المسرح في غزة يخنقه الحصار والتقاليد القاسية

تصوير: عبد الكريم هنا

مسرح

المسرح في غزة يخنقه الحصار والتقاليد القاسية

المجتمع قاسي جداً علينا
7.8.18

"ابرة بنج" هو إسم مسرحية جديدة مدتها 70 دقيقة تتحدث عن الوضع في غزة في قالب من الكوميديا الساخرة، يستعد مجموعة من الشباب المسرحيين لعرضها في مركز *سعيد المسحال الثقافي في مدينة غزة خلال ثالث ورابع أيام عيد الأضحى المبارك في محاولة للإبقاء على هذا الفن في ظل التحديات السياسية والاجتماعية. تركز أحداث المسرحية التي كتبها ويخرجها ادريس طالب، (27 عاماً) مخرج وكاتب مسرحي، على الواقع الذي يعيشه أهل غزة والتي تتجسد في حارة بها مجموعة شباب حظهم سيء، حيث تتناول المسرحية بشكل كوميدي ساخر القضايا والمشاكل التي تعاني منها غزة من بطالة وانقطاع الكهرباء والمياه وإغلاق المعابر والحصار، ولكن تتغير الأمور بعد أن يجد هؤلاء الشباب آلة زمن تمكنهم من العودة الى أهم التواريخ الفلسطينية لكي يغيروا تفاصيل الأحداث التي وصلت بهم الى هنا.

ادريس طالب

ويعمل إدريس في هذا المجال منذ 8 أعوام، تأثر بزوج عمته الذي كان مخرج في الأردن وطور من نفسه حتى أصبح مخرج لفريق مسرحي اسمه "مسرح فلسطين" أسسه عام 2010 ويضم 25 شاب وفتاة، عرض خلالها 10 عروض مسرحية تناولت القضايا الفلسطينية والمشاكل التي يعاني منها أهالي غزة. آية السماك، 21 عاماً، هي واحدة من أعضاء الفريق وتقوم بدور الفتاة الطموحة في المسرحية، تدرس إدارة أعمال، انضمت الى المسرح منذ خمس سنوات: "دوري في المسرحية هو البنت التي تحلم بأن تكون مذيعة ولكنها غير قادرة على تحقيق حلمها لأن أهلها رافضين فكرة عملها كمذيعة والمجتمع تعيس لا يعطيها فرصة، لذا قررت الهرب من الأهل بأن تتزوج انسان متفتح لتحقيق طموحها، ولكن للأسف الشاب الذي يتزوجها غير متعلم وتفكيره سلبي أكثر من الأهل."

الناس بتشوف أن البنت بتروح على المسرح للعب وتضييع الوقت والحكي مع الشباب بس

"المسرح شيء راقي جداً ولدي استغراب كبير من نظرة المجتمع له، عائلتي تشجعني وتدعمني، ولكن لازال المحيطين بي لديهم آراء سلبية ونظرة غريبة للمسرح،" تقول آية، والتي تشير أن المسرحيات التي تعرض بغزة تناقش قضايا مهمة، مثل أول مسرحية شاركت بها بعنوان "أخوة في الميراث" حيث قامت بدور الأخت التي حُرمت من حق الميراث وتحتمي بالقانون لجلب حقها: "الناس بتشوف أن البنت بتروح على المسرح للعب وتضييع الوقت والحكي مع الشباب بس، هم يقيدون حرية الفتاة بحكم العادات والتقاليد لذلك نحتاج لتوعية المجتمع وتغيير نظرتهم الى المسرح بأنه فن راقي وجميل."

آية السماك

عبد القادر دويك، 24 عاماً، والذي أنهى دراسته في الحقوق، ولمن لديه شغف المسرح منذ الصغر، فيقوم بدور مختار الحارة: "المختار يعطي أمل للناس باستمرار من خلال استماعه لراديو اسمه ابرة بنج، ويخبرهم في كل مرة أن الأمور تتجه إلى الأفضل، المصالحة قادمة أو فك الحصار وعودة الكهرباء والمياه، والناس بتسمع كلامي بحكم انني المختار، ولكن بالنهاية المختار أول شخص يفقد الأمل."

وقد جسد عبد القادر جسد العديد من الأدوار المسرحية من بينهم دكتور كوميدي في مسرحية الخانكة: "التي كانت تتحدث عن تأثير الحرب الأخيرة على الشباب في غزة والتي أثرت على حالتهم النفسية بشكل سلبي: "المسرحيات الكوميدية جميلة جداً وهي قريبة على قلبي أكثر من غيرها. المسرح كل شيء بالنسبة لي ولغيري من أعضاء الفريق، هناك راحة كبيرة نشعر بها حينما نمثل، وكثيراً ما هربت من عملي من أجل البروفات والتمثيل لأنه هو شغفي الوحيد في الحياة."

عبد القادر دويك

ويوافق عبد القادر آية على أهمية تغيير نظرة المجتمع للمسرح، فعلى الرغم من أنه شاب، والخيارات أسهل وأوسع بالنسبة له، إلا أنه يقول أن المجتمع المحيط به كان عائق أمام تحقيق حلمه المسرحي: "أحب التمثيل والمسرح منذ الصغر ولكن عائلتي لم تشجعني أبداً ولم تتقبل فكرة المسرح، تعودت أن آخذ حريتي في اختياراتي وأفعل ما أريده ولكن جميعنا بحاجة الى دعم الأهل وتشجيعهم، للأسف لم أجد أي نوع من الدعم حتى اللحظة ولكني مستمر في مجال المسرح لأني أحبه وأرى نفسي فيه."

شيماء الأشقر، 15 عاماً، انضمت إلى مسرح فلسطين في ظل تشجيع العائلة وتقول عن دورها: "دوري في ابرة بنج هو ناقر ونقير هي وأخيها، طفلة شاطرة ومثقفة، تفكر دائما كيف تساعد الحارة بأن يغيروا واقعهم و يعتمدوا على حالهم، وتكون ضد إبر البنج التي يعطيها المختار للحارة،" تقول شيماء الأشقر (15 عاماً) التي انضمت إلى مسرح فلسطين في ظل تشجيع العائلة: "عائلتي متفهمة أن المسرح أمر عادي لأنها ترى بأنه ليس عيب ولا حرام بغض النظر عن رأي المجتمع، وأنا رفيقة براءة بكل خطوات المسرح والبروفات وأهلي مطمئنين علي معها وهدفي هو الاستمرار بالمسرح والنجاح به."

شيماء الأشقر

براءة، 17 عاماً، هي ابنة خالة شيماء، وهي طالبة ثانوية، ترافق شيماء لتدريبات المسرح منذ عام ويشكلان ثنائياً مع بعضهن، وعن دورها في المسرحية تقول:" أقوم بدور الأخت التي تراقب أخيها دائماً وتحاول أن تنصحه أن لا يشرب مخدرات وممنوعات، ولكنها لا تستطيع منعه وبالنهاية يقوم باستخدامها في عمله الخطير بالمخدرات."

شيماء وبراءة محظوظتين بتشجيع عائلتهن ووقفوهن جانبهن على رغم الانتقادات والتحريضات السيئة التي تصل أهلهن من أجل اجبارهن على ترك المسرح والتي تتمثل في تشويه سمعة المسرح والحديث عن سوء الاختلاط بين الشباب والفتيات وتضييع الوقت بلا فائدة: "لا أتخيل حياتي بدون المسرح، أقضي وقت طويل في البروفات والتدريب، أما مع زملائي أو في المنزل مع ابنة خالتي شيماء، المجتمع قاسي جداً علينا وانتقاداته تقلل من قيمة المسرح الذي يجسد حياتنا ومشاكلنا في طريقة فنية رائعة،" تقول براءة.

براءة

وتطور المسرح في غزة مع عودة السلطة الفلسطينية عام 1992 حيث تشكلت عدة فرق مسرحية من بينها تأسست في قطاع غزة عدة فرق مسرحية منها ما غاب ومنها مازال يعمل إلى يومنا هذا. جميع الفرق المسرحية التي تأسست تناولت القضايا الفلسطينية على مدار السنوات وتنوعت بين الكوميديا والدراما وغيرها وكان المسرح قبل سنوات الحصار منفتح جداً، ولكن الأمر تغير بشكل كامل بعد تولي حماس حكم قطاع غزة حيث التي كان لديها سياسة رافضة لفكرة المسرح ومقيدة له بحكم العادات والتقاليد والدين والتي تمنع اختلاط النساء مع الرجال. ولكن مؤخراً أصبح هناك تسهيل للمسرح بسماح العروض المسرحية بين الحين والآخر، والآن لازال المجتمع متقيد بفكره وعاداته وتقاليده التي أثرت بشكل سلبي على المسرح.

والدتي كانت تقول لي دائماً أن الدراسة والعمل أهم من المسرح الذي لا يعود بدخل أو فائدة

ترى آية أن حرمان الفتاة من المسرح من التحديات الصعبة التي تواجهها كفتاة والمسرح كفن بشكل عام: "وجود الفتاة على المسرح مهم جداً ولا تكتمل القصة بدونها وتعطي لون وحركة، لا يمكن التخلي عن وجودها، بعض الشباب في المسرحية يجبر على تجسيد شخصية المرأة لنقص عدد الفتيات في المسرح بغزة وهذا أمر محزن جداً بالنسبة لهم لأنهم بحاجة لعنصر نسائي في المسرح فهو الذي يضيف الجمال للأحداث".

إبراهيم أبو شعبان، 23 عاماً، خريج كلية حقوق بدأ التمثيل قبل أربع سنوات، وشارك في عدد من المسرحيات يقول أنه بدأ حبه للتمثيل خلال المرحلة الإعدادية حيث كان متابعاً نهماً للمسرحيات ويمثل أمام المرآة ويكتب بعض المشاهد لوحده. ولكن إبراهيم أيضاً يرى أن المحيطين به كانوا مصدر للإحباط وسبباً في تفكيره لترك المسرح أكثر من مرة قائلاً: "والدتي كانت تقول لي دائماً أن الدراسة والعمل أهم من المسرح الذي لا يعود بدخل أو فائدة عليه، فلا يوجد عائد من المسرح بخلاف الدول الأخرى التي يبني الممثل المسرحي حياته المستقبلي وينشأ عائلة منه." ويقوم ابراهيم بدور "خريج جامعي وصديق مخلص، أحاول أن أعمل وأجمع الفلوس من أجل الهجرة إلى الخارج."

إبراهيم أبو شعبان

إدريس يعتبر أن نظرة المجتمع متفاوتة بالنسبة للمسرح فهناك فئة كبيرة تعتبره شيء غير مهم وهو للتسلية فقط دون فائدة ولهذا تمنع بناتها من الانضمام للمسرح وهذا ما أثر بشكل سلبي على تطوره كفن قائم بذاته: "عدم وجود فتيات في المسرح هو عائق كبير لعدم تفهم الأهالي لثقافة المسرح، وكثير من الفتيات كان لديهم حب التمثيل وتم تدريبهم لفترة طويلة ولكن بعد فترة يعتذرن على الاستمرار بسبب منع عائلاتهن لهن من التمثيل، وهذه مشكلة كبيرة نواجهها، حيث يعتبر الاهل المسرح وسيلة لعقاب البنات وحرمانهن منه."

عدم وجود مسرح كامل بكافة المعدات والتجهيزات هو أكبر تحدي، وهذا الواقع يضطرنا لعرض مسرحياتنا في قاعة مؤتمرات

"بالإضافة إلى نظر المجتمع السلبية للمسرح، هناك العديد من التحديات التي تواجه المسرح في قطاع غزة، عدم وجود مسرح كامل بكافة المعدات والتجهيزات هو أكبر تحدي، وهذا الواقع يضطرنا لعرض مسرحياتنا في قاعة مؤتمرات، لا يوجد فيها أي ديكورات أو معدات مناسبة للعرض،" يضيف إدريس مشيراً إلى أنهم يحاولون تغيير الواقع من خلال عرض المسرحيات مجاناً للجمهور، ما عدا فترة الأعياد حيث يتم تسعير التذكرة بـ10 شيقل فقط، اضافة الى التركيز على الممثلين الشباب، وتناول مشاكلهم بطريقة كوميدية ساخرة قريبة للقلب.

بالنسبة لهؤلاء الشباب من الممكن التغاضي أحياناً عن عدم وجود الأدوات المناسبة للعرض في بلد يعيش تحت الحصار الاسرائيلي منذ أكثر من عشر سنوات، إلا أن التحدي الذي لا يمكن التغاضي عنه أحياناً هو الاستقطاب السياسي الكبير في القطاع الذي يعاني من الانقسام الفلسطيني الفلسطيني منذ استيلاء حركة حماس على الحكم من فتح عام 2007.

جانب من البروفات

هناك قضايا أضرت بالمجتمع سببها حماس وفتح، عندما أكتب عن موضوع أخطأت به فتح بحق المجتمع سوف تمنعني فتح، وكذلك حماس نفس الشي

الانقسام بين حماس وفتح قيد حرية كتابة المسرح كما يقول ادريس:" هناك قضايا أضرت بالمجتمع سببها حماس وفتح وهما يقيدان حريتي في الكتابة، فعندما أكتب عن موضوع أخطأت به فتح بحق المجتمع سوف تمنعني فتح، وكذلك حماس نفس الشيء، أنا مرخص من السلطة الفلسطينية ولكنني أعيش تحت حكم حماس، هذا كله يقيدني ويمنعني، بالإضافة للحصار الاسرائيلي هناك حصار للفكر والرأي والحرية، ويتم اجبارنا على عرض قصص ركيكة لا تعبر عن الواقع ولا تجذب الجمهور."

على الرغم من هذه التحديات يرى إدريس أن المواهب المسرحية والرغبة موجودة في غزة، ولكن الحصار منع تطوير المسرح في غزة بسبب صعوبة تبادل الثقافات مع مدربين من خارج غزة لتحسين قدرات الممثلين لعدم قدرتهم على زيارة القطاع بسبب الحصار والمعابر. وعن ذلك يقول إبراهيم: "نحن نحتاج الى معهد أكاديمي لتعليم المسرح ونشر ثقافة المسرح في غزة، بدلا من الجهود الذاتية التي نعتمد بها على أنفسنا، فأنا أقضي وقتي بتدريب نفسي عن طريق كتب من الانترنت ومشاهدة المسرحيات لتعلم لغة الجسد والتدريب عليه."

قد يكون المسرح وسيلة للتفريغ النفسي وتفريغ الطاقة السلبية التي ولدتها الظروف المعيشية الصعبة في قطاع غزة وفرضها الحصار، ولكن هناك رغبة وحب أكبر من مجرد مكان للهرب من وضع صعب كما تقول براءة: "أمنيتي بأن أرى تبادل للمسرح بيننا وبين ممثلين من الخارج لكي يأتوا يشاهدوا أعمالنا وعروضنا المسرحية ويحدث انفتاح على الخارج."

جميع الصور من تصوير عبد الكريم هنا.

*تم تدمير المركز الثقافي حيث تمت المقابلة بالكامل خلال قصف اسرائيلي على غزة بعد يوم واحد من نشر هذا التقرير.