رأي

شاهدت برنامج "رامز مجنون رسمي" حتى لا تضطروا لذلك

أرى أن الجميع مسؤول، القناة التي تعرض برنامجاً يقوم على التعذيب والاستهزاء بالضيف لكسب مشاهدات، والمقدم المتحرش، وأيضاً المشاركين الذين ينقصهم احترامهم لانفسهم
2020 مايو 13, 1:09pm
رامز مجنون رسمي

يوتيوب

مقيدون على كرسي بشكلٍ محكم، يصعقون بالكهرباء، ويرشون بالماء، يتم تلوين شعرهم بألوان مائية رائحتها كريهة، يقترب ثعبان من وجوههم، ويتم دفعهم للأعلى والأسفل، يمينًا ويسارًا، في مشاهد تقترب مما يعانيه السجناء السياسيون داخل السجون أثناء التحقيقات معهم. هكذا يتلذذ الفنان المصري رامز جلال في تعذيب ضيوفه خلال برنامج "رامز مجنون رسمي" الذي يعرض على شاشات الـ MBC منذ الأول من شهر رمضان وحتى الآن.

في المواسم الماضية، كان يظهر جلال متنكرًا ويفاجئ ضيوفه في نهاية الحلقة بخروجه من مجسم سمكة قرش أو متنكرًا بلباس غوريلا أو غيرها من الأشكال الغريبة، لكن في هذا العام قرر الاستعانة بالفنانة ومقدمة البرامج "أروى" لاستقبال الضيوف في برنامج تحت اسم "كشف الحقيقة." الهدف من هذه الحيلة، تقييد الضيف/ة بشكل محكم على كرسي معد خصيصًا للبرنامج، ثم في وسط الحلقة يخرج رامز -دون تنكر هذه المرة- ليفاجأ ضيوفه أو بالأدق "ضحاياه" من خلف بوستر ورقي كبير مطبوع عليه صورته، ويبدأ باستلام الضيوف من أروى وتعذيبهم بأشكال مختلفة.

لم نسمع عن اعتراضات من الفنانات حول الأسلوب الذي تعامل به رامز معهم أثناء تصوير الحلقات أو بسبب ألفاظه وإهاناته لهنّ والتي غالبًا سمعوها لأول مرة أثناء عرض الحلقة على شاشة التلفاز

يحاول رامز منذ البداية خداع الضيوف باسم البرنامج، حيث المسمى الحقيقي له "رامز مجنون رسمي" وهو عنوان يختصر الكثير، فاستخدام وصف مجنون ينبئ بتصرفات غير متوقعة لا يمكن أن يقوم بفعلها شخص "عاقل." وهو ما يحدث بالفعل. الحلقات مليئة بالصراخ، صراخ الضيوف، يصاحبه صراخ وصيحات مساعدي رامز، وتمنيات تصل حد البكاء أو الترجي من قبل الفنانين المشاركين من أجل فك قيودهم. كل ذلك يقابله رامز بالاستهزاء، واجبارهم على مناداته "بالأستاذ رامز" أو قول "رامز أحسن ممثل في مصر" واعترافات أو عبارات مدح أخرى، أي شيء في سبيل حصولهم على الحرية، وفي اللحظة التي يتم فك تقييدهم بالكرسي، يسقط الضحية في مقلب آخر، عبارة عن حوض ماء بارد.

من شاهد عدة حلقات من البرنامج، يعلم جيدًا أن جميع الحلقات متشابهة، فما فعله رامز مع ضحيته الأولى الفنانة غادة عادل، كرره تقريبًا بنفس الخطوات المتتالية مع جميع ضيوفه الآخرين، ذات الحركات السادية، لكن المختلف قليلًا كان أثناء استضافته ضيفاته لا ضيوفه، حيث تضمنت عباراته التحرشات الجنسية اللفظية والجسدية، كما حدث مع ضيفته أمينة خليل والتي ظهر فيها تحرشات جنسية جسدية واضحة. فلم يتوقف رامز عن الحديث عن أجزاء من جسدها، قبل أن يقترب منها ويقرصها من خديها على الرغم من تشديدها على أنها لا تريد منه أن يقترب منها. "رامز متمدش ايدك يعني متمدش ايدك" جملة بسيطة وفهمها بسيط، لكن من الواضح أن رامز لم يستطع كبح جماح غرائزه السادية والشهوانية.

في كل مرة يعود البرنامج للظهور خلال شهر رمضان، السؤال الذي لا أجد إجابة منطقية له هو لماذا يوافق الفنانون أصلاً على المشاركة؟ هل المال هو السبب؟ أم أنهم هم أيضاً دخلوا في اللعبة بحيث لم يعودوا يروا أنفسهم كفنانين سوى بحجم المشاهدات، حتى لو عددها مرتبط "ببهدلة وقلة قيمة" الفنان نفسه

"رزل وسخيف" مثلما وصفته خليل عندما سألتها أروى عن رأيها في برامج رامز، هي أبسط الصفات التي يمكن أن نطلقها على رامز الذي كلما شاهدت حلقة (فقط لأجل كتابة هذا المقال) أشعرني بالاشمئزاز أكثر وأكثر. رامز في كل برامجه يعتمد على التحرشات اللفظية والتقليل من ضيوفه بكلمات متحيزة جنسياً ومعيبة وساخرة، هذا غير عن الأذى الجسدي. وهذا ما دفع بعض المؤسسات الحقوقية النسوية للمطالبة بوقفه، وعلى الرغم من صدور قرار من نقابة الإعلاميين المصريين بوقف البرنامج ومنع بثه على أي وسيلة إعلامية داخل مصر، إلا أن القضاء الإداري رفض الدعوى المقدمة لوقف البرنامج. كما أعلنت قناة MBC السعودية استمرار بث البرنامج على اعتبار أنه "ليس من المنطقي أن يتم إيقاف برنامج حصد أكثر من 200 مليون مشاهدة لأول حلقتين فقط. وأن من لا يعجبهم العمل يجب أن لا يحرموا الآخرين من مشاهدته."

المشكلة إذن برأي القناة هي في الجمهور؟ في الواقع، في مثل هذه البرامج، أرى أن الجميع مسؤول، القناة التي تعرض برنامجاً يقوم على التعذيب والاستهزاء بالضيف لكسب مشاهدات، والمقدم المتحرش، وأيضاً المشاركين الذين ينقصهم احترامهم لأنفسهم. في كل مرة يعود البرنامج للظهور خلال شهر رمضان، السؤال الذي لا أجد إجابة منطقية له هو لماذا يوافق الفنانون أصلاً على المشاركة؟ هل المال هو السبب؟ أم أنهم هم أيضاً دخلوا في اللعبة بحيث لم يعودوا يروا أنفسهم كفنانين سوى بحجم المشاهدات، حتى لو عددها مرتبط "ببهدلة وقلة قيمة" الفنان نفسه؟

انتقادات عديدة واجهها رامز وبرنامجه خلال الأيام الماضية، كان من أبرزها انتقاد الإعلامية ليليان داود عبر حسابها على تويتر، حيث اعتبرت أن بعض الجمل التي استخدمها جلال في البرنامج تمثل إهانة كل النساء وتسليعهنّ بشكلٍ مهين، مستغربة قبول غادة عادل وضع نفسها في هكذا موقف. فيما كتبت الإعلامية آنيا الأفندي عبر صفحتها عن البرنامج "تكاليف باهظة.. لرسالة رخيصة تعتمد على التجريح اللفظي والعنف الجسدي." لكن لم نسمع عن اعتراضات من الفنانات حول الأسلوب الذي تعامل به رامز معهم أثناء تصوير الحلقات أو بسبب ألفاظه وإهاناته لهنّ والتي غالبًا سمعوها لأول مرة أثناء عرض الحلقة على شاشة التلفاز.

يشير البعض أن برامج رامز هي عبارة عن مشاهد تمثيلية وليس حقيقة، ولهذا يعتمد على استضافة مشاهير الممثلين والممثلات العرب. ولكن يبدو الرعب حقيقاً على وجوههم، ولست أفهم لماذا قد يوافق أي شخص "عاقل" أيضاً على أن يتم تعذيبه هكذا على العلن؟ هل الجميع مجانين رسمي؟ رامز ومن معه؟

هل هذا كله تمثيل؟ ومتفق عليه؟ خلال المواسم الماضية من برنامج رامز، خرجت بعض الأصوات التي تؤكد أن جميع برامج رامز هي عبارة عن مشاهد تمثيلية وليس حقيقة، ولهذا يعتمد على استضافة مشاهير الممثلين والممثلات العرب. ولكن يبدو الرعب حقيقاً على وجوههم، ولست أفهم لماذا قد يوافق أي شخص "عاقل" أيضاً على أن يتم تعذيبه هكذا على العلن؟ هل الجميع مجانين رسمي؟ رامز ومن معه؟

للإجابة على هذا السؤال، تحدثت مع الممثل والمخرج المسرحي والسينمائي الفلسطيني هنري أندراوس في محاولة لفهم ما يجري خلال بين رامز وضيوفه، من خلال خبرته العملية. يقول أندراوس "أن ما يفعله رامز، هو إعادة بعض الغرائز الطبيعية الموجودة بالأساس عند البشر للظهور بشكل علني، فنرى خلطة من السادية والعنف والرغبة بالأذى والإيحاءات الجنسية، وهذا هو ما يجذب ملايين الناس لبرنامجه."

يعتمد رامز كما يقول أندراوس على استضافة مشاهير من الممثلين/ات، وهذا لأنهم عبارة عن قيمة يرغب المشاهد بالتعرف عليهم أكثر من خلال هكذا برامج تعتمد على ردات فعلهم التي تظهر وكأنها طبيعية. وضرب أندراوس مثلاً على مشاركة الفنان باسم ياخور مع رامز، "الناس تحب مشاهدة ياخور مثلاً، كيف سيتصرف عندما يتم وضعه تحت ضغط معين، وما هي ردة فعله؟ وماذا سيفعل؟"

برأي أندراوس، يتصرف هؤلاء الفنانين بشكل تمثيلي يشبه أداء أدوارهم في أي فيلم أو مسلسل: "مثلاً حين يتم وضع ممثل لأداء دور في بيت عزاء، يتم توفير كافة الأجواء، من معزين أو وضع جثمان وكافة التفاصيل التي نمارسها جميعًا في بيوت العزاء الحقيقة، لذلك يشعر الممثل أنه في بيت عزاء حقيقي وبالتالي مشاعره وتعبيراته تخرج بصدق. المقصد، حتى لو كانت هذه المشاهد تمثيلية لكن الأجواء داخل الاستوديو تجعل الضيف/ة يتعاملون بشكل طبيعي، وأقرب للحقيقة، وهذا ما يطبقه رامز."

برنامج رامز لا يعتمد على سياسة واحدة في التعامل مع جميع الضيوف، بل يتم التعامل مع كل ضيف/ة بشكل مختلف، قد يتعلق بمدى قوة علاقة رامز بكل ضيف/ة، أو علاقة الـ MBC بالضيوف

يعتمد برنامج "رامز مجنون رسمي" على التصوير سابقًا، ومن ثم يدخل مرحلة المونتاج، وهنا يتم اقتصاص المشاهد واعتماد ما يخدم فكرة البرنامج فقط، وما دون ذلك يمكن تجاهله وحذفه بسهولة. لكن خبراء التمثيل مثل أندراوس يتنبهون لبعض السقطات من خلال لغة جسد الضيوف التي تفضح تمثيلهم. "كمشاهدين نرى الأجواء بشكل طبيعي، لكن مثلاً باسم ياخور كان واضحًا علمه مسبقًا عن المشاركة في برنامج مقالب، فطبيعة لباسه الكاجول والغير معتاد عليها أثناء مشاركته في غالبية البرامج مسبقًا، توحي أنه يعلم بما سيتعرض له من مقالب، لكن ربما لا يعلم كل التفاصيل." ويشير أندراوس إلى أن برنامج الذي يقدمه رامز لا يمكن أن يعتمد على سياسة واحدة في التعامل مع جميع الضيوف، بل يتم التعامل مع كل ضيف/ة بشكل مختلف، قد يتعلق بمدى قوة علاقة رامز بكل ضيف/ة، أو علاقة الـ MBC بالضيوف.

من يتابع رامز في بداية انطلاق برامجه قبل سنوات، يلاحظ مدى اختلاف ردات فعل الضيوف بعد اكتشاف المقلب في نهاية الحلقة، حيث كانت في الموسم الأول والثاني أكثر حدة، ووصلت حد تكسير الكاميرات وإطلاق عشرات الشتائم والضرب، بينما انخفضت حدة ردات الفعل وصولاً إلى الموسم الحالي: "ردات فعل الضيوف هذا العام، مسالمة جدًا، ولو لم يكن لدى الغالبية العظمى منهم العلم مسبقًا بمشاركتهم في برنامج مقالب وحصولهم على مبلغ مالي مرتفع، لكانت ردات الفعل أعنف بكثير مما نشاهده،" يقول أندراوس.

على ما يبدو أننا كمشاهدون نريد أن نصدق الكذبة حتى لو كنا نعلم أنها كذبة، غالبيتنا لا يريد أن يفكر أن كنا حقيقة نستمتع بمشاهد بمعاناة الفنانين إمام أعيننا في سبيل الترفيه والمال. البعض قد يريد مشاهدة المشاهير وهم مهانون على غير العادة التي اعتدنا أن نشاهدهم بها وهم يقومون بأدوار البطولة. إذا كانت أعداد المشاهدات تعكس الواقع، فيبدو أن المشاهد أيضاً لديه مشكلة. السؤال هو، من الذي سيوقف هذه البرامج التي تحاول جر ثقافتنا العربية للقاع وعلى مرأى منا جميعًا.