عدمي

شباب

الحياة عبثية ولا معنى لها، بحسب هؤلاء الشباب

كل شيء مؤقت وغير مهم بالنهاية
11.6.19

ماذا لو قلت لك ان الحياة لا معنى حقيقي لها وان كل ما تفعله او نفعله (الـ 7 مليار بشري على هذه الارض)، لا هدف أو مغزى منه، بالنهاية كلنا سوف نفنى، حتى كوكب الأرض العزيز على قلب بعضنا - أقول بعضنا لأن البعض الآخر لا يكترث، والتلوث والتغير المناخي أكبر الدلائل على ذلك. كل شيء عزيز على قلبك، العائلة، الأصدقاء، جارك المزعج، مطعم السوشي المفضل لديك، بقعتك المفضلة للتأمل، كلها تفاصيل غير مهمة. من هنا يأتي السؤال: ما الهدف من العيش إذا كانت النتيجة المحتومة هي الموت؟

إعلان

بالنسبة للكثيرين، الجواب هو: "لا هدف من الحياة، ولا معنى لها." ومن ضمن الأشخاص المقتنعين بهذا الجواب هم أصدقاء مقربين مني يطلقون على أنفسهم أسم عدميين Nihilistic، وهم ضمن فئة تتزايد في العالم ممن يتبنون فلسفة تعرف بـ "العدمية" أو الـ Nihilism في اللغة الإنجليزية. تعود جذور الفكر العدمي الى اليونانيين القدماء الذين آمنوا إنه على كل شخص أن يشكك في جميع المعتقدات. هذا الشك أصبح جزء لا يتجزأ من العلم لاحقاً، غير أن العدمية لم تظهر قبل أن أصبحت العقلانية والمادية فلسفات كبرى في القرنين الـ 18 و الـ 19، وهذه الفلسفات بدورها زرعت فكرة أن الحياة لا معنى لها في عقول الكثيرين.

العدمية تأتي بنكهات مختلفة، منها الأخلاقية، وهي فلسفة تفترض بأن ما من شيء صح أو خطأ من الناحية الأخلاقية ومن المنظور الموضوعي. هناك ايضاً العدمية المعرفية التي تشكك بكل شيء نعرفه، وتفترض أنه من المستحيل إثبات كل شيء نعرفه. لن أدخل تفاصيل كافة أنواع هذه الفلسفات، فموضوعي اليوم يسلط الضوء على فلسفة واحدة فقط: العدمية الوجودية (Existential Nihilism). باختصار، وبشرح مبسط، العدمية الوجودية هي نظرية فلسفية تفترض أن الحياة ليس لها من معنى أو قيمة جوهرية، وأن الجنس البشري بأكمله غير مهم، فلن يقدم ولن يؤخر في المجمل الوجودي.

"لا أرى المغزى من وجودي. أستيقظ كل يوم لأقوم بنفس الأشياء على كوكب صغير في مجرة صغيرة هي ليست سوى جزء ميكرسكوبي من كون لا يستوعب دماغي مدى ضخامته،" يقول يوسف، 32 عاماً، والذي يعمل في مجال وسائط الإعلام الرقمية ويصنف نفسه عدمياً. يوسف يعترف أن هذه العدمية تجره أحياناً الى مناطق سوداء وأن اسئلته يبقى الكثير منها بلا إجابات: "عدم وجود معنى للحياة يدفعني أحياناً إلى هاوية مليئة بالأفكار السوداء. لا أفهم نفسي احياناً، وأشعر وكأنه يوجد شخصين بداخلي." يقول يوسف أن تبنيه هذه الفلسفة أثر على علاقاته ولهذا يفضل أن يبقى من دون شريك، لأن قليلين هم الأشخاص الذين يتفهمون هذا التفكير.

انطوني، 30 عاماً، أيضاً يرى أن العدمية أثرت على نظرته للحياة: "اؤمن بأن الحياة مؤقتة، ولا احد له معنى أو أهمية. بدأت بدراسة هذه الفلسفة خلال المراهقة عندما بدأت بالابتعاد عن الدين، ولجأت للعلم والمنطق." تبنى أنطوني هذه الفلسفة، ولكنه يشير إلى أنها كانت سبباً في معاناته مع الإكتئاب: "ما الهدف من العيش إذا الحياة لا معنى لها. بدأت أدخل في علاقات "سامة" ظناً بأنني لن أجد علاقة جيدة ابداً، فلم أعد أكترث لشيء وأصبحت قوة مدمرة تجاه نفسي، وقمت بأشياء غير قانونية." أنطوني، الذي يعمل لحسابه الخاص في مجال تكنولوجيا المعلومات، شخص كان يكافح الإكتئاب بشكل يومي، ولكن تمكن من أن يخرج من هذه الحالة النفسية بفضل جهود طبيبه النفسي، إلا أن العدمية مازالت فلسفته.

إعلان

حالة أنطوني ليست نادرة، فهناك رابط بين العدمية والإكتئاب. "تتشارك العدمية بعضاً من أعراضها مع الإكتئاب، أبرزها انعدام الأمل، إضافة الى انعدام سبب للوجود أو غرض وراء الوجود، يقول نيكولا، 26 عاماً، طبيب نفسي ويضيف: "ولكن ليس بالضرورة أن تؤدي العدمية إلى الإكتئاب، كما أنه ليس بالضرورة أن يؤدي الإكتئاب الى الإيمان بالعدمية. هل هناك صلة بينهما؟ ربما، في بعض الحالات، ولكنه ليس أمر محتم."

ويضيف: "الإكتئاب هو اضطراب نفسي يتعلق مباشرةً بمزاج الشخص، ما يعني أنه يتضمن ألم عاطفي، وهو ليست طريقة تفكير أو وجهة نظر. من جهة اخرى، العدمية هي فلسفة، وتتضمن أمور متعلقة بالأخلاقيات ونظرية المعرفة. الإكتئاب يمكن معالجته من خلال العلاج النفسي، أما العدمية، فهي نظرة للحياة، ولن يطلب منك الشخص المقتنع بها بأن تغير طريقة تفكيره. صحيح أن العدمية تبدو طريقة محبطة للتفكير، إلا أن اعتناقها يختلف من شخص الى آخر، فهي تحفز البعض على الاستمتاع بالحياة مثلاً، وبالتالي من الخطأ الافتراض أنها بالتأكيد تؤدي للاكتئاب."

في مقابلة عمل تم سؤال غوى عن أكثر شيء يميزها، وكان جوابها أنها تتصرف بأساس عدمي: "قلت لهم ما يميزني هو أنني لا آخذ الأمور بطريقة دراماتيكية وكل شيء بالنسبة لي عادي وليس بحاجة لانفعال… ولكن لم يعجبهم ذلك

غوى، 23 عاماً، تعمل كصانعة محتوى، هي واحدة من الذين ساعدتهم فلسفتهم للعدمية على العيش بشكل إيجابي: "اكتشفت هذه الفلسفة منذ حوالي سنتين. حاولت أن اقرأ عن الموضوع كثيراً واقتنعت، وكان لها أثر إيجابي على حياتي، اصبحت شخص أكثر هدوءاً؛ وبما انني شخص متشائم جداً عادةً، وأفكر كثيراً، ساعدتني هذه الفلسفة على أن اتخطى الأمور بشكل أسرع."

ولكن هذا التفكير لا يعجب الكثيرين، ففي مقابلة عمل تم سؤال غوى عن أكثر شيء يميزها، وكان جوابها أنها تتصرف بأساس عدمي: "قلت لهم ما يميزني هو أنني لا آخذ الأمور بطريقة دراماتيكية وكل شيء بالنسبة لي عادي وليس بحاجة لانفعال… ولكن لم يعجبهم ذلك." وتضيف غوى: "للبعض الآخر، من ضمنهم أصدقائي المقربين، هذه الفلسفة منطقية، حتى أن بعضاً منهم أصبحوا يفكرون بطريقة مشابهة، حيث يقولون، كما تقول غوى، كلنا سنموت، ولا شيء له معنى. أنا شخص سلبي إجمالاً، وهذه الفلسفة تخفف من هذه السلبية لأنها تجعلني أفكر بعقلانية، لأنني أفكر بأن كل شيء مؤقت وغير مهم بالنهاية."

1560164491748-ILLUSTRATION_2

لا شيء مهم. ولكن ما هو رأي شخص غير عدمي بكل هذا؟ سألت زميلتي في العمل، ماري، 26 عاماً: "اظن هذا التفكير ينبع من قلة السعادة، أو الابتعاد عن الله، ولا أظن بأنها طريقة تفكير صائبة ابداً. اتفهم الأشخاص الذين يمرّون بمراحل صعبة، وأنا مررت بظروف صعبة، ولكن الحياة مليئة باللحظات الجميلة والسيئة، والسرّ هو تخطي السيئة منها، فما الهدف من العيش إذا، كما يقولون، أن الحياة لا معنى لها؟ يجب على كل شخص إعطاء معنى لحياته الخاصة."

لشريحة كبيرة من الأشخاص غير العدميين، كلام ماري قد يكون صحيح جداً… ولكن، ماذا لو قلت لك بأن هناك أشخاص عدميين يفكرون بطريقة تشبه طريقة تفكير ماري، أي من منظور "متفائل" ويطلقون على فلسفتهم إسم "العدمية المتفائلة" او الـ Optimistic Nihilism؟ العدمية المتفائلة هي في الواقع غير موجودة كفلسفة، والكلمة الصحيحة للفلسفة "الايجابية" هذه هي العبثية، او الـ Absurdism، والتي كان الفيلسوف الفرنسي ألبير كامو أشهر روادها.

تتشابه العبثية والعدمية من حيث الجوهر، أي فكرة أن الحياة لا معنى وقيمة لها هي أساس الفلسفتين، إلا أن هناك نقطة تفصل الأولى عن الثانية، فالعدمية تفترض أن لا جدوى من محاولة العثور أو التأكيد على معنى للحياة، اذ انه غير موجود، ولكن كامو رفض العدمية، واقترح من خلال أعماله نظرية العبثية. عبثية كامو تنص على أنه علينا تقبّل فكرة العَبث، أي الصراع بين ميل الإنسان إلى البحث عن قيمة ومعنى للحياة من جهة، وعجزه عن إيجاد هذا المعنى في عالم فوضوي لا هدف منه ولا معنى له من جهة اخرى. كامو يفترض أن تقبّل العبث يسمح للمرء بأن يجد الفرح والمعنى في حياته، ولكن يجب على المرء أيضاً أن يدرك أن الموت محتم في النهاية. بمعنى آخر، وتلخيصاً لفلسفة العبثية: الحياة بالمجمل لا معنى لها، ولكن يجب على كل فرد أن يعطي معنى لنفسه.

العدمية المتفائلة لها تأثير إيجابي على علاقاتي، فإذا لم تنجح علاقتي مع شخص، اتخطى الأمر بشكل سريع وذلك لأنني لا أريد اضاعة الوقت من خلال الحداد على العلاقة، فما الهدف من ذلك؟ أنا هنا للاستمتاع بوقتي وليس للعيش بمسلسل دراما

محمد، 29 عاماً، يعمل كمترجم حر يعتبر نفسه "عدمي متفائل" فهو يؤمن بأن لا معنى للحياة، ولكنه بنفس الوقت يريد الاستمتاع بهذه الحياة. "أريد أن أرتكب الأخطاء والتعلم منها، أريد أن أسافر وأتعرف على ثقافات جديدة، أريد تمضية المزيد من الوقت مع أهلي واصدقائي، فوجودي مؤقت، سوف أعيش حياة واحدة فقط، ولن أتمكن من استعادة كل هذه التجارب بعد أن أفنى. العبثية أو العدمية المتفائلة لها تأثير إيجابي على علاقاتي ايضاً، فإذا لم تنجح علاقتي مع شخص، اتخطى الأمر بشكل سريع وذلك لأنني لا أريد اضاعة الوقت من خلال الحداد على العلاقة، فما الهدف من ذلك؟ أنا هنا للاستمتاع بوقتي وليس للعيش بمسلسل دراما."

نظرة محمد تختلف عن نظرة غوى، وعن نظرة أنطوني، وعن نظرة الكثير من العدميين، وبعد محاورة مجموعة كبيرة من الأشخاص العدميين، تبين لي أن لكل شخص فلسفته الخاصة؛ الشيء الوحيد الذي يتّفقون عليه هو أن الحياة لا معنى لها، ولكن الشبه في فكرهم ينتهي هناك، فلكل واحد منهم تسلسل مختلف للأفكار يؤدي إلى نظرة مختلفة. إذ هناك من هو عدمي بحت، وهناك من هو عبثي، وهناك من يجد نفسه محتار بين الفلسفتين. لا يوجد أرقام واضحة عن عدد العدميين، ولكن يبدو أن هناك عدد متزايد من العدميين الذين باتوا يعبرّون عن طريقة تفكيرهم علناً.

Tagged:عدمية