مرأة

قصص مرعبة من نساء مستقلات في مصر

"فوجئت بالمالك على عتبة بابي، لا يرفع يده من على الجرس. فزعتُ وفزعَ ابني الذي لم يتجاوز وقتها أربعة سنوات. قال لي: أنا لا أوجّر شققًا لمطلقات، وطردني"
15.3.21
charles-deluvio-X9bJm702f_c-unsplash

استيقظتُ أمس على خبر مروّع. امرأة تعيش بمفردها في مدينة السلام بالقاهرة، اقتحم جيرانها مسكنها أثناء زيارة صديقها لاعتقادهم أنها تستضيفه لممارسة الجنس. ضربوهما ولقت مصرعها بعد سقوطها من الطابق السادس. لا نعرف حتى الآن إن كان جيرانها ألقوها، أم كانت تحاول الهرب من الضرب المُبرح. في كلتا الحالتين، هذه جريمة قتل مبنية على أساس هويتها الاجتماعية كامرأة. تلك الجريمة البشعة ليست إلا قصة واحدة لامرأة واحدة من ضمن عشرات النساء اللاتي يتعرّضن لمضايقات لأنهنّ يعشنّ بمفردهنّ. عشرات النساء كادت أن تنتهي قصصهنّ نفس النهاية. نجونّ من القتل بأعجوبة، وما زلن في محاولات النجاة إلى الآن. كل ذلك، لأنهنّ لا يعشنّ في منازل الأسرة.

إعلان

أنا إحدى هؤلاء النساء. قضيت سنوات أستأجر شققًا سكنية بمفردي في القاهرة بعد استقلالي عن أسرتي. تعرّضتُ لمضايقات ومراقبات حرّاس العقار والجيران والبقالين ورجال المنطقة الذين لا يفهمون لماذا أسكن بمفردي كأنه واجب عليّ أن أشرح، وحق لهم أن يعرفوا.

قرأت قصة داليا - سيدة السلام، وتذكرتُ موقف كدتُ أفقد فيه حياتي مثلها. في عام ٢٠١٥ استأجرت شقة في حيّ ما، وكنت أتقاسم الإيجار مع زميلات سكن لهنّ نفس ظروفي. بدأ رجال المنطقة ومراهقوها يجتمعون تحت شرفتي بشكل يومي كل مساء. يترصدون لزميلات السكن ويتبعوهنّ على السلالم. كنّا نسمع خربشات خلف باب الشقة، ولا نعرف إن كانوا يحاولون اقتحامها أو يحاولون إرهابنا. حاولنا الحديث مع أولياء أمورهم، بلا أي فائدة. استمروا في الترصد والاجتماع تحت الشرفة يوميًا، قاصدين أن نراهم يشاهدون مقاطع فيديو لي في برامج مصرية أتحدث فيها عن النساء، ثم يصيحون بأعلى صوتهم: "شر*وطة."

بلغ الرعب مداه، فقررتُ الإبلاغ. أتى شخصًا من قسم الشرطة وسألهم لماذا تجتمعون هنا كل ليلة، فأجابوه: "أتصدّق مجموعة من الشرّاميط يعيشون بمفردهنّ بلا أب ولا أم؟" بعدها وبشكل يومي، كان يأتيني أمين شرطة، يسألني لماذا أسكن هنا، ويطلب رؤية جواز سفري وبطاقة هويتي أنا وزميلاتي وعقد الإيجار وبطاقات إثبات هويتنا كطالبات بالجامعة. تحول الأمر من بلاغ أقدمه، إلى كوني أنا المتهمة. ثم في يوم، نطق أحد الأشخاص اسمي في الشارع قبل دخولي البناية، التفت وجدته يهددني بحياتي إن لم أرحل من الحي. أسبوع واحد وكنتُ تركتُ مسكني وأبحث عن مسكن جديد.

إعلان

لماذا يترصد الناس للنساء اللواتي يعشنّ بمفردهنّ؟
إن كنتِ تُعرّفين نفسك كامرأة، فإنكِ تواجهين من الأمور أصعبها. إن كنتِ امرأة تعيش بمفردها، فالصعب يصبح أصعب. أما إن كنتِ امرأة تعيش بمفردها في مصر، فأغلب الظن أنكِ تعيشين جحيمًا يوميًا. تواجه النساء المستقلات في مصر العديد من الأزمات اليومية، بدءًا من محاولة تأجير عقار بمفردها وتعنُت ملاك العقارات، ومرورًا بنظرات الجيران وتحكّم حرّاس العقارات، ووصولًا إلى أقسام الشرطة.

يرفض معظم ملاك العقارات تأجير شقق سكنية لشابات بمفردهنّ. والسبب في ذلك هو اعتقادهم أن هؤلاء النساء "غير محترمات" لأنهنّ لا يعيشنّ في منزل العائلة. وإن قبلوا بالتأجير بعد تقصّي ممل عن لماذا تريد السكن هنا، ومَن يعيش معها، وأين عائلتها، فسيضعون شروطًا تأديبية لقبول التأجير. بعضهم يرفض زيارات الجنس الآخر للمُستأجرة. بعضهم يطلب بشكل صريح ألا ترتدي ملابس ضيقة أو شفافة. بعضهم يرفض الزيارات في العموم حتى لو من نساء. وبعضهم يضع ميعاد لدخول المنزل، حظر تجوّل ليلي.

لا تنتهي القصة هنا، بل تبدأ. تصبح المُستأجرة محل أنظار الجميع، بالأخص إن كان العقار في منطقة لا تسكنها الطبقات العُليا أو الأجانب. يراقبها حارس العقار، ويُبلغ المالك بكل تفاصيل حياتها: متى تخرج للعمل، متى تعود، مَن يُرافقها، مَن يزورها، مَن يبيتُ معها، ملابسها، تصرفاتها، إن كانت مُدخنّة، إن كانت غير محجبة، إلخ. ولا تفلت من فضول الجيران. الجميع مترقب للجارة الجديدة، مَن هي ولماذا تسكن بمفردها وتخالف النمط السائد الذي نعرف من خلاله النساء وهو الأسرة؟ لابد أن هناك سرًا. لابد أنها هاربة من عائلتها لأن سلوكها غير محترم. هي تعيش بمفردها، إذن هي غير محترمة ومُستباحة. أي امرأة تعيش دون رجُل سواء كان زوجها أو أخيها أو أبيها، هي هدف للترصد الذي وصل هذا الأسبوع للقتل. إليكم/نّ بعض المواقف المرعبة التي حدثت مع نساء يعشنّ بمفردهنّ في مصر.

إعلان

سألني إن كان الرجُل الذي زارني بالأمس هو والدي فعلًا
"أتعمّد دائمًا أن يظهر والديّ في الصورة عندما أذهب للبحث عن مسكن، لأن سكّان العقارات لا يقبلون بالتأجير لشابة بمفردها. أضطر للسكن في أحياء معروف أن تكلفة الإيجار فيها باهظة، لأتجنّب بعض المضايقات كالتحرش والترصد. في إحدى الشقق التي استأجرتها لم يكُن بها حارسًا للعقار. لكن حارس العقار المجاور كان تركيزه معي باستمرار. حتى أنه سألني ذات مرة بلهجة استخباراتية إن كان الرجُل الذي زارني بالأمس هو والدي فعلًا. واكتشفتُ أنه يُعطي معلومات عني للجيران مثل عملي ومواعيد خروجي وعودتي للمنزل." -هدى، ٢٧ عامًا

أختك كانت نازلة الفجر ومعاها شنطة سفر
"انتقلتُ مع عائلتي للسكن في كومباوند. في يوم كنتُ قررتُ السفر لقضاء عطلة قصيرة. فوجئت بأخي يتصل بي ويقول أن أحد أفراد الأمن اتصل به وقال له نصًا: أختك كانت نازلة الفجر ومعاها شنطة سفر، راحت فين؟." -علياء، ٣٠ عامًا

كانوا على استعداد لتلفيق قضية آداب لكلينا
"كان يزورني صديقي باستمرار في مسكني المؤجر بأحد أحياء وسط البلد. وفي يوم سمعنا دقات عنيفة جدًا على الباب. هددني الجيران إن لم أفتح، سيكسرون الباب بالقوّة. فتحتُ الباب وسألني أحدهم مَن هذا الشاب ولماذا هو في شقتي. ثم سحبونا على قسم الشرطة. سألني الضابط لماذا أعيش بمفردي ولماذا استضيف صديقي. اضطررت للتحايل على الموقف وأخبرته أنني مُدرسّة لغة إنجليزية وهذا هو تلميذي. ثم اتهمتهم باحتجازنا بشكل غير قانوني لأنه لا يوجد في قانون العقوبات ما يمنع الدروس الخصوصية في المنازل. تركونا بعد أن كانوا على استعداد لتلفيق قضية آداب لكلينا." -نانسي، ٣٢ عامًا

إعلان

أنا لا أوجّر شققًا لمطلقات، وطردني
"بعد طلاقي لم أجد شقة للإيجار بسهولة لأن ملاك العقارات لا يُريدون التأجير لامرأة بمفردها وبالذات لو مطلقة. فتعمّدت أن أقول أنني ما زلت متزوجة وزوجي يعمل بالخارج. لكن طليقي شعر بالغضب لأن صديقًا ساعدني في نقل أثاث منزلي للمسكن الجديد. فتحدث لمالك العقار وأخبره أنني مطلقة للانتقام مني. فوجئت بالمالك على عتبة بابي، لا يرفع يده من على الجرس. فزعتُ وفزعَ ابني الذي لم يتجاوز وقتها أربعة سنوات. فتحت الباب، فقال لي: لم تُخبرينني أنك مطلقة. أنا لا أوجّر شققًا لمطلقات، وطردني." -بسنت، ٣٤ عامًا

طلب حارس العقار مبلغ ٥٠٠ جنيه نظير سكوته
"استأجرتُ مع صديقي شقّة. وكان مالك العقار متفهمًا أنه لا يجمعنا شيء لمجرد أن صديقي مسيحي وأنا مسلمة. لكن في يوم طلب منّا الرحيل فجأة، وقال أن صديقاتي اللواتي يزوروننا ملابسهنّ ضيقة وشكلهم "شمال". طلبنا منه التأمين لكنه رفض وهددنا لو لم نخرج من الشقة، سيُبلغ عننا قسم الشرطة. علمًا بأن ابنه يعمل ضابط شرطة في نفس القسم. بعدها حاولنا استئجار شقة أخرى مع عدة أصدقاء. طلب حارس العقار مبلغ ٥٠٠ جنيه نظير سكوته أننا مجموعة شباب وشابات. رفضنا، فأبلغ مالكة العقار أننا سكّان غير محترمين وأننا نعيش مع بعضنا بلا رابط أسري. فوافقنا على إعطائه المبلغ. فاتصل بها وحلّ معها المسألة ولم يتدخل في شيء بعد ذلك إطلاقًا."-صابرين، ٢٦ عامًا 

كان يتصل بوالدي كل ليلة تقريبًا ليُبلغه تحركاتي
"استأجرتُ شقة بمفردي وكان حارس العقار يشبه المخبرين. كان يتصل بوالدي كل ليلة تقريبًا ليُبلغه تحركاتي. يصدّه أبي ويطلب منه عدم الاتصال. فيتصل مُجددًا ويُبلغه أنني أعود في ساعات الفجر بسيارات مختلفة كل مرة (يقصد أوبر). كان يتعمّد التسخيف على أفراد توصيل الطلبات ويرفض استخدامهم للأسانسير. وكان لدي في نفس العقار جار يعود كل ليلة مخمورًا. حاول في إحدى المرات اقتحام شقتي وكان والدي معي تلك الليلة الحمد لله. في مرة عدتُ من العمل لأجد باب الشقة شبه مكسور، فاستنتجتُ أنه نفس الجار حاول اقتحام شقتي مرة أخرى. طبعا، تركت المكان بعدها." -روان، ٢٥ عامًا

جاء الجيران مُسلحين بأسلحة بيضاء
"كنتُ أزور صديقي في منزله عندما سمعنا خبطًا على الباب. نظرنا من العين السحريّة، فكان الجيران مُسلحين بأسلحة بيضاء ويقفون خلف الباب والشرّ على وجوههم. فتحنا الباب، فطلبوا منه أن يعرفوا مَن أنا ولماذا أزوره. فاستجمعتُ شجاعتي وقلتُ لهم أنني طبيبة وجئتُ هنا لأفحصه منزليًا. لو لم أفعل ذلك، لكانوا قتلونا تلك الليلة." -جودي، ٢٧ عامًا

سبّونا وضربونا واتهموا والدة صديقتي أنها تعمل في تجارة الجنس
"أنا امرأة عابرة، ولكي أستكمل رحلة عبوري الجنسي كان عليّ الخضوع لعملية جراحية في مدينة أخرى. ساعدتني والدة صديقتي واستأجرت شقة لنا نحن الثلاثة لأقيم فيها بعد العملية لكوني غير قادرة على السفر حينها. كان يزورنا أصدقائنا شباب وشابات للاطمئنان عليّ. وفي يوم دخل صاحب العقار والسمسار وبعض الجيران الرجالة بالقوّة إلى الشقة. سبّونا وضربوا أصدقائي الشباب واتهموا والدة صديقتي أنها تعمل في تجارة الجنس وأجرت الشقة لهذا الغرض. فتّشوا المكان بأكمله ووجدوا القطن والشاش، فاعتقدوا أنني خضعت لعملية إجهاض. حاولت الشجار مع صاحب العقار، وهددني أنه سيُبلغ الشرطة. وهو تهديد أعلم أنه سهل التنفيذ. وضعي لم يكُن أفضل حال بالنسبة لامرأة عابرة في مصر. رضخنا للتهديد وطلبوا مننا (النساء) مغادرة الشقة في الحال. ثم احتجزوا الرجال في الشقة وضربوهم ضربًا مُبرحًا. اضطررت للمغادرة وبجسمي حوالي ٤٠٠ غرزة."-منى، ٢٢ عامًا

جميع الأسماء مستعارة.