هوية

هل كانت الثورة نقطة التحول لمجتمع الميم في لبنان؟

بدون إصلاح اجتماعي واقتصادي وقانوني يرفع أصوات وحقوق الفئات المهمشة، سيواجه لبنان فترة متجددة من الاضطرابات الاجتماعية
غوى أبي حيدر
Beirut, LB
17.5.20
ثورة لبنان هوية مجتمع الميم
جرافيتي من بيروت. تصوير غوى أبي حيدر

في 17 أكتوبر 2019، نزل اللبنانيون إلى الشوارع بمطالب موحدة ومشتركة، وهي القضاء على الفساد، واسترجاع الأموال المنهوبة، ومحاسبة السياسيين وتغيير السلطة الحاكمة ورفض سياسات المصرف. شارك الجميع هذه المظاهرات الثورية من مختلف الطبقات والخلفيات. ظهر الشارع بشكل جديد تماماً، حاضناً للجميع، ومن ضمنهم مجتمع الميم أو الكوير أو LGBTs الذين نزلوا للمطالبة بحقوقهم كلبنانيين ورفضاً للقمع والاضطهاد الممارس ضدهم من السلطات السياسية والدينية.

إعلان

أذكر أنّ خلال يوم مواجهات على جسر الرينغ (جسر في بيروت كان يتم التظاهر عليه)، احتدت المواجهة قليلاً بين الثوار وأفراد تابعين لأحزاب السلطة، كنت يومها أصور ما يجري ولفتني فتاة تتشاجر مع أحدهم، اقتربت منها أكثر لأنّني شعرت بمسؤولية مرافقتها. كان شعرها على الزيرو تقريباً، وكنت أرتدي جينز أحبّ أن أصفه بـ"المريح" -أي لم نبد بكامل "أنوثتنا." نظر إلينا الرجل وتوقف عن الصراخ لثوانٍ قصيرة وقال "إنت مأشطة بنطلونك، وانت حالقتيلي قرعة. إنتو بدكن تعملو ثورة؟" لا أعرف ما الرابط بين الاثنين، لكن الموقف كان محزناً ومضحكاً وغريبًا، ويبدو إن الرجل نفسه دخل بأزمة وجودية، حتى هو لم يفهم الرابط، هل أصبح ممنوعاً علينا أن نشارك بالثورة فقط لأنّنا لا نشبه الشكل النمطي للأنثى؟

أقول هذه القصة، لأوضح حجم الرهاب المجتمعي الذي يعاني منه مجتمع الكوير في لبنان. فبالإضافة إلى الخوف من الاختلاف السياسي والقمع البوليسي، هناك رهاب آخر لا يواجهه الجميع، ففي كل مرة يقصد أي شخص كوير الشارع، يحمل معه خوف إضافي من نظرة الآخرين له وطريقة تعاملهم معه. ورغم هذا الخوف، العدد الكبير من الثوار الكويريين المشاركين جعل الشارع بيئة آمنة، ربما كانت المرة الأولى التي نَعي فيها، أننا لسنا وحدنا، كانت المرة الأولى التي نقابل من يشبهوننا دون خوف -انتقلنا من فئة تتقابل في السر، وتخاف أن تمشي وحدها ليلاً، إلى فئة تصرخ وتكتب وترفض وتقود مسيرات.

التحديات التي نواجهها كمجتمع لا تنتهي، ابتداء من التنمر والتشدد الديني وعدم التقبل ورهاب المثلية في بعض المؤسسات (وبالتالي صعوبة التوظيف)، وانتهاءً بالعنف من قبل العائلة، وجرائم القتل

برأيي، قد يكون هذا أول مكسب للثورة. لقد تمكنا من المواجهة المباشرة مع الشارع المعاكس، ورسم هوية سياسية جديدة. لم نعد نطالب بحقوقنا بشكل مخفي من خلال جمعية، كنّا نطالب بحقوقنا بصوت عالٍ. طبعاً، حاول "مطبلو" السلطة استغلال وجود الكويريين لترهيب الناس من الثورة (طبعاً من خلال استغلال الموقف الديني من المثلية) ورغم هذا لم ينجحوا، وبقي العدد كما هو، وبقيت المطالب غير مشوهة وواضحة من خلال منصات السوشيال ميديا، والجرافيتي، والهتافات والشعارات.

شخصياً، أشعر أنّ أكثر تحدٍ واجهني هو السرية الدائمة وكيف علينا أن نتصرف كأشخاص آخرين أمام العائلة أو حتى زملائك في العمل. في الواقع، التحديات التي نواجهها كمجتمع لا تنتهي، ابتداء من التنمر والتشدد الديني وعدم التقبل ورهاب المثلية في بعض المؤسسات (وبالتالي صعوبة التوظيف)، وانتهاءً بالعنف من قبل العائلة، وجرائم القتل. كل شيء يقف ضدنا بما في ذلك القانون، حيث تنص المادة 534 من قانون العقوبات اللبناني على: "كل مجامعة على خلاف الطبيعة يعاقب عليها بالحبس حتى سنة واحدة." وعلى الرغم من إصدار بعض المحاكم (مناطقياً) قرارات ترفض هذه المادة لأنّ النص لم يحدّد مفهوم الطبيعة وما يعدّ مخالفًا لها، لكن ما زالت المادة تُستغل ضد كثيرين.

تقول رشا يونس، باحثة في قسم حقوق مجتمع الميم في هيومن رايتس ووتش أن أهم التحديات التي يواجهها أفراد مجتمع الـ LGBTQ في لبنان، هو أنّ حقوقهم الأساسية غير موجودة، وليست محمية، وتضيف: "القوانين في لبنان لا تزال تعتبر العلاقات الجنسية المثلية جريمة، ويتم عقابهم بالسجن لمدة تصل إلى عام واحد. كما لا يزال العابرين والعابرات يواجهون عنفًا وتمييزًا جنسياً، كما يواجه أفراد الميم تحديات بسبب التمييز الذي يواجهونه في العمل والسكن والرعاية الصحية والمجتمع. حتى هذه الصعوبات تطال الباحثين، فإن التجريم هذا، إلى جانب االنقص في البيانات والمواقف العدائية أو غير المبالية لقوى الأمن والسلطات تجاه حقوق المثليين، يجعل إجراء بحث عن المثليين أكثر صعوبة."

هناك اختلاف، لكن يوحدنا أمر واحد وهو "المجهول." لا نعرف ما هي الخطوة التالية. كما أنّنا نعيش في سجن وهو "أجسادنا" خائفين من العالم في الخارج أو غير قادرين على الخروج إليه"

في ظل هذا الوضع، هل نجحت الثورة في إحداث أي فرق؟ قررت التحدث مع عدد من الكويريين الذين شاركوا في فيديو أصدرته هيومن رايتس ووتش مؤخراً بعنوان "إذا مش هلأ، أيمتى؟" تخبرني ملاك، 26 عاماً (بيروت، صانعة أفلام)، أن التحدي الأساسي الذي يواجه الجميع في لبنان وعلى رأسهم مجتمع الميم هو الوضع الاقتصادي الصعب، وتضيف: "هناك رجل كوير في طرابلس يحاول يبقى على قيد الحياة خلال هذه الأزمة وتأمين أقل احتياجاته. هناك امرأة عابرة بالسر عن أفراد عائلتها محجورة معهم. هناك entertainment worker كوير تحاول إيجاد طريقة لدفع الإيجار في نهاية الشهر. هناك مثلية تحمل مكبر الصوت في الشوارع وتثير الشغب وترسم على الجدران. وهناك مثلي يعيش في شقة في مار مخايل وحده. هناك اختلاف، لكن يوحدنا أمر واحد وهو "المجهول." لا نعرف ما هي الخطوة التالية. كما أنّنا نعيش في سجن وهو "أجسادنا" خائفين من العالم في الخارج أو غير قادرين على الخروج إليه."

أما رنا، 32 عاماً، من بيروت، فترى أنّ المشكلة الأساسية التي يواجهها مجتمع الميم في لبنان، فتتعلق بالمشاكل والخلافات بين أفراده: "في مثل هذه الأوقات نحتاج إلى أن نكون متحدين أكثر من أي وقتٍ مضى. لا يمكننا القيام بذلك إذا كنّا مقسمين داخليًا. هناك الكثير من الخلافات والمشاكل والصراعات بين أفراد مجتمع الميم، وهذا تحدي كبير، فنحن نواجه قمع من المجتمع المحافظ بالأخص المتشدد أو المتعصب دينياً وبحاجة إلى أن نتوحد. أحياناً، نظن أنّنا على ما يرام، حتى يتم اغلاق حفلة أو فعالية LGBTQ أو حفلة فنان مثلي، كما حصل مع حفلة مشروع ليلى في بيبلوس."

على الرغم من التحديات، إلا أن ثورة 17 أكتوبر، كان نقطة تحول لا يمكن أن ننكرها. الشارع، احتضن المهمشين، ومن بينهم مجتمع الميم بجميع فئاته. كان هناك مساحة أمان، كان هناك مساحة للتعبير، وكان هناك تذكير أنّ "التغيير يأتي الآن." أظن أنّ أفضل ما قدّمته الثورة لمجتمع الكوير، هو أنّها جمعتهم مع المحافظين، فالشارع ضمّ الجميع ما أعطى فرصة أكبر وأفضل للتوعية، فقد هربوا معاً من القنابل المسيلة للدموع، وهتفوا بعلو صوتهم ضد السلطة الحاكمة والفساد. أعتقد أن الثورة نجحت في "تحجيم" الرهاب من العابرين والعابرات أو الكويرز، فكيف لك أن تنظر بدونية أو عنصرية تجاه شخص يتعرض للعنف الذي تتعرض له؟ تتفق رنا أن الثورة حققت بعض المكاسب: "الشارع أعطى الجميع فرصة وصوت. وكأنّه قال لنا، هذا هو التغيير. اليوم أو أبداً! لقد سَلطت الثورة الضوء على جميع الفئات المهمشة. أصبح البلد للجميع. الثورة كانت فرصتنا للتغيير، فرصتنا لنكون مرئيين ومسموعين."

يمكن القول أنّ الكويريين والكويريات والعابرين والعابرات احتلوا الشارع بشعور من الأمان والانتماء من دون خوف، في بلد يُحرمون فيه من حقوقهم الأساسية، حيث تعتبر كل نقطة تفتيش أمنية موقعًا محتملاً للعنف بالنسبة إليهم

مثال ملموس من الشوارع، هو استخدام وصف "لوطي" لإهانة وزير أو نائب أو زعيم. كان هذا الشعار الأقل استخداماً، وحينما يقال، نسمع من بين الجماهير دائماً دائماً (وأشدد على دائماً) "لوطي مش مسبة" وأظن أن هذه كانت أفضل ظاهرة توعوية. البعض يستخدم "لوطي" بعقلية "عيب أن تكون مثلي" أولاً، وثانياً، أن تكون "لوطي" يعني أنّك لست "رجلاً، وطبعاً في مجتمعنا، لا شيء أسوأ من أن لا تكون "رجلاً." في هذا السياق، تقول ملاك: "كان هناك عدد من الشعارات العنصرية أو المنحازة جنسياً sexist خلال المظاهرات، وهذا متوقع، فقد ورثنا لغة عنصرية. حينما كنت أسمع هتافات عنصرية أو مهينة، كنت أطلب من المتظاهرين عدم استخدام مصطلحات معينة كان هناك قبول عام. نحن في المقابل، كتبنا على الجدران: Queer power ،Trans Power وVagina Power و Pussy rights."

تقول رشا أن من مكتسبات الثورة أنها غيرت الخطاب العام: "لقد أثارت الانتفاضة في جميع أنحاء البلاد وعيًا جماعيًا حديثًا حيث كانت حقوق وهويات الجماعات المهمشة جزءًا لا يتجزأ من الاحتجاجات. تغيرت مطالب المجتمع من مطالب مهمشة إلى شأن عام. بالنسبة لبلد منقسم طائفياً وديموغرافياً، فإن استعادة الشوارع هو شكل من أشكال المقاومة الموحدة ضد نظام. في الاحتجاجات، وقف شبان من مدينة طرابلس الشمالية الفقيرة جنبًا إلى جنب مع رجال ونساء كوير، يحمل كل منهم نضاله الفردي، لكنهم توحدوا تحت نفس المطالب - الكرامة والمساواة والشفافية والمساءلة. يمكن القول أنّ الكويريين والكويريات والعابرين والعابرات احتلوا الشارع بشعور من الأمان والانتماء من دون خوف، في بلد يُحرمون فيه من حقوقهم الأساسية، حيث تعتبر كل نقطة تفتيش أمنية موقعًا محتملاً للعنف بالنسبة إليهم."

على الرغم من الأمل الذي غرسته الثورة في الناس، سيستمر مجتمع الميم في العيش على الهامش ما لم تضع الحكومة اللبنانية تشريعات تحميهم من التمييز وتحفظ حقوقهم الأساسية في الكرامة والاستقلالية الجسدية والتنقل الاجتماعي والاقتصادي وحرية التعبير والتجمع، كما تؤكد رشا وتضيف: "بدون إصلاح اجتماعي واقتصادي وقانوني يرفع أصوات وحقوق الفئات المهمشة، سيواجه لبنان فترة متجددة من الاضطرابات الاجتماعية."

قانونياً، تشرح رشا أنّ هناك الكثير من الأمور التي علينا أن نعمل عليها: "أولاً، إلغاء المادة 534 من قانون العقوبات اللبناني، التي تُجرّم "كل مجامعة على خلاف الطبيعة." وثانياً، العمل على وضع قوانين وتشريعات تحمي الأفراد، مثل إصدار تشريع شامل لمكافحة التمييز يحظر التمييز على أساس الهوية الجندرية والتوجه الجنسي. ذلك بالإضافة إلى ضمان حقوق وحريات الأفراد من خلال عدم اعتقالهم، وتوقيفهم على حواجز التفتيش، ومحاسبة الأفراد الذي يميزون ضدهم. ومن الأولويات أيضاً ضمان وصول أفراد الميم إلى المساعدات الطبية والنفسية، وإصدار تشريعات تسمح بتغيير خانتَي الاسم والنوع الاجتماعي (أو "الجنس)."

في الشارع لمسنا التغيير الفعلي، وكأنّ كل المجهود الذي وضعه أفراد الميم في السنوات الأخيرة في لبنان، تبلور في هذه الثورة. فعلى الرغم من كوننا جزء من المجتمع لا يمكن إلغاءه أو تجاهله، كنّا دائماً نشعر بسرية غريبة أو كأننا نختبأ من أنفسنا، وكأنّ وجودنا عيب وحرام. ولكن هذا الشعور سقط أو تخلخل خلال الثورة، والرابط الذي يجمعنا أصبح علنياً.