فلسطين

تصوير: علاء ضراغمة

دليل الجامعات للطلاب

تحدثنا مع خريجين فلسطينيين عن سبب عملهم في إسرائيل

"أشعر أنني قد ظلمت نفسي بدراسة الحقوق، أضعت سنوات من حياتي بالدراسة حتى أعمل عاملاً في إسرائيل
2.9.18

كانت الساعة الثانية صباحًا، الظلام يعم على مدينة بيت لحم، وتحديداً عند حاجز 300 الذي يربط الضفة الغربية بالقدس المحتلة والذي يوصف بأنه الأسوأ والأكثر اكتظاظًا من بين حوالي 100 حاجز إسرائيلي دائم في الضفة الغربيّة. بدأت بمشاهدة العامل تلو الآخر في طريقهم لعملهم، لا يبدو على وجوههم النعاس أو الغضب بسبب الاستيقاظ باكراً، وكأن حياتهم برمجت على هذا النظام: الاستيقاظ في ساعات الفجر الأولى. تراهم يشترون الخبز والحمص والفلافل من البسطات المخصصة للعمال، ومن ثم يقفون بالطابور أمام الحاجز كطلاب المدارس في الطابور الصباحي، إلا أن لا نشيد وطني هناك، بل صوت الجندي الاسرائيلي الذي ينادي عليهم بعربية مكسرة "يلا يلا" وإزعاج البوابات الحديدية وهي تُفتح وتغلق.

المرور عبر هذا الحاجز ليس أفضل جزء باليوم ولكن بالنسبة للعمال -الذين وصل عددهم للمئات خلال دقائق- يبدو أن الأمر أصبح جزءً من حياتهم، فبمجرد اقترابهم من الحاجز، يبدأون في فك الحزام وإخراج كل ما في جيوبهم للمرور من ماكينات الكشف عن المعادن، ومن ثم اظهار الهوية وتصريح العمل والبصمة أمام الجندي المسؤول، الذي يقرر إما السماح له بالمرور أم لا. في مايو، إختنق عامل فلسطيني حتى الموت عند نقطة التفتيش هذه بسبب الاكتظاظ.

في انتظار هؤلاء العمال على الجانب الآخر من هذه البوابات، وظائف متواضعة في المصانع ومواقع البناء والمزارع التي يمكن أن تستغل يأس العامل للعمل. الكثير من العمال الموجودين على الحاجز هذا الصباح، وفي كل صباح، هم من خريجي الجامعات الفلسطينية، الذين يعرفون أن الوظائف الأساسية الأقل مهارة في إسرائيل غالباً ما تدفع أجوراً أفضل بكثير من تلك التي سيحصلون عليها لو عملوا في مجال دراستهم.

إعلان

ذهبت للحاجز لأنني أردت مقابلة بعض العمال من خريجي الجامعات الذين يعملون بإسرائيل. لم يكن الوصول الى شباب من خريجي الجامعات يعملون بإسرائيل سهلاً، ليس لقلتهم، ولكن لأن هناك عدد قليل من الأشخاص المقربين جداً (عائلته واصدقائه) يعرفون بأن هذا العامل أو ذاك هو أصلاً خريج جامعة، المعظم يحب الاحتفاظ بهذه المعلومة لنفسه، حتى لا يتم تذكيره بهذه الحقيقة في كل مناسبة.

التقيت بعض العمال الذين وافقوا على التحدث معي، بشرط أن أعدهم بتوفير فرصة عمل لهم، وعندما أخبرتهم أنني لا أستطيع أكملوا طريقهم بصمت نحو الحاجز. مؤيد وحمزة وافقا على الحديث معي خلال الدقائق قبل وصول دورهم للمرور. مؤيد البالغ من العمر 27 عاماًِ، تخرج من كلية الحقوق على أمل أن يصبح يوماً ما "محامي أو قاضي،" ولكنه لم يجد عملاً في مجال المحاماة ويعمل حالياً في اسرائيل في مجال البناء: "أشعر أنني قد ظلمت نفسي بدراسة الحقوق، أضعت سنوات من حياتي بالدراسة حتى أعمل عاملاً في اسرائيل،" يقول مؤيد الذي رفض أن نأخذ صورته، ويضيف: "ملخص وضع خريجي الجامعات الفلسطينية الذين يعملون في اسرائيل كالتالي: الشاب المتفوق في الجامعة يعمل في الورشة تحت يد الشاب الذي لم يَدرس في حياته، لأن معه صنعة أو حرفة والمتفوق بكون عامل تحته."

حمزة

أما حمزة، 25 عاماً، في سنته الرابعة "آداب" في الجامعة، فيقول أنه يعمل في إسرائيل في مجال البناء لدفع مصاريف جامعته: "سأنهي الفصل الأخير في الجامعة هذا العام، وبعدها الله بفرجها،" يضيف حمزة قبل أن ينادي عليه مُعلمه للاستعجال. مؤيد وحمزة هما كالكثير من الشباب الفلسطيني من هذا الجيل الذين لم يحالفهم حظ الحصول على وظائف بما يتناسب مع تحصيلهم العلمي وكفاءتهم، وذلك مع ازدياد نسب البطالة بين الشباب المتعلم في فلسطين، حيث تشير نتائج الإحصائيات الأخيرة التي أجراها الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني إلى وصول معدل البطالة بين الشباب في الربع الأول من عام 2018 الى 50٪ بين الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 20-24 سنة.

ويقدر عبد الكريم النرداوي، رئيس وحدة التنظيم الخارجي وداخل الخط الأخضر في وزارة العمل الفلسطينية، عدد الخريجين الذين يعملون داخل اسرائيل بحوالي 35،000 عامل من ضمنهم 10 إلى 20% من خريجي الجامعات، ولكنه يتوقع أن يكون العدد الحقيقي أكبر من ذلك لأن هذه الأرقام لا تشمل العمال الفلسطينيين الذين يعملون في المستوطنات الاسرائيلية: "نحن لا نعترف فيهم بناء على قرار من السلطة الفلسطينية بعدم شرعية المستوطنات تحت القانون الدولي."

إعلان

شرعية المستوطنات من عدمها لا تشكل مانعاً للعمال الفلسطينيين من العمل هناك. المهم بالنسبة للبعض، هو الحصول على عمل وراتب جيد. بهاء، 29 عاماً، خريج ماجستير علاقات عامة من ماليزيا ويعمل حالياً كعامل تنظيفات في سوبرماركت في داخل مستوطنة اسرائيلية يقول أنه لا يوجد أي وجه للمقارنة بين الأجر الذي يتقاضاه في إسرائيل والأجر الذي كان ليتقاضاه لو عمل في بنك مثلاً. "كان من الممكن أن أحصل على وظيفة في بنك، وارتداء بدلة رسمية كل صباح، بدلاً من ملابس التنظيف، ولكن راتب البنك ليس كافياً للحصول على بيت وتكوين أسرة، لذلك لم يكن أمامي خيار آخر." في العادة، يبدأ موظف البنك براتب 2،200 شيكل (600$) أما الراتب الذي يحصل عليه بهاء كعامل تنظيف في إسرائيل فلا يقل عن 4،500 شيكل (1،200 دولار) غير ساعات العمل الاضافية، كما يقول. الراتب الشهري بالنسبة لبهاء بطريقة ما يستحق "المعاناة اليومية" على الحاجز كما يصفها.

بهاء

سألت بهاء إن كان يشعر بالندم على دراسته العليا فأجابني: "السنوات السبع التي قضيتها في الخارج ساعدتني على رؤية عالم آخر والتعرف على ثقافات مختلفة ولغة كانت كالكنز بالنسبة لي، ما أندم عليه هو عودتي إلى فلسطين فوضع البلد سيء جداًَ سياسياً واقتصادياً ولا يوجد فرص عمل للشباب الخريجين، الوظائف محتكرة لشريحة معينة من المجتمع من أصحاب الواسطة."

في مخيم العروب، جنوب بيت لحم، التقيت محمد وطارق. محمد، يبلغ من العمر 24 عاماً، حاصل على بكالوريوس في التمريض من جامعة القدس، يعمل حالياً في وظيفة غاسل صحون في مطعم إسرائيلي. "بعد السهر والتعب والامتحانات ودفع الأقساط الجامعية حيث لم أجد أي وظيفة للعمل في قطاع التمريض، لأن أغلب الوظائف كان يتم فيها تفضيل الممرضات الإناث،" يقول محمد الذي يشير الى أنه لم يستطع الجلوس بدون عمل خاصة بعد ما دفع أهله مصاريفه وأقساطه الجامعية. "في بداية عملي، لم أتمكن من الحصول على تصريح عمل، كنت أعمل بشكل غير شرعي ولم يكن لدي المال الكافي لدفع المبلغ للسمسار الإسرائيلي، وكنت مجبراً على البقاء في إسرائيل والنوم في مكان العمل لعدة أيام،" يضيف محمد والذي تمكن أخيراً من الحصول على تصريح عمل من المال الذي حصل عليه من عمله. "دفعت بمبلغ 6،000 شيكل للتصريح" -أكثر ست مرات من سعر التصريح النظامي.

محمد

دخول العمال الفلسطينيين إلى إسرائيل لا يتعلق فقط بالاستيقاظ باكراً للمرور عن الحاجز. ولكنه مرهون بتصريح عمل يحصل عليه العامل الفلسطيني من قبل من قبل السلطات الاسرائيلية، ولا يمنح هذا التصريح إلا ضمن شروط معينة منها: أن يكون عمر العامل قد تجاوز 22 عاماً، وأن يكون متزوجاً ولا يوجد عليه أي مخالفة عند الإسرائيليين بمعنى انه لم يتجاوز أو يتعدى القوانين الاسرائيلية، وأن يدفع مبلغ يساوي 1،000 شيكل (300 دولار) سعر التصريح النظامي. معظم الشباب لا تنطبق عليهم هذه الشروط، مما يضطرهم لشراء التصاريح من الوسيط الاسرائيلي أو ما يسمون "بسماسرة التصاريح" بمبلغ أعلى من السعر الحقيقي والذي قد يصل الى 6،000 شيكل (ما يعادل 1،800 دولار).

حسب الأرقام التي لدى وزارة العمل الفلسطينية هناك 80،000 تصريح لمن يعملون في اسرائيل، أكثر من النصف يعملون في قطاع البناء، لأن الإسرائيليين لا يعملون في البناء باعتبارها مهنة خطرة، حيث يشير تقرير لصحيفة هآرتس الاسرائيلية أن 54 عامل بناء لقي حتفه في حوادث العمل في إسرائيل في عام 2015 فيما أصيب 50،000. كما أن معظم من يعملون بدون تصريح لا يحصلون على أي حقوق كعمال سواء بالحصول على الحد الادنى من الاجور او طريقة التعامل معهم.

إعلان

طارق، 26 عاماً، من شمال الخليل، خريج كلية التربية الرياضية: "تخرجت عام 2014 وحتى يومنا هذا لم أجد وظيفة بشهادتي رغم محاولاتي العديدة. تقدمت للقطاع الحكومي، ودائماً كنت أنجح بامتحان القبول ولكن للأسف مادة الرياضة غير معترف بها كتخصص مستقل بنفسه، ولا تأخذ ذلك الحيز من إهتمام الحكومة حيث من الممكن أن يعلمها أستاذ التاريخ مثلاًَ أو أي أستاذ آخر في المدرسة." يضيف طارق أنه بعد أربع سنوات من البحث عن عمل بدون نتيجة قرر أخيراً أن يعمل في إسرائيل: "بدأت العمل بالدهان في داخل اسرائيل، يقول طارق: "موقع عملي يبعد عن بيتي فعليا 15 دقيقة ولكنني أستيقظ من الساعة 3 صباحاً، ليس لبعد المسافة وإنما كي استغل الوقت بعبور الحاجز بسبب الأزمة وكثرة العمال."

طارق

بالنسبة لطارق، الدخل الذي يجنيه من الدهان أعلى بكثير من راتب أي معلم في مدرسة حكومية والذي لا يزيد عن 3,000 شيكل (800 دولار) فيما يُحصل طارق بالشهر 10،000 شيكل (2,800 دولار) عند عمله ساعات عمل إضافية. "هذا المردود المادي جيد جداً لشاب بعمري، ولكن هذا كله على حساب صحتي وحياتي، فكل ساعات اليوم أقضيها بالذهاب والعودة من وإلى العمل. هذه ليست الحياة التي كنت أطمح لها، فأنا خريج رياضة ولست صاحب صنعة،" يقول طارق.

الغالبية العظمى من الشباب العاطلين عن العمل يلقون اللوم على الحكومة الفلسطينية لعدم وجود شواغر عمل للخريجين الجدد، ولكن عبد الكريم، من وزارة العمل الفلسطينية، يرى أن المشكلة أكبر من وزارته: "عدد خريجي الجامعات الفلسطينية هو 40،000 خريج سنوياً معظمهم يتقدمون للعمل بالوظائف الحكومية لكن الحكومة لا تستطيع تأمين الوظائف لهذا العدد" وتشير التقديرات إلى أن السوق الفلسطيني المحلي يستوعب حوالي 8 آلاف وظيفة فقط سنوياً فقط. ويضيف عبد الكريم أن الحلول التي توفرها السلطة الفلسطينية لمساعد هؤلاء الخريجين هو "منحهم قروض صغيرة من دون فوائد للاستفادة منها بفتح مشاريع صغيرة تعود على هؤلاء الشباب بالمردود المادي الجيد."

لعقود من الزمن كان الفلسطينيون ينظرون للتعليم كسلاحهم الوحيد للحفاظ على هويتهم ومقاومة الاحتلال الاسرائيلي، حيث تعتبر نسب التعليم هناك من الأعلى في العالم. لكن هناك شعور عام بين الشباب الذين التقيتهم بأن التعليم الجامعي لم يعد عليهم بالنفع، فبعد كل تعب السنين وصرف المال والجهد، يرى الشاب أن فرصته لتأمين لقمة العيش تكمن في العمل في وظيفة لا تناسب شهاداتهم في إسرائيل. ويبدو أن إحساس الذنب يبرره الشباب بعدم وجود بدائل أفضل في أرض محتلة: "سأشعر بالذنب إذا جلست في المنزل من دون عمل، نحن في بلد محتل وكل شيء مفروض علينا فرضاً،" كل شيء حتى هويتي الفلسطينية مختوم عليها بالعبري فلماذا أشعر بالذنب؟" تتردد كلمات حمزة قبل أن يركض للحاق بدوره على الحاجز.

جميع الصور من تصوير علاء ضراغمة.