فيسبوك

فليكر

مجتمع

ماذا تفعل النساء في مجموعاتهن المغلقة على فيسبوك؟

اخترقنا إحدى المجموعات السرية للنساء على موقع التواصل الأشهر والمعنونة بـ "wafress" لنرصد بعيون ذكورية ملامح العالم الأنثوي المحرم على الرجال
29.7.19

بعيداً عن صخب صفحات ومجموعات الفيسبوك المعروفة، وفي غفلة عن أعين الرجال، يقع عالم سري لنساء مصر فى مجموعة مُغلقة تحت مسميات يصعب على الرجال الوصول إليها، بل حتى مجرد التفكير فيها. من بين مجموعات عديدة اخترنا مجموعة مغلقة باسم "wafress" لتكون محور عملية اختراق لأغراض استكشافية لعالم النساء الافتراضي السري، يعود تأسيس المجموعة ذات المسمى الغريب لفتاة يظهر من حسابها الشخصي أنها في العقد الثاني من العمر، ولكنها كحال كثير من النساء لا يكشفن عن أعمارهن الحقيقية على مواقع التواصل الإجتماعي، ويظهر بوضوح من حسابها اهتماماتها وشغفها بالعمل في المجال التطوعي والخدمي.

إعلان

تضع مؤسسة المجموعة صورتها الحقيقية على حسابها الشخصي وتشير صفحة تعريف المجموعة إلى تاريخ إنشاءها الذي يعود إلى نحو عامين، وصل خلالهما عدد أعضائها إلى ما يزيد عن 246 ألف عضوة - حتى لحظة كتابة هذه السطور - يتشاركن يومياً نحو 40 ألف منشور، وهو بالطبع رقم يُعبر عن حجم التفاعل الكبير داخله. لم تكن "wafress" أولى المجموعات المخصصة للنساء والمغلقة عليهم، وإنما سبقها عدد آخر باء معظمه بالفشل لأسباب مختلفة، أهم نجاح الرجال فى إختراقها وكشف محتواها بشكل علني، وهو ما يخالف هدف هذا العالم المرتبط بانغلاقه على الجنس النسائي، ما يتيح لأعضائه منصة مريحة للبوح بالأسرار والمشاكل الإجتماعية والأسرية .

لسوء حظي فقد خلت قائمة أصدقائي من أي عضوة في مجموعات مغلقة، فكانت تجربتي فى البحث مُنصبه فى البداية على المسميات التقليدية لأي تجمع نسائي معتاد مثل "جروب للبنات،" "جت فى السوستة بنات فقط" وأثناء عمليات البحث فوجئت بـ "فيسبوك" يقترح عليّ في يسار الشاشة قائمة بعنوان المجموعات المقترحة يتصدرها اسم مجموعة wafress. الدخول للمجموعة بات التحدي الأصعب والأهم كونه مٌقتصر فقط على الفتيات/ النساء ؛ فلجأت إلى فتح حسـاب وهمي اخترت له اسم تقليدي يُعبر عن فتاة عادية "إيمان أحمد" كي لا أكون مضطرًا للجوء إلى المسميات الوهمية كـ "زهرة الفردوس" و"عاشقة الرحمن". اخترت تاريخ ميلاد وسطي لشخصيتي الوهمية في منتصف عام 1992، ليبدو في منطقة وسط بين أعمار المهتمات بمثل هذا النوع من المجموعات، وتجاهلت بقية المعلومات مع إخفاءها من صفحتي الشخصية.

عبرت بعض الفتيات في هذه المنشورات عن حبهم وإعجابهم ببعض الشباب على المجموعة، تخللها إعلان أخرى خبر خطوبتها من حبيبها، بينما استغاثت أخرى بالعضوات لبحث مشكلتها المتمثلة فى حبها لشاب لا يُعيرها اهتماماً

فور طلبي عضوية المجموعة، فوجئت بتنبيه يُطالبني بقراءة البوست المثبت في الجروب عند قبول الطلب للتعرف على القوانين، مع سؤال حول التزامي بمطالعة القوانين الخاصة بالمجموعة والالتزام بها، ثم سؤال أخير عن أسباب اشتراكي في المجموعة، فأجبت بشكل مختصر أنني أرغب في مشاركة الأفكار والاستماع لنصائح الأعضاء في الأمور الحياتية، وهو ما يبدو أنه لم يكن كافيًا لمسؤولة المجموعة، إذ جائني الرد بالرفض بعد 24 ساعة لأسباب يبدو أنها متعلقة ببيانات حسابي المحجوبة وردي المختصر على سؤال التسجيل. أصبح الاشتراك في المجموعة الآن أكثر تعقيداً، لكنني سرعان ما تذكرت حساب قديم خاص بإحدى شقيقاتي كنت قد أنشأته لها منذ سنوات، قبل أن تستغني عنه منذ فترة ليست بالقصيرة، فسارعت بالدخول إليه ومراجعة بياناته التي حرصت على أن تكون مكتملة على عكس الحساب الأول، وصححت خطأي الأكبر برد مستفيض على سؤال التسجيل، مع التشديد على أنني سأقرأ القوانين الخاصة بالمجموعة وألتزم بها، ثم أعلنت لهم أن رغبتي في المشاركة للإستفادة من "خبرات البنات خاصة أني عروس جديدة".

كانت الموافقة على دخولي منطقية ومتوقعة هذة المرة بعد ساعات قليلة جداً من تقديم الطلب. فور دخول المجموعة تصطدم بمنشور مثبت به أكثر من 32 قانوناً، تلفت أدمن الجروب وهي واحدة من ضمن 31 أخريين الأنظار إليها، مطالبة العضوات بالالتزام وإلا الطرد من المجموعة. الملفت فى القوانين رغم كثرتها شرط يمنع كما يطلق عليه فى اللهجة المصرية العامية "الكراش" أي الإيقاع بالنوع الآخر (الرجال في حالتنا). وهو ما قيل صراحة في القانون الذي حمل رقم ( 30 ): "ممنوع بوستات عن الكراش وإزاي وقعتيه والكلام ده."

حال المجموعة وتكاتف العضوات بين بعضهما البعض يظهر جلياً بداية من القوانين التي أتاحت طرح المشكلات الخاصة جداً للعضوات، بل خصصت لهما الإدارة رابط على موقع التواصل (صراحة) لمن تريد طرح مشكلتها الشخصية في المجموعة دون أن تكشف على هويتها. وكعادة أي تجمع نسائي فإنه لايخلو من بعض المقالب بهدف المرح، إذ وصل الحال بهما لصنع خدَعَه اقترحتها إحدى العضوات، وهي أن تدعي كل عضوة على زوجها أو خطيبها بأن أرسلت صورتها الشخصية إلى مدير جروب نسائي سري بغية الدخول إليه، لتصدم فى النهاية بأنه جروب "رجالي" استغل صورتها وتم تركيب وجهها الحقيقي على صورة راقصة، وأنها باتت أمام فضيحة تهز سُمعتها. انتشرت الخدَعَه بين العضوات و لكنها أتت بنتائج صادمة، حيث صاحت إحداهما بأن خطيبها سينفصل عنها بسبب مزاحها، بينما نفذتها عضوة أخرى في خطيبها كمحاولة لإصلاح العلاقة المتوترة بينهما مسبقاً، مرددة "أنا اصلا غلطانه فبنكشه يمكن تتحل، لو متحلتش يبقي هي كدا كدا بايظه أشوفه بس هيخاف عليا ولا لأ."

بنظرة سريعة على ما يتضمنه الجروب يظهر بوضوح أن جميع العضوات يظهرن بأسماء نسائية واضحة تخلو من الأسماء الوهمية التي كثير ما تختارها بعض الفتيات لاسماء حساباتهم على مواقع التواصل مثل جنة الفردوس والجرح من نصيبي

وصلات الضحك على الرجال والسخرية من ألفاظهم كانت محور مهم فى حديث العضوات كما يفعل الرجال أيضاً فى مجالسهم الواقعية أو على صفحات التواصل الاجتماعي، إذ خصصت واحدة منهم منشور تطلب من العضوات "تقليد" أسلوب الشباب في التعامل مع بعضهم، ليحصد البوست مئات التعليقات التي تضمنت عبارات من بينها "على وضعك يا كبير،" "يا شق،" "أخويا وحبيبي" و" يابرنس" وغيرها. بنظرة سريعة على ما يتضمنه الجروب يظهر بوضوح أن جميع العضوات يظهرن بأسماء نسائية واضحة تخلو من الأسماء الوهمية التي كثير ما تختارها بعض الفتيات لأسماء حساباتهم على مواقع التواصل مثل "جنة الفردوس" و"الجرح من نصيبي"، وغيرها. كما تخلو القائمة أيضاً من المسميات الشعبية المنتشرة على غرار "حبيبة حمادة " أو "محمد جوزي حبيبي" وهو ما يعكس التزام مسؤولي الجروب بضم الحسابات الحقيقية للأعضاء كما هو مُعلن فى قوانين المجموعة .

الحال لم يختلف كثيراً على صعيد صور الحسابات الشخصية للعضوات فقد غلبت الصور الحقيقية على صور الزهور ومشاهير الفن والرياضة وتنوعت الطبقات الإجتماعية والمراحل السنية للعضوات بين الطالبات، لاسيما مرحلة المراهقة إذ غلبت المنشورات تعبير الفتيات عن حبهم وإعجابهم ببعض الشباب على المجموعة، تخللها إعلان أخرى خبر خطوبتها من حبيبها، بينما استغاثت أخرى بالعضوات لبحث مشكلتها المتمثلة فى حبها لشاب لا يُعيرها اهتماماً، بجانب ضم الجروب للموظفات من عمال الصالونات التجميلية والمدرسات والمحاميات، الذين شاركوا الجروب بمشكلاتهن واستفساراتهن، مثل البحث عن دار حضانة قريبة لأطفالهن خلال ساعات العمل. كما لم تخل المجموعة من مناقشات ربات البيوت ومشاكلهن مع أزواجهن التي تتصدرها الخيانة، إذ خصصت إحداهن منشور تسأل العضوات فيه عن خبراتهم السابقة مع الخيانة الزوجية، فجاءت الردود بالمئات تؤكد خيانة ازواجهن لهن، وكان لافتًا بين التعليقات ما قالته إحدى العضوات أنها تركت خطيبها لمجرد أن الشك قد أصابها أنه يخونها مع فتاة آخرى.

إعلان

تطور النقاش إلى حد طرح إحدى العضوات موضوع للنقاش عن كيفية تعامل الزوجة مع زوجها في حال ضبطته متلبساً مع فتاة، لتنهال الاقتراحات التي كان من أغربها قول إحدى العضوات أنها ستوثق الواقعة بالصور ومن ثم تهديده بها لتنفيذ طلباتها كافة، بينما جاءت أكثر الردود عنفاً بأنها ستوثق الحادث بالصور، ثم ستقوم بالاعتداء عليه فى مكان حساس من جسده حتى لا يفعل ذلك مستقبلاً. وكان لمشكلات الحَموات نصيب كبير من أحاديث المجموعات النسائية، بين الجد والسخرية وعرض المشكلات. أما أكثر ما لفت انتباهي خلال جولتي في هذا العالم النسائي فكان روح التعاون ومشاركة الأفراح والمشكلات والأحزان، وحجم التفاعل الكبير مع المنشورات المتعلقة بها، على عكس فكرتي الشخصية عن شكل التعامل بين النساء وبعضهن.

قابلني تعليق فكاهي من إحدى العضوات تقول فيه أن ممارسة النكد كل يوم بإنتظام يساعد على حرق الدهون أكثر من ممارسة الرياضة

على رأس الاستفسارات وطلبات المساعدة التي قابلتها في عالم wafress تلك الخاصة بوصفات ومنتجات تفتيح البشرة وإطالة الشعر أو إزالة شعر الجسد، أفضل الأنواع، وأماكن بيعها، وبدا واضحاً لي من خلال تصفح الردود قوة العلاقات بين العضوات، وهي واحدة من أكثر الظواهر إيجابية داخل هذا التجمع النسائي المغلق، على الرغم من عدم وجود سابق معرفه بين الجانب الأكبر من أعضائه، إذ وصل الأمر لدرجة دعوة بعضهن البعض لحضور مناسبات اجتماعية، وامتدت العلاقة بينهما للمساعدات وإيجاد الوظائف وفرص العمل التي تحتل جانب كبير من المناقشات تشعر معه وكأنك انتقلت من مجموعة نسائية إلي أخرى خاصة بالتوظيف لكنها مقتصرة على النساء فقط، فتعلن إحداهن حاجتها لموظفة استقبال مشترطة كعادة حتى الرجال في المتقدمات بأن تكون ذات "مظهر حسن."

وعلى غير المتوقع فى التجمعات النسائية على المواقع الإفتراضية، تنتشر الصور الشخصية للعضوات على كثير من المنشورات، وهو ما يعكس الثقة والأريحية التي تتعامل بها العضوات داخل مجتمعهن المغلق، فإحداهن تنشر صورة شخصية حديثة مطالبة العضوات ذوات الخبرة بتعديلها على برنامج الفوتوشوب لإضافة " غَمَّازَةُ " تتمنى إضافتها، وهو ما قوبل باستجابة سريعة من أكثر من عضوة. أما أكثر ما قابلني في المجموعة النسائية طرافة فكان منشور وجهت إحدى العضوات لمن أسمتهم بـ "عشاق النكد والبكاء" لمساعدتها في اختيار أكثر فيلم تركي حزين كي تشاهده، لأفاجئ بتطوع العشرات بقائمة طويلة من الأفلام الحزينة، وكأنهم لا يشاهدوا غير هذا النوع من الأفلام والدراما. وقبل أن أترك المنشور قابلني تعليق فكاهي من إحدى العضوات تقول فيه أن ممارسة النكد كل يوم بإنتظام يساعد على حرق الدهون أكثر من ممارسة الرياضة.

* راعينا عدم نشر أي منشورات أو أسماء أو صور تكشف هوية أعضاء المجموعة الذين أشار إليهم المقال.