ماذا لو؟

ماذا سيحدث في الدقائق والساعات التي تلي هجوم أمريكي على كوريا الشمالية؟

استعراض مفصل للأحداث خطوة بخطوة
2018 يناير 02, 7:23am

شترستوك

قال بيان لوزير الخارجية الأمريكي ريكس تيلرسون "أطلقت كوريا الشمالية صاروخًا باليستيًا متوسط المدى"، وأضاف: تحدثت الولايات المتحدة بما فيه الكفاية عن كوريا الشمالية، وليس لدينا أي تعليق آخر.

إن هذا البيان الشنيع والمؤسف من وزير الخارجية الأمريكي (هو كل شيء)، وقد صدر بعد اختبار كوريا الشمالية لصاروخ استفزازي متوسط المدى، ويُظهر هنا مدى توتر الأمور بين كوريا الشمالية والولايات المتحدة.

خلال اجتماع سابق بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والرئيس الصينى شي جين بينغ فى ولاية فلوريدا، كانت تلك الأزمة محل نقاش بين الزعيمين، اللذان تحدثا حول الأمور التي يجب القيام بها حول أزمة القوة النووية العشوائية فى العالم التي بدأت تلوح فى الأفق، والتي تعد بدورها أحد أكثر مشاكل السياسة الخارجية صعوبة التي تواجهها الولايات المتحدة، خاصة أن كوريا الشمالية وأمريكا لم يكونا أبدا على وفاق، لكن العلاقة بينهما الآن تبدو أقرب إلى حرب صريحة من أي وقت مضى.

في فبراير من عام 2017، تعهد ترامب بأن كوريا الشمالية لن تقوم بتطوير قنبلة نووية قادرة على ضرب الولايات المتحدة، ولكن كما هو الحال في كثير من الأحيان، لم يذكر الرئيس الأمريكي التفاصيل، وتركها لخيالنا.

في مقابلة مع صحيفة "فايننشال تايمز"، قال ترامب أنه سيواجه "كوريا الشمالية" مع أو بدون تعاون الصين، وفي مارس 2017، قال وزير الخارجية الأمريكي تيلرسون أن السنوات العشرين الأخيرة من السياسة الأمريكية تجاه كوريا الشمالية كانت فاشلة. وقال مسؤول في البيت الأبيض لشبكة "سي ان ان" أن "الوقت قد نفذ، وجميع الخيارات مطروحة".

ورغم أن هذه التصريحات تبدو قاتمة، لكنها أيضا أكثر منطقية، فخلال فترة امتدت لأكثر من العقدين، فشلت المحاولات الدبلوماسية، وأصبح واضحًا أن كوريا الشمالية على وشك أن تصبح قوة نووية متقدمة وقد أصبحت كذلك، وهذا يعني قدرتها على تدمير الولايات المتحدة.

ومن الصحيح أيضا أن إدارات رئاسية متعددة بالولايات المتحدة، لم تتمكن من "حل" هذه الأزمة البطيئة. وتبدو الجهود المتكررة لعزل كوريا الشمالية من خلال العقوبات بلا جدوى، ولم تحقق أي شيء على الإطلاق.

وبالنظر إلى كل هذه الصعوبات، واللغة القوية لإدارة ترامب، لا عجب أن بعض الناس يتكهنون بحدوث ضربة أمريكية وقائية. (ترامب نفسه قال في أحد المرات قبل 18 عاما، أنه مستعد لتفجير المفاعلات النووية في كوريا الشمالية).

ولكن وفقا لما ذكره "رودجر بيكر" المحلل في مركز ستراتفور للدراسات الإستراتيجية والأمنية، إذا كانت هناك حرب كورية أخرى، فإنها لن تبدأ على الأرجح بضربات مدروسة بعناية.

وقال: "نادرا ما ينتظر الناس، حتى يصبح كل شيء جاهزا قبل أن يذهبوا إلى الحرب، وتحدث بيكر عن سيناريو محتمل، يبدو واقعيا جدًا، والذي يضع الولايات المتحدة وكوريا الشمالية في صراع وجها لوجه، وفق الخطوات التالية:ـ

الخطوة الأولى: إجراء كوريا الشمالية اختبار صاروخي

فعندما تقوم كوريا الشمالية باختبار صاروخي، فهو بمثابة إنذار للعالم لسببين، الأول لأنه إعلان استفزازى للغاية للتطور العسكرى لتلك البلاد ويجعل الجميع مشدود الأعصاب خصوصاً الصين وروسيا، ولكن الشيء الثاني الذي يجب أن نضعه في الاعتبار هو أن هذه التجارب تقذف الكثير من المتفجرات في الهواء بالقرب من المناطق المأهولة بالسكان، خاصة أن كوريا الشمالية تسارع من أجل تطوير الأسلحة النووية، دون موارد اقتصادية تساعدها على ذلك، وهو ما يعني ـ وفقًا لبيكر ـ باحتمالية وجود الكثير من الأخطاء في تلك الأسلحة. وحتى إطلاق اختبار ناجح نسبيا يمكن أن يؤدي إلى سقوط الصاروخ على اليابان، فقد يخفق نظام التوجيه ويتجه نحو كوريا الجنوبية، وهو ما قد يبدو أنه استهداف لقاعدة بحرية أمريكية، ويؤدي إلى ضربة وقائية وفقا لوجهة نظر الولايات المتحدة.

أي من هذه الاحتمالات يمكن أن يؤدي إلى انفجار الوضع، وفقا لبيكر فإنه في تلك الحالة سوف تشعر الولايات المتحدة بأن لديها مبرر للحرب، فهي بحاجة إلى تقديم حالة واضحة تبرز موقفها المناهض من التجارب الصاروخية المستمرة لكوريا الشمالية".

وفي هذه الحالة، يمكن للولايات المتحدة "نشر نظام للصواريخ الدفاعية"، وفي سيناريو محتمل آخر، "يمكنهم استخدام صواريخ كروز لضرب الصواريخ النووية الكورية على الأرض".

هذه هي الطريقة التي تبدأ بها الحروب، يقول بيكر: "ومن خلال سلسلة من الأمور التي يمكن أن تحدث في أي لحظة من التوتر المتصاعد يتم اتخاذ قرار واحد، أو قرارين، حيث تتفاقم الأمور بشكل أكبر".

الخطوة الثانية: الولايات المتحدة تبدأ توجيه الضربات

الاحتمال الأكثر رعبًا هو أن تشعر الولايات المتحدة بالتهديد قبل اطلاق الصاروخ الكوري، وتستخدم قاذفات بحرية لصواريخ كروز، لتفجير منصة إطلاق الصواريخ لكوريا الشمالية، وهو ما قد ينتج عنه على الأقل مقتل عدد قليل من الكوريين الشماليين، وفجأة، يحدث هجوم بري على كوريا الشمالية.

ويضيف بيكر أن الولايات المتحدة الأمريكية "ستدخل في حالة تأهب خط المواجهة الأمامية على الفور، لأنه سيتعين عليها أن تتوقع ردا من كوريا الشمالية، وسوف تخيف الكوريين الشماليين من هذا الرد من خلال وضع كل شيء في وضعية الاستعداد للحرب".

هذه هي اللحظة التي يمكن فيها للجميع أن يهدأ، فالولايات المتحدة سوف ترسل رسالة واضحة إلى كوريا الشمالية: شعرنا باستفزاز، فأطلقنا صواريخ مضادة، وهنا يمكن أن يهدأ الجميع.. ويكون لكوريا الشمالية حق الرد

الخطوة الثالثة: كوريا الشمالية ترد بشكل عنيف

الـ "لا شيء" ليس خيارا لكوريا الشمالية، ولكن يمكن للبلاد تسوية ما أطلق عليه "بيكر" اسم "وضع التأهب" حيث تقوم بتحريك القوات إلى موقع للحرب، حيث يتحرك الجيش الكوري الشمالي، نحو الحدود، وهو أفضل السيناريوهات في هذه المرحلة.

لكن جنرالات كوريا الشمالية، ستكون رؤوسهم مشغولة بشن الحرب، وسوف يتساءلون عما إذا كانت هناك هجمات أخرى قادمة.

ومن الواضح أن كوريا الشمالية مُستعدة للاستجابة السريعة لبداية الحرب (ثم استئنافها) في شبه الجزيرة الكورية، ولها رؤية قصيرة المدى، بضرورة إلحاق الكثير من الخسائر للولايات المتحدة قبل أن تفقد الكثير من قدراتها، وإذا لم تسيطر العقول الهادئة على مراكز القيادة والسيطرة في بيونغ يانغ، فإن ذلك سيصبح حربا حقيقية.

الخطوة الرابعة: كوريا الشمالية تلحق خسائر فادحة بالولايات المتحدة وكوريا الجنوبية

يرى "بيكر" أن المدفعية الكورية سوف تكون في خط المواجهة، ورغم أن القصف سوف يتسم بالعشوائية إلى حد ما، فإنه وفقا لتقرير نشره مركز ستراتفور للدراسات الإستراتيجية والأمنية في العام الماضي، فمعظم المدفعية الكورية الشمالية لن تتمكن إلا من ضرب أهداف بالقرب من الحدود أو ربما ضواحي سيول. ولكن عددا قليلا من أكبر الأسلحة الكورية الشمالية، بما في ذلك قاذفة الصواريخ كوكسان عيار 170 ملم جنبا إلى جنب مع قاذفات صواريخ 240 ملم و 300 ملم، قادرة على قصف سيول نفسها.

ويمكن للقوات الجوية الكورية الشمالية، جنبا إلى جنب مع صواريخها المتوسطة المدى، أن تكون قادرة على ضرب أي من القواعد الجوية الأمريكية في كوريا الجنوبية، مثل قاعدة أوسان الجوية، التي تبعد 40 ميلا جنوب سيول، ويقول بيكر إن طرد بعض القوات الجوية الاقليمية الأمريكية سوف يمنح الكوريون الشماليين فرصة للتنفس.

فإذا كانت صواريخ كروز طويلة المدى في حالة صالحة، فإن على كوريا الشمالية ضرب قواعد الولايات المتحدة في اليابان أيضا. وقال بيكر إن الهجوم على أوكيناوا اليابانية لن يقدم الكثير من الناحية الاستراتيجية، ولكن إذا قاموا بتفجير القاعدة الأمريكية في يوكوسوكا بالقرب من طوكيو، يمكن أن يعرقلوا قدرة الولايات المتحدة على وصول سلسلة الإمدادات العسكرية إلى اليابان.

الخطوة الخامسة: ظهور روسيا والصين

من غير المرجح أن تظل هذه الحرب قائمة بين الكوريتين والولايات المتحدة فقط، فهي منطقة جيوسياسية نشطة، فحتى مع افتراض أن الصين لم تحاول فرض استقرار كوريا الشمالية بشكل استباقي، لكن دعونا لا ننسى في نهاية المطاف أن الصين ليس لديها مصلحة في "كوريا موحدة"، لأن الأخيرة من المفترض أن تكون متحالفة مع الولايات المتحدة الأمريكية.

وقال بيكر "إن الحد الأدنى من المصلحة الصينية أن تضع انقسامات نشطة على الحدود الكورية الشمالية، وأن تزيد من قدراتها الجوية، وقدرات الدفاع الجوي لديها".

وبالمثل، فإن روسيا، ومن خلال حدودها مع كوريا الشمالية، ووجود سفن عسكرية وطائرات تحوم حولها، فيتعين عليها أولا أن تفعل كل ما بوسعها لتأمين هذه الحدود والمياه المحيطة بها، بشكل سريع، حتى لو لم تكن مشاركة بشكل مباشر فى الصراع.

الخطوة السادسة: الولايات المتحدة تبدأ في الاستجابة لاستفزازات كوريا الشمالية

تستجيب الولايات المتحدة لإجراءات كوريا الشمالية الاستفزازية، وتبدأ في استباق الآخرين، وهنا يبدأ الجيش في ضرب المدفعية الكورية الشمالية، وإخراج أكبر قدر من "شبكة الدفاع الجوي"، والأسلحة المضادة للطائرات.

يقول بيكر: وهذا الأمر يمنح الحرية للولايات المتحدة في البحث عن الصواريخ النووية، وبما أن الكثير من أسلحة كوريا الشمالية لا تظهر في صور الأقمار الصناعية، فإن الولايات المتحدة تحتاج إلى طائرات للطيران حولها والعثور عليها، وبمجرد أن يخرج الصاروخ من الكهف، فإنه يكشف عن نفسه، وفي حال تمكنت الولايات المتحدة من ضرب الدفاع الجوي لكوريا الشمالية، سوف يخلف الكثير من الدمار في قدرات الدولة الآسيوية عسكريًا.

الخطوة السابعة: كوريا الشمالية تخلق الفوضى

يرى بيكر أن من وجهة نظر كوريا الشمالية أن تخلق "أكبر قدر ممكن من الفوضى"، وهذا يعني الخروج عن بروتوكول جنيف التي تمنع استخدام أسلحة كيميائية، ويوضح بيكر، أنه طالما كوريا الشمالية هي الضعيفة فيجب أن تستخدم كل ما لديها من أسلحة، وأن تكون الأسلحة الكيميائية أحدها على الأقل، حتى تتداخل بسرعة وقدرة كبيرة للرد على أمريكا وكوريا الجنوبية.

وقال بيكر: " أتوقع أن تتغير وتيرة أفعال الولايات المتحدة مع التحركات الكورية الشمالية"، مشيرًا إلى أن "الولايات المتحدة تدربت بشكل كبير على مواجهة الأسلحة الكيميائية لكوريا الشمالية".

ثم أوضح أن كوريا الشمالية سوف تكون متساهلة في التعامل مع الانترنت في تلك الفترة، ولا أحد يعرف إلى أي مدى يمكن أن تكون عنيفة في هذا الأمر، فيمكن أن يكون هناك جهد كبير ومدروس لوقف الإنترنت في كوريا الجنوبية أو نشر فيروسات إلكترونية تأمر كل هاتف ذكي في كوريا الجنوبية بالتوقف، وقال بيكر إن كوريا الشمالية ستنشر أيضا قوات عمليات خاصة، من المحتمل أن يكون بعضًا منها يتجول بالفعل في كوريا الجنوبية، وربما على مقربة من القواعد الأميركية في اليابان وحولها".

وسوف تشارك الولايات المتحدة على الأرجح في حرب إلكترونية خاصة بها. لكن كوريا الشمالية لا تملك حاليًا أي شبكة إنترنت للهجوم، ولهذا فإن الأمر ليس من أولوياتها.

الخطوة الثامنة: خسائر المدنيين

يعيش حوالى نصف سكان كوريا الجنوبية فى منطقة سول، على بعد حوالى 35 ميلا جنوب الحدود الكورية الشمالية، ولن يكون لدى كوريا الشمالية أي مخاوف بشأن استهداف المدنيين، لكن مع زيادة وتيرة الحرب، سوف ترتفع المآسي.

وفى الوقت نفسه، وفقا لما ذكره بيكر، فان المدنيين بكوريا الشمالية سيصابون بأضرار، فإذا أرادت أمريكا السيطرة على الوضع فإن عليها ضرب بيونج يانج مباشرة، وليس غريبا أن يكون لدى الكوريين الشماليين مجتمعات زراعية وقرى صغيرة مبنية على قمة قواعدها العسكرية وحولها.

وفي كوريا الجنوبية، سوف تزيد الصور المروعة للضحايا المدنيين بسرعة بفضل وسائل التواصل الاجتماعي، وبفضل السرعة في حركة المعلومات، سوف تظهر كثير من صور العنف المروعة، حتى لو تأخرت قليلا، وذلك بفرض أن "كوريا الشمالية" ليست سريعة في عملية تعطيل الاتصالات الإعلامية في الجنوب كجزء من حملة الاضطراب".

الخطوة التاسعة: الحرب البرية

يقول بيكر: "هذه ليست حربا جوية فقط، فلا مفر من اللجوء إلى الأرض، فمع مرور الوقت، سوف تبدأ كوريا الشمالية محاولة غزو بعض المناطق المنزوعة السلاح، على الرغم من أن ذلك لن يكون سهلا بالنسبة لها. هناك الكثير من حقول الألغام في الجنوب، كما أن جميع الطرق بها الكثير من العوائق التي تمنع حركة الدبابات بسهولة، لكن كوريا الشمالية قد تبدأ في استخدام الطائرات الصغيرة لإنزال الجنود على الأرض، وذلك في محاولة منها لتحويل الحرب إلى حرب عصابات والتسبب في خسائر كبيرة للولايات المتحدة، وتغير من الديناميكية السياسية في الولايات المتحدة أو الصين التي سوف تتدخل لحماية كوريا الشمالية".

وبالنسبة للولايات المتحدة، وفقا لبيكر، "الأيام القليلة الأولى من المعركة سوف تكون في معظمها عبارة عن غارات جوية وإطلاق صواريخ كروز"، ولكن القوات البرية الأمريكية سوف تكون حاضرة لمواجهة أي تقدم لمشاة كوريا الشمالية.

وقال بيكر: "إذا تحركوا إلى الجنوب، فسوف يتعامل معهم جنود كوريا الشمالية"، وقد تتقدم إلى داخل كوريا الشمالية في الأسابيع التي تلي ذلك، وهو ما قد يسبب المشاكل للولايات المتحدة، فعندما واجهت القوات الأمريكية نظيرتها اليابانية التي كانت تحتل جزرا مثل سايبان وأيو جيما، واجهت موقف في غاية السوء، فرغم أن الجزر كانت صغيرة، ولكنها مليئة بالأنفاق والجبال، ومما يزيد الأمور سوءً أن كوريا الشمالية لديها ما أسماه بيكر "جماعات مسلحة"، وهذا يعني أن المدنيين العشوائيين يمكنهم، أن يواجهوا القوات الأمريكية.

في الواقع، في وقت ما من هذه العملية، فإن الولايات المتحدة سوف تدمر البرنامج النووي لكوريا الشمالية، وقدرته على صنع واختبار الصواريخ بعيدة المدى. ولكن في هذه العملية أيضًا، سوف تكون بدأت حربًا كبيرة، تستمر على المدى الطويل.