بيئة

الحقيقة الكامنة وراء محاولة ماركات الأزياء تبييض سمعتها

من المهم أن نتذكر أن حقوق العمال والحفاظ على البيئية ليسا أمران منفصلان
SS
إعداد Sophie Slater
1.8.19
Greenwashing illustration by Sam Taylor
رسوم: Sam Taylor

منذ العام 2014 وأنا أديرُ Birdsong؛ وهي ماركة أزياء نسوية. تصنع معظمَ ملابسنا نساءٌ يعملن في ورش خيرية بدلاً من المصانع، ونقوم بزيارتهن أسبوعيًاً، وندفع لهن ما يكفي للعيش في مدينة لندن، ونعرف حال أسرهن وأين سيذهبن في العطل المقبلة. هناك أشياء نشتريها من الخارج، مثل القمصان البسيطة. مؤخراً، بعد شهور من البحث والتحري واستدعاء الموردين وقراءة التقارير، وقع اختيارنا على مورّد بدا من رواد الصناعة من حيث إنتاجه، نال أحد مصانعه لقب "الأفضل لعمال الملابس في بنغلاديش" في عام 2009، كما كان هذا المورد عضواً في مؤسسة Fair Wear Foundatio، وهي مؤسسة غير ربحية تعمل على تحسين ظروف العمل لعمال الملابس في إحدى عشرة دولة حول العالم.

إعلان

لسوء الحظ، علمنا مؤخرًا أن معايير مورّدنا هذا قد تراجعت بعد أن كشف تحقيق أجرته صحيفة الغارديان عن مزاعم تتلخص في أن موظفة في أحد مصانعه قد تعرضت لاعتداء بناءً على أوامر من الإدارة. (تجدر الإشارة إلى أنه نظرًا لوجود نظام شكاوى يتيح للعمال الإبلاغ عن إساءة المعاملة في هذا المصنع، فقد سمعنا عن الشكوى، ما يعني أن العلامات التجارية الأخرى ربما تتستر على مثل هذه المزاعم). بعد هذه الحادثة، قال متحدث باسم الشركة إنهم أسسوا نظاماً لمكافحة التحرش، وبأنهم لا يتساهلون البتة حيال الإيذاء البدني واللفظي.

قمنا بتغيير المورّدين حالاً، وسنتبرع بمبيعات الملابس التي يتم إنتاجها في ذلك المصنع لنقابات عمال الملابس، وقد تبين لنا أن محاولة تبييض السمعة المتمثلة بالمعلومات المضللة التي راح هذه المورّد ينشرها لتحسين صورة شركته على أنها صديقة للبيئة قد خدعتنا رغم كل الجهود التي بذلناها، ففي عالم تصبح فيه سلاسل التوريد أكثر تفككاً، يصبح الحفاظ على البيئة هو الرائج؛ فيغدو المستهلكون معتادين على دفع أسعار بخسة لشراء الملابس، والسؤال هنا كيف لنا معرفة نعرف من هم أهل للثقة؟

إن "تبييض السمعة" مصطلح ابتكره نصير البيئة جاي ويسترفيلد في الثمانينيات لوصف الشركات التي تبالغ بشدة في الحديث عن الفوائد البيئية أو الأخلاقية لمنتجاتها وخدماتها. بعد عقود من الزمن، حتى بالنسبة لأمثالي من المحنكين الذين يشككون فيما يقوله أصحاب العلامات التجارية، يصل تبنّي صناع الأزياء لتبييض السمعة إلى مستويات أعلى بحيث أصبح من الصعب علينا اتخاذ خيارات مستنيرة حول ما نستهلكه، فاحترام الأخلاقيات والاستدامة البيئية أمر يصعب تحديده بدقة. كما أن مجرد مناداة علامة تجارية ما بقوانين عمل أفضل لا يعني أنها لا تسبب تلوثاً، والعكس صحيح، وغالباً ما يتم في الوقت نفسه خلط حقوق العمال بالأثر البيئي تحت مظلة الاستدامة البيئية نفسها، وبينما يمكن ربط الاثنين معًا، من المهم أن نتذكر أن حقوق العمال والحفاظ على البيئية ليسا أمران منفصلان.

1556700950378-boohoo-wool

معطف صوفي من BOOHOO

تدّعي العلامات التجارية في بعض الأحيان أنها صديقة للبيئة أو للحيوان أو حريصة على البيئة كاستراتيجية للعلاقات العامة؛ ولنأخذ مجموعة Boohoo Group مثالاً: ففي وقت سابق من هذا العام، أعلنت المجموعة أنها ستحظر كل الصوف في ملابسها، غير أنها تراجعت عن القرار في غضون ساعات. تَبيّن لاحقاً أن Boohoo لم تنتج منتجات صوفية قط؛ وأن الفراء المزيف الذي تبيعه قد يكون في الواقع أكثر ضرراً للبيئة؛ (يُصنع الفراء المزيف عادةً من البلاستيك الذي لا يتحلل بيولوجياً). وفي تلك الأثناء، توصلت القناة البريطانية الرابعة في تحقيق أجرته وعرضته في برنامج Dispatches في عام 2017 إلى أن عمال الملابس الذين يصنعون منتجات Boohoo في المملكة المتحدة لا يتقاضون سوى ثلاثة جنيهات إسترليني في الساعة، أي أقل من الحد القانوني الأدنى للأجور، ولذا من الصعب رؤية أية رأفة أو استدامة بيئية تُعطى إلى العمال الذين يصنعون منتجات Boohoo، أو في اختيار الشركة للألياف الصناعية التي تسبب التلوث.

Other Stories & هي علامة تجارية تبدو بارعة في تصوير الدخان والمرايا على الملابس متقنة الصنع، وعندما تتجوّل في متاجرهم البهيجة والفسيحة؛ ستقع عيناك على صور لنساء بيض يحملن بزهوٍ مقص الخياطة فوق قطعة قماش طُبعت عليها عبارة Stockholm Atelier؛ لتوحي بأن مصنع المنتَج يقبع في السويد التي تتوفر فيها جميع أشكال الحماية التي تُمنح (عادةَ) لعمال الملابس الأوروبيين. ربما تم تصميم المنتجات في ستوكهولم حقاً، ولكنّ إن نظرتَ إلى الملصقات على الملابس فسترى أن المنتجات من صُنع الصين وبلغاريا وبنغلاديش. تستخدم هذه العلامة التجارية، المملوكة من قبل شركة H&M، سلسلة التوريد ذاتها بوصفها زهيدة الكلفة.

إعلان

كانت "الشفافية" واحدة من بين الكلمات الطنانة التي شككتُ بها في البداية (إلى جانب "التمكين" و "الواعي")، فقد قامت حركة "ثورة الموضة" غير الربحية بوضع مقياس شفافية عالمي يستند إلى حجم ما تكشفه العلامات التجارية من سياساتها وممارساتها وتأثيرها. أدخلت شركة H&M تحسينات هائلة من حيث الشفافية، فاحتلت المرتبة الرابعة في مقياس الشفافية لسنة 2018 بتحصيلها خمسة وخمسين في المئة، متفوقةً بذلك على علامات تجارية مثل Topshop (التي حققت 26 في المئة على المقياس) و Urban Outfitters (التي حققت 6 في المائة تقريباً).

ومع ذلك، لا ترتبط الشفافية بالأخلاق المثالية تحديداً؛ فقد تتعاقد المصانع مع جهات أخرى للقيام بالعمل، أو أنها لا تبرز سوى ممارسات العمل الجيدة عند تفتيش المصنع؛ وهذه إحدى طرق خداع النظام الكثيرة. لا شكّ أنّ الشفافية خطوة في الاتجاه الصحيح، إلا أنّ على العلامات التجارية أن تفصح عن معلومات كثيرة حتى توصف بالشفافية، من قبيل تفاصيلَ عن مقدار التمثيل النقابي للعمال، وحقوق الأمومة، وكيفية تعاملها مع الحوادث في قسم الموارد البشرية، ومقدار ما يتقاضاه عمالها.

تُعزى قدرة العلامات التجارية على توخي الغموض بشأن التزاماتها البيئية والاجتماعية إلى غياب الدقة والتعليم العام المتعلق بكلمات مثل "أخلاقي" و "مستدام"، فعلى سبيل المثال، لو تمعّنت في الأساليب التي تتبعها Arket لتسويق منتجاتها، فسترى إشارات كثيرة إلى الاستدامة البيئية، كما أن هذه العلامة التجارية، وهي علامة تجارية تتبع لشركة H&M، تقدم معلومات حول مكان مصانعها وعدد عمالها، إلا أنّ الشركة كما يبدو قد فشلت في تلبية معاييرها الخاصة فيما يتعلق بدفع أجور الكفاف للعمال. إن الرغبة في تحسين تجارتك أمر جدير بالثناء، بيد أن شركة H&M هي واحدة من العلامات التجارية العالمية التي ابتكرت الأزياء السريعة ومجموعة المشاكل الأخلاقية المرتبطة بها، ولن يغير أي قدْر من "تبييض السمعة" حقيقة أن العاملين في مصانع هذه الشركة لا يحصلون على أجر الكفاف، كما قيل إن بعضهم قد أغمي عليه من شدة الإرهاق في العمل؛ وأنهم يواجهون عواقبَ تنظيم نشاطات نقابية.

1556701082252-hmconscious

مجموعة CONSCIOUS من شركة H&M

ما الذي على عاشق الموضة ذي العقلية الأخلاقية فعله إذاً؟ أميل شخصيًا؛ وبشكل متزايد؛ إلى التشكيك بأية علامة تجارية شهيرة، وموقع Good On You هو مكان رائع للشروع في تناول الموضوع ومقارنة العلامات التجارية وإيجاد بدائل أفضل، ففي الموقع هناك نظام تصنيف يأخذ في الاعتبار حقوق الناس والحيوانات وكوكب الأرض عند إجراء التقييم.

للأسف أنّ من السهل الافتراض أن شخصًا قد تعرض للاستغلال لكي يصنع ملابسك ما لم تفلح العلامة التجارية في إثبات خلاف ذلك، ولا يعني ذلك أن العلامات التجارية لا تحاول بصدق أن تكون مثالية؛ أو أن علينا مقاطعتها تماماً لمجرد أنها غير مثالية، فعلى سبيل المثال تدفع شركة Reformation حالياً لاثنين وعشرين في المئة من عمالها أجر الكفاف (الأجر الكافي لإعالة العامل وعائلته)، وهذا ليس جيدًا بما يكفي، غير أن انفتاحهم على ذلك؛ والجهد الواضح للوصول إلى نسبة مئة بالمئة؛ أمرٌ مبشر يستحق الدعم.

إعلان

هناك سبلٌ أخرى أقل تكلفة تتمثل في الإكثار من شراء المنتجات القديمة والمستعملة؛ فهناك مثلاً تطبيق Depop للتسوق الاجتماعي، والمحلات التجارية الخيرية وتبادل الملابس مع الأصدقاء، وهي وسائل تسمح بتقليل التأثير البيئي الذي تخلفه أثناء تحديث خزانة ملابسك، واحرص إذا ما اشتريت سيارة جديدة على أنها من صنع عمال مهرة يعملون في ظروف جيدة، لتكون أنت الفائز هنا أيضاً؛ فهي ستدوم لفترة أطول.

تجدر الإشارة إلى أن "تبييض السمعة" ليس توجهاً سلبياً بالمطلق، إذ تقر أورسولا دي كاسترو الناشطة في حركة "ثورة الموضة" بالقول: "يمكن أن يمثل "تبييض السمعة" تمهيدًا لتغيير حقيقي وخطوة في الاتجاه الصحيح." وتأمل أورسولا في أن يشجع "تبييض السمعة" المستهلكين على أن يصبحوا أكثر وعيًا حيال القضايا البيئية والاجتماعية.

إن عجلة التغيير ليست سريعة بما يكفي رغم بعض التقدم، حيث سيتم إنتاج مئة مليار قطعة ملابس هذا العام باستخدام طرق ملوِّثة في الغالب، وفي ظروف سيئة مقابل أجور بخسة؛ وسينتهي قسم كبير منها في مكب النفايات. لقد آن أوان الفضول والتحلي بالحكمة وتحدي الوضع الراهن في السوق.

قال المتحدث باسم شركة الأزياء البريطانية Boohoo في معرض رده على المزاعم الواردة في هذه المقالة: "تواصل Boohoo تقييم جميع الخيارات كجزء من التزامها المستمر بمستقبل أكثر استدامة بيئياً. لم توافق Boohoo رسميًا على حظر استخدام الصوف، ما يعني أنه لم يحدث أي تراجع عن الحظر لاحقًا؛ والصوف جزء صغير جدًا من سلسلة توريد Boohoo، ويشكل أقل من واحد في المئة من المواد الخام المستخدمة، ومن النادر أن يشكّل الصوف أكثر من عشرة في المئة من أيٍّ من الملابس التي نصنعها، وعلى موردينا الامتثال لسياسة حقوق الحيوان وقواعد سلوك الموردين؛ وإنّا لَملتزمون بضمان أن الصوف المستخدم في سلسلة التوريد لدينا آتٍ من تربية جيدة؛ محققًا مستوياتٍ عاليةً من رعاية الحيوان، وإننا لماضون في استخدام الصوف كمادة مستدامة.

نحن ملتزمون بضمان أن يحصل جميع عمال الملابس الذين ينتجون الملابس التي نبيعها على الحد الأدنى للأجور على أقل تقدير؛ ولن نعمل مع الموردين الذين يدفعون أقل من الحد الأدنى للأجور؛ كما أنّ لدينا فريق استجابة داخلي تتمثل مهمته في التثبت من أن منتجاتنا تُصنع في مصانعَ تمتثل لجميع المتطلبات القانونية والتنظيمية المتعلقة بالحد الأدنى للأجور وظروف العمل."

كما قال متحدث باسم H&M: "إن أجر الكفاف لحقٌّ إنساني أساسي؛ وهو السبب في أننا من الشركات السباقة التي عملت على هذا الأمر، ومع ذلك، فإن هناك بعض الخطوات التي يجب أن نقدم عليها أولاً لجعل أجور الكفاف حقيقة واقعة لعمال الملابس في جميع أنحاء العالم، وإن تجاوزنا هذه الخطوات بدافع حرصنا على تسريع الأمور، فسينتهي بنا الأمر إلى أساس هش لا يسهم في التغيير الشامل؛ وتتمثل أولى هذه الخطوات في إنشاء آليات وعمليات وتعاون، وكذلك عقلية جديدة. إنها أشياء معقدة وضبابية تحتاج للنقاش، لكنها ضرورية حينما يتعلق الأمر بجعل أجور كفاف عمال الملابس حقيقة ملموسة."

@sophieavalon

نشر هذا المقال في الأصل على VICE UK