القلق المرضي

فليكر

صحة نفسية

هكذا تبدو الحياة بصحبة القلق المرضي

في البداية كانوا يتعاملون مع نوبات الهلع بالتعاطف، لكن سرعان ما انقلب الأمر إلى تذمر وشكوى واستعراض لكل النعم والأشياء الجيدة في حياتي والتي عليَّ أن أكون ممتنة لوجودها
2018 مارس 13, 10:25am

في عام 2014 قامت الممثلة الفرنسية ماريون كوتيارد بلعب دور امرأة مصابة بالقلق المرضي (anxiety) تدعى ساندرا في فيلم (يومان -ليلة واحدة) "two days, one night" طوال الفيلم تلاحق الكاميرا ساندرا بكتفيها المسدلين وهيأتها المتعبة فيما تحاول إقناع زملاؤها في العمل بالتصويت لصالحها بحيث لا تطرد من وظيفتها. الفيلم بسيط في أحداثه وحواراته وكمية الدراما التي يتضمنها ولكنه مع ذلك عبقري. الرحلة التي تخوضها هذه المرأة المنهكة لإنقاذ وظيفتها طوال يومين وليلة قد تبدو رحلة سهلة بالنسبة لشخص عادي، إذ تطرق بعض الأبواب وتطلب من بعض الأصدقاء أن يساعدوها بألا تطرد، ولكن الأمر أكثر تعقيداً بالنسبة لشخص يعاني حالةً جدية من القلق المرضي.

تحاول ساندرا بشدة طوال ساعة ونصف من الفيلم ألا تخضع لرغبتها الشديدة بالاستسلام والتخلي عن هذه الرحلة وبالتالي عن عملها. ترجو زوجها أن يدعها تعود إلى المنزل لتنام فقط، تتناول العديد من الأقراص المهدئة التي تساعدها على التوقف عن البكاء وتتنازع طويلاً مع أفكار تفزعها حول ما قد تؤول إليه الأمور. وحدهم الأشخاص المصابون بالقلق قادرون على فهم صراع هذه الشخصية ومعرفة الأثر المتعب لهذه الحالة النفسية على إيقاع الحياة اليومية. فالقلق لديهم تحول من كونه شعوراً طبيعياً، إلى كابوس دائم يرفض المغادرة ويمنعهم من إتمام الروتين اليومي بهدوء.

الحروب والنزاعات المستمرة، الخيبات السياسية والاجتماعية التي تلي الثورات، الضغوط الاجتماعية الهائلة لتحقيق أي نجاح، والشعور بالعجز في ظروف مماثلة، جميعها أسباب باتت توصل بالشباب العربي اليوم إلى درجات سيئة من القلق

يُعرّف اضطراب القلق المرضي وفقًا لـ منظمة الصحة النفسية الأمريكية (APA): بأنه شعور مزمن بالقلق والشد العصبي، وقد يصحبه تغيرات جسدية مثل زيادة ضغط الدم أو ضربات القلب السريعة، ويعد القلق أكثر الاضطرابات النفسية انتشاراً في العالم، حيث تشير إحصائيات عالمية إلى أن واحداً من كل ثلاثة عشر شخصاً مصاب بقلق مرضي. لا يوجد احصائيات لعدد المصابين بالقلق في العالم العربي، ولكن أشارت واحدة من الدراسات الحديثة إلى أن الاكتئاب، ويليه القلق، يشكلان أكبر عبء بين الأمراض النفسية في العالم العربي وترتفع الأرقام بشكل ملحوظ في الدول العربية التي شهدت نزاعات مسلحة مؤخراً مثل سوريا، اليمن، العراق وفلسطين. الحروب والنزاعات المستمرة، الخيبات السياسية والاجتماعية التي تلي الثورات، الضغوط الاجتماعية الهائلة لتحقيق أي نجاح، والشعور بالعجز في ظروف مماثلة، جميعها أسباب باتت توصل بالشباب العربي اليوم إلى درجات سيئة من القلق المرضي. وبغض النظر عن المسببات فإن القلق قد يحل ضيفاً دائماً طوال أشهر دون أن يستطيع المضيف التخلص من شعور عدم الارتياح الذي يلازمه ويفرض عليه أعراضاً جسدية منهكة. التقينا بعدد من الشباب للحديث عن هذه الأعراض، وكيف يتعاملون معها، وعن تجربتهم مع العلاج النفسي وغيرها من تفاصيل حياتهم اليومية مع القلق المزمن.

زين صالح، 24، خريج كلية الإعلام، يدرس ويعمل في مجال المسرح، يرسم ويكتب وينشط في العديد من المجالات، ولكنه وسط كل هذا يعاني منذ مدة مع قلق مزمن يعرضه في الكثير من الأحيان لسيناريوهات غير مريحة ضمن وسطه الاجتماعي. زين يعلم أنه مصاب بالقلق المرضي ولكنه لا يستطيع الهروب من المخاوف التي تطارده في كل وقت: "قد أبدأ فجأة بتخيل الكثير من الأشياء الغبية أو الغير واقعية دون أن أستطيع التخلص منها. مثلاً قد أشعر بالقلق لدى التفكير بالمستقبل أو إلى أين تتجه حياتي، أو قد ينتابني شعور مباغت بأني غير محبوب وأن أحداً لا يأبه فعلاً بوجودي. كل ذلك يسبب لي اضطرابات في النوم أو قد أنقطع عن الأكل لأيام نتيجة شعور دائم بالغثيان."

هذا الفزع المسيطر على أفكار ونفسية شخص ما لا يتوقف بسهولة ولا يمكن تشتيت الانتباه عنه حتى في وسط صاخب من الأصدقاء المقربين. يتحدث زين عن نوبة الهلع التي أصابته في إحدى السهرات: "كنت في حفل صغير مع عدد من أصدقائي، وفجأة ودون أي مبرر باغتني شعور بالهلع وتغير مزاجي كلياً وبدأت أشعر بضيق في التنفس وغثيان شديد فاضطررت إلى العودة إلى المنزل. أغلقت هاتفي وغرقت في البكاء لساعات."

زين صالح -الصورة من زين

سألت زين عما إن كان قد حاول التواصل مع أخصائي نفسي حول الموضوع للحصول على مساعدة، فأخبرني أن المحاولة سببت له نوعاً من خيبة الأمل: "أغلب النصائح التي حصلت عليها كانت سطحية. مضادات القلق أو الاكتئاب التي وُصِفت لي كانت تثبط همتي وتبقيني نائماً لفترات طويلة لذا أقنعت نفسي بوجوب استيعاب حالتي والتعامل معها دون مساعدة أحد. قد أعود لاستشارة طبيب مختص لاحقاً ولكن يجب أن أثق به أولاً أو أشعر أنه مهتم بحالتي لا أن يتكلم معي وعيناه نصف مغمضتين." شعور زين بعدم نجاح الحل النفسي الطبي قد يكون منطقياً، حيث أشارت دراسة لمعهد البحوث الطبية في مستشُفى ديل مار الاسبانية إلى أن 10% فقط من مرضى اضطرابات القلق يحصلون على العلاج المناسب. في محاولة للسيطرة على هذه المشاعر ونوبات الهلع أو منعها من السيطرة عليه يحاول زين أن يشغل وقته بأي عمل منتج: "أحاول أن أرسم أحياناً أو أن أكتب أو حتى أن أرتب غرفتي أو خزانتي، إن لم ينجح الأمر بمساعدتي على السيطرة على الشعور بالقلق، فقد يساعدني على محاولة النوم."

واحدة من رسومات زين خلال نوبة من نوبات الهلع -الصورة مقدمة من زين

سارة درغام، 25، مهندسة معمارية، تضحك من سؤالي عما إن كان لقلقها الدائم تأثير على نشاطاتها اليومية: "تأثير؟! إنه يشلني بالكامل." سارة ما تزال غير متأكدة من وجوب التواصل مع أخصائي نفسي حول هذه المعاناة اليومية ولكنها تشعر بآثارها على امتداد ساعات النهار: "هناك لحظات معينة أضيق فيها ذعراً من هذا الكم الهائل من القلق، فأشعر بقوة مفاجئة وأستغل خوفي كحافز لإنجاز عمل ما. لكن في أغلب الأوقات الأخرى تخرج الأمور عن سيطرتي ويبقيني الخوف لأيام كاملة دون أن أستطيع إتمام أي مهمة."

بالمجمل عندما أتعرض لنوبة قلق تتراوح الأعراض بين الغثيان والإقياء، تسارع نبضات القلب، البكاء العنيف، الانزواء لأيام في الغرفة، أو عدم القدرة على التحدث مع الآخرين لبعض الوقت

خلال ساعات من التفكير والقلق المرضي قد لا تستطيع سارة منع نفسها من البكاء، تحاول التكلم مع شخص مقرب أو قد تخرج للمشي لساعات طويلة تمارس خلالها هوايتها في التصوير التي قد تساعدها على صرف النظر عن بعض الأفكار السوداء. أحد أثار هذا القلق هو إبقاء صاحبه داخل دائرة أمان معينة لا يجرؤ على الخروج منها تماماً مما يؤثر على حياته الاجتماعية، كما تقول سارة: "يخيفني كثيراً احتمال أن تنتابني نوبة هلع وأنا في مكان أو ضمن محيط غير مناسب. قد أتجنب الخروج في الأيام التي أشعر خلالها بتقلبات في المزاج كي لا أحرج نفسي أمام أشخاص لا يعرفونني جيداً، وأكتفي أحياناً بالبقاء بين أصدقائي المقربين."

صورة من تصوير سارة درغام في محاولاتها للهروب من الافكار السوداء التي تسيطر عليها خلال نوبات القلق

أسوأ أوجه القلق الذي تعرضت له سارة حدث في الواقع مرة بعد أن أمضت ساعات مع أصدقائها كانت خلالها تشعر بالسعادة ولكن فجأة "باغتتني فكرة أنني لم أمضي مؤخراً الكثير من الوقت مع عائلتي. فكرة بسيطة ويمكن التعامل معها ولكنها قادتني إلى أسوأ حالات القلق التي انتابتني على الإطلاق،" تقول سارة: "بقيت في حالة بكاء هستيري لساعات وبدأت أشعر بضيق في التنفس وتشنجات في جسمي استمرت طوال الليل ولم ينتهي الأمر إلى أن أخذت دواءً مضاداً للتشنج وحاولت النوم."

زين خزام، 27، صيدلانية، تعمل في منظمة الهلال الأحمر، وتحب كتابة النصوص الأدبية التي قد تنشر بعضها فيما تحتفظ بأجزاء أخرى تعالج فيها قلقها في دفتر يومياتها. الكتابة أو الحديث مع صديق أو المشي وحيدةً هو ما يساعدها على تجاوز نوبات الهلع: "لا أستطيع أن أعرف بدقة درجة السوء التي أصنف تحتها ما يحدث معي نظراً إلى أن الناس يتجنبون التحدث في مثل هذه الأمور، فبالتالي لا يمكنني أن أقارن تجربتي لأدرك إن كان ما يحدث عادي أم سيء. بالمجمل عندما أتعرض لنوبة قلق تتراوح الأعراض بين الغثيان والإقياء، تسارع نبضات القلب، البكاء العنيف، الانزواء لأيام في الغرفة، أو عدم القدرة على التحدث مع الآخرين لبعض الوقت."

زين خزام -الصورة من زين

بالنسبة لعائلتها، كان التعامل مع هذه النوبات أمراً شاقاً جداً، كما تقول زين: "في البداية كانوا يتعاملون مع قلقي ونوبات الهلع بالتعاطف، لكن سرعان ما انقلب الأمر إلى تذمر وشكوى واستعراض لكل النعم والأشياء الجيدة في حياتي والتي عليَّ أن أكون ممتنة لوجودها، هكذا إلى أن أخرج من القلق بطريقة أو بأخرى. أعتقد أن التفهم يحتاج إلى طاقة كبيرة غير موجودة عند الجميع، كما وأنها غير موجودة في كل الأوقات."

أما تجربتها مع الاستشارة النفسية فهي حتماً أكثر مدعاة للتفاؤل من سواها إذ تعتبر أن اكتساب درجة من الثقافة في الصحة النفسية ساعدها على فهم الأمور بشكل أفضل: "كانت من أهم التجارب في حياتي. ساعدني المحلل النفسي على ترتيب أفكاري وفهم نفسي وبالتالي فهم العالم من حولي بشكل أفضل. أعتقد أن هذه التجربة هي واحدة من أفضل تجاربي، وحتى هذه اللحظة يشكل الاستشاري الذي أتعامل معه نقطة ارتكاز نفسية قوية بالنسبة لي."

غالباً ما أحتاج لأن أتكور في سريري وأهمس لنفسي مراراً: أنت بخير، كل شيء بخير، كل شيء سيكون على ما يرام، كل هذا القلق مؤقت وسينتهي قريباً، أنت بخير، ستكونين على ما يرام... إلى أن أهدأ

يارا ونوس، 26، خريجة أدب إنكليزي، فنوبات القلق جعلتها تفكر بحياتها بشكل مختلف. يارا تحاول تأسيس فرصة عمل لنفسها من منزلها بحيث تعمل بشكل مستقل بعد أن تخلت عن وظيفتها الأخيرة: "لم يكن القلق هو السبب الرئيسي لتركي العمل بالطبع ولكنه كان حتماً أحد الأسباب، وجودي لساعات طويلة في مكتب مغلق في شركة كان يشجع على تكاثف الأفكار السلبية والأسئلة الوجودية في دماغي التي كانت تفزعني. الأمر لم يكن سهلاً خاصة بوجود زملاء عمل قد لا يتفهمون تماماً هذا الضيق المفاجئ الذي ينتابني وحاجتي لمغادرة المكان."

القلق لم ينتهي هنا، إذ تخشى يارا من كونها قد اتخذت قراراً خاطئاً بتركها لعملها، أو من كون ملازمة المنزل قد تعتبر استسلاماً للقلق الذي تعاني منه مما قد يجعل حالتها أسوأ لذا تحاول أن تشغل نفسها بنشاطات اجتماعية وتطوعية تحبها لتساعدها على تسكين أفكارها. سألتها عن أشياء إضافية تساعدها على التخلص من شعور القلق المزمن فأجابت: "غالباً ما أتواصل مع إحدى صديقاتي وأتكلم بدون توقف عن كل ما أفكر به في تلك اللحظة إلى أن أهدأ. أغلب صديقاتي اعتدن على هذه الحالة وهذه الاتصالات المفاجئة ويعرفن تماماً كيف يساعدنني."

"هناك أمر إضافي وإن كان محرجاً قليلاً (تضحك) غالباً ما أحتاج لأن أتكور في سريري وأهمس لنفسي مراراً: أنت بخير، كل شيء بخير، كل شيء سيكون على ما يرام، كل هذا القلق مؤقت وسينتهي قريباً، أنت بخير، ستكونين على ما يرام... إلى أن أهدأ،" تعترف يارا.

اضطرابات النوم تبدو أسوأ ما تواجهه يارا من أعراض، تستيقظ جزعة في أغلب الصباحات فتبدأ بالبكاء لحظة استيقاظها، وتعاني من صداع دائم وتشنجات في المعدة كما تصفها: "هناك تساؤلات في ذهني لا تتوقف حول ذاتي ومستقبلي، ما الذي أريد فعله في حياتي؟ وهل اتخذت القرار الصحيح بخصوص كذا وكذا؟ وماذا لو لم أستطع تحقيق أية إنجازات تذكر في حياتي؟ في الشهور الأخيرة بدأت أشعر بهذه الأسئلة تلاحقني حتى خلال نومي."

"لقد قاتلنا بكفاءة، إنني سعيدة،" تقول ساندرا لزوجها في نهاية فيلم "يومان-ليلة واحدة". الحقيقة أنها لم تنجح في الاحتفاظ بوظيفتها، إذ لم يصوت الجميع لصالحها ولم تحصل من رب عملها على العرض الذي كانت تتمناه ولكنها مع ذلك تظهر مبتسمة في المشهد الختامي. "لقد قاتلنا بكفاءة،" في هذه اللحظة تدرك ساندرا أنها ربحت معركة أخرى تماماً فقد قامت طوال يومين بكل ما في وسعها وحاولت بشدة التغلب على كل مخاوفها وتعبها. المحاولة المستمرة رغم كل ما يفرضه القلق على صاحبه لا بد أن يحتسب انتصاراً له، وإن بدا انتصاراً صغيراً.