم السابقة وهم "ترجمان الأشواق" و"هوا أصفر" و"لو جارت الأيام" و"الحب جنون" الذين دخلوا المنافسة رسمياً هذا العام.

وفي تعليقه عن هذا الزخم الكبير على مستوى الإنتاج في الدراما السورية يقول منصور: "يمكننا اليوم أن نحصي عدداً من المسلسلات السورية تعد بمستوى من المكانة والحضور والتأثير على نطاق واسع من دون أن يعني ذلك أننا نجزم بنجاحها، وإنما نستبشر بها انطلاقاً من أن أصحابها لم يخرجوا يوما من دائرة التركيز الجماهيري، وظلوا عند غالبية الناس مبعث ثقة بجودة المسلسلات التي تأتي بتوقيعها."

مسلسل "دقيقة صمت" يطرح قصة سجينان محكومان بالإعدام، ولكن يتم تهريبهما باللحظات الأخيرة ضمن قالب درامي مشوق وجرأة كبيرة بتناول قضايا اجتماعية عديدة

وفي ظل الحديث عن عودة الاستديوهات السورية تدريجياً للعمل بعد انتهاء القتال في ضواحي العاصمة دمشق العام الماضي، وتراجع وتيرة الحرب في بقية المدن عاد عدد من الممثلين والمخرجين والكتاب إلى سوريا للتصوير فيها بعد أن كانت لبنان ودول أخرى فضاءات بديلة لتصوير بعض الأعمال. ومن بين هؤلاء عاد المخرج التونسي شوقي الماجري إلى دمشق بعد غياب سنوات، والسيناريست سامر رضوان الذي اضطر للاستقرار في بيروت لأعوام بسبب الملاحقات الأمنية كما عاد النجم عابد فهد للعب دور البطولة في عمل سوري بعد غيابه عنه لسنوات.

ويجتمع هذا الثلاثي العائد إلى دمشق في مسلسل "دقيقة صمت" والذي دخل المنافسة بقوة منذ مرحلة التصوير وحتى بداية العرض التي أثبتت أن العمل لم يخذل توقعات النقاد الذين راهنوا على حرفية سامر رضوان الكاتب وجمالية صورة شوقي الماجري. والعمل يطرح قصة سجينان محكومان بالإعدام، ولكن يتم تهريبهما باللحظات الأخيرة ضمن قالب درامي مشوق وجرأة كبيرة بتناول قضايا اجتماعية عديدة. ويشارك في بطولة العمل عدد هام من النجوم على غرار عابد فهد وستيفاني صليبا وغيرهم.

ويقول الناقد منصور عن مسلسل "دقيقة صمت": "نحن أمام كاتب هو سامر رضوان لطالما ارتبط اسمه بالمسلسلات التي تنطوي على حيز كبير من الجرأة في الطرح ومشاكسة الخطوط الحمر، بالإضافة إلى التشويق العالي في المعالجة الدرامية، وهو يدخل شراكة هذه المرة مع المخرج شوقي الماجري الذي لطالما عرف عنه الاعتناء بالصورة وتفاصيلها."

في المقابل هناك مسلسل "ترجمان الأشواق" للمخرج السينمائي محمد عبد العزيز وسيناريو وحوار لبشار عباس والذي تم تصويره في سوريا بكادر سوري وتم منع عرضه في الموسم الماضي. يعود هذه السنة وسط مؤشرات أنه سيكون أحد أبرز أعمال الموسم الرمضاني نظرا لطبيعة الفكرة المطروحة والنجوم الكبار المشاركين على غرار عباس النوري وغسان مسعود الذين يشهد تاريخهما الفني أنهما كانا دائما إضافة حقيقية لكل عمل. ولعل السبب الأهم هو وجود المخرج محمد عبد العزيز القادم بمدخراته السينمائية المتميزة إلى التليفزيون محاولا نقل حرصه المعهود على جمالية الصورة من السينما إلى الدراما التلفزيونية. ولهذا يروج عبد العزيز لعمله على صفحاته على مواقع التواصل الاجتماعي بوسم "السينما في بيتك."

1557824555928-maxresdefault-3

عباس النوري في ترجمان الأشواق

ويتناول المسلسل علاقة جدلية بين ثلاثة أصدقاء يساريين افترقوا في أواسط تسعينات القرن العشرين إلى مصائر مختلفة جعلت الأول خارج البلاد بعد مشوار قاسي بالسجن السياسي، فيما حافظ الثاني على موقعه اليساري العنيد، بينما تحول ثالثهم إلى رجل صوفي مسالم يريد أن يكون جسر تواصل بين الطرفين الآخرين.

في "ترجمان الأشواق" سنكون أمام عين سينمائية تعشق الصورة وممثلين يعرفون قيمة الكلمة

ويقول ماهر منصور جمع "ترجمان الأشواق" ثلاثة من مخضرمي الدراما السورية ابتداء من خشبة المسرح هم: الفنان عباس النوري وأستاذا المسرح السوري غسان مسعود وفايز قزق، وتقف إلى جانب الثلاثة الفنانة شكران مرتجي، ابنة المعهد العالي للفنون المسرحية والممثلة صاحبة الحضور المختلف والمؤثر. وبذلك يمكن القول إننا في "ترجمان الأشواق" سنكون أمام عين سينمائية تعشق الصورة، تقع على ممثلين يعرفون قيمة الكلمة. ويستبشر منصور في هذا العام بدخول مخرج سينمائي هو محمد عبد العزيز دائرة الإنتاج التلفزيوني، بكامل لياقته السينمائية التي أثبتت في كثير من التجارب قدرتها على الارتقاء بالمسلسل التلفزيوني.

في هذا العام يطل علينا أيضاً، المخرج الليث حجو بدراما "مسافة أمان" وهو المعروف بإدارته المعرفية للنص وحساسيته العالية بمشاهد عمله، ومعه كاتبة لم تزل نصوصها تمتاز بالنضج، ولم تستهلك أفكارها بعد، ولاسيما في مقاربة مجتمع جديد ولد من وسط غبار الحرب السورية. ومسلسل "مسافة أمان" من ﺗﺄﻟﻴﻒ إيمان سعيد وبطولة سلافة معمار، كاريس بشار، قيس الشيخ نجيب وعبد المنعم عمايري وغيرهم، يتحدث عن مرحلة ما بعد الحرب من خلال التركيز على العلاقات الإنسانية كالحب والخوف وانعدام الثقة بين الناس بعد الصراعات الدموية التي شهدتها سوريا.

"أثر الفراشة" يستند إلى الرواية الشهيرة للكاتب الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز "الحب في زمن الكوليرا"

ويضيف منصور أنه وفي قائمة المسلسلات السورية التي تستحق أن يغامر المشاهد بحجز وقتا لها في زحمة العرض الرمضاني، مسلسل "هو أصفر" الذي يعدنا كاتباه علي وجيه ويامن الحجلي بجرعة عالية من التشويق وبمقاربة جريئة في جزء من حكايته. وتدور أحداث المسلسل بين سوريا ولبنان وهو عبارة عن صراع حاد ومؤلم بين الحب والكره، وهو من إخراج أحمد ابراهيم أحمد في ثاني تعاون له مع الكاتبين وبطولة عدد من الفنانين السوريين واللبنانيين بينهم سلاف فواخرجي ويوسف الخال.

1557825220168-18158023_1783073822004383_7138762550585725518_n_474739_highres

سلاف فواخرجي

ويعدنا زهير قنوع بحكاية من الوزن الرومانسي الثقيل في مسلسله "أثر الفراشة" الذي يستند إلى الرواية الشهيرة للكاتب الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز "الحب في زمن الكوليرا" حيث يتناول قصة حب كبيرة تدور حولها مجموعة من قصص الحب الأخرى وتدور أحداثه بين سبعينيات القرن الماضي وحتى اليوم. أما مسلسل "عندما تشيخ الذئاب" إخراج عامر فهد سيناريو وحوار حازم سليمان فهو عبارة عن دراما إشكالية إذا ما قيس الأمر بجمالية رواية للكاتب الراحل جمال ناجي المأخوذ عنها المسلسل والتي تحمل الاسم ذاته. ويشارك في بطولة العمل سلوم حداد وعابد فهد، ويطرح المسلسل قصصا متشابكة ومتداخلة على أرضية اجتماعية وإنسانية من استغلال للدين والأعراف والجنس لتحقيق غايات ومصالح شخصية.

يحشد مسلسل "حرملك" أكبر عدد من نجوم الصف الأول في سوريا، ولكن لا يعد اجتماع هذه الكوكبة من النجوم مؤشر نجاح دائماً

ويحشد مسلسل "حرملك" أكبر عدد من نجوم الصف الأول في سوريا (سلافة معمار وباسل خياط وباسم ياخور وجمال سليمان وسامر المصري ووفاء موصللي وغيرهم)، وهو الأمر الذي يوحي نظرياً بأهمية العمل، إلا أنه قياساً بتجربة سابقة هي "أوركيديا" لا يعد اجتماع هذه الكوكبة من النجوم مؤشر نجاح دائماً، بكل الأحوال سنظل محكومين بأمل أن تكون تجربة "أوركيديا" هي الاستثناء وأن اجتماع هؤلاء النجوم لابد أن يكون حول قيمة فنية وفكرية.

وتدور أحداث المسلسل حول فترة المماليك للحكم ونظام حكمهم والمشهد السياسي في تلك الحقبة ونجاحهم في القضاء على الأعداء، مع التداخل بحياة الحريم في الحرم. وكان مسلسل "أوركيديا" تأليف السيناريست المعروف عدنان العودة، وإخراج حاتم علي والذي بث في موسم 2017 قد جمع عددا كبيراً من النجوم على أمل أن يكون ذلك ضمانة نجاحه ولكن يبدو أنها كانت أحد أسباب فشله.

ويضاف إلى هذه المسلسلات، أخرى ظهر فيها السوريين وقدمت بروح الصناعة السورية وهي "الهيبة -الحصاد" في جزئه الثالث والذي يطرح قصة حب تجمع بين الخارج عن القانون جبل، والإعلامية نور رحمة، صاحبة الشخصية القوية التي تقوم بدورها سيرين عبد النور. ومسلسل "الكاتب" من إخراج رامي حنا، وتأليف ريم حنا وتدور أحداثه في إطار بوليسي لروائي (باسل خياط) يتعرض للكثير من المغامرات ويعيش قصة حب مع الفنانة دانييلا رحمة التي تلعب دور محامية ذات شخصية عنيدة وصلبة. ومسلسل "خمسة ونص" بطولة قص خولي ونادين نجيم والذي يتحدث عن علاقة حب فيها ثلاث أطراف. أما "صانع الأحلام" من إخراج محمد عبد العزيز وتأليف بشار عباس، ومن بطولة مكسيم خليل وأروى جودة فيروي قصة عالم فيزيائي يرث موهبة تفسير الأحلام عن والده، ويتمكن بعد طول اجتهاد من اكتشاف طريقة تجعله قادراً على التأثير في أحلام الآخرين.