GettyImages-1228448836

حريق جديد في ريف اللاذقية، سوريا في سبتمبر هذا العام. حرائق الصيف منتشرة في سوريا، لكن هذا العام أسوأ من المعتاد حيث وصلت درجات الحرارة إلى 40 درجة مئوية، حوالي 10 درجات مئوية أعلى من المتوسط. (GettyImages)

مقال رأي

غابت الشمس خلف دخان الحرائق في يوم مشمس

عندما يكون الربح هو القيمة العليا كما في الرأسمالية، سيكون ذلك على حساب الطبيعة والبشر
لين عيسى
إعداد لين عيسى
15.10.20

العالم يحترق. نعم، تستمر البشرية في تدمير الكوكب وها نحن نرى آثار حماقاتنا على الأرض تتضح أكثر فأكثر. تعد الحرائق المروعة في سوريا ولبنان أحدث حلقة في سلسلة من الكوارث الطبيعية المتعلقة بتغير المناخ. طبعاً وجودها في الشرق الأوسط يدفع الجميع لتسييسها كلٌ بما يناسب توجهاته ونظرياته وقد يكون في ذلك جزء من الحقيقة ولكنني أرى بأن هذا أمر ثانوي في كل حال. سواء حصلت هذه الكوارث بمحركات سياسية أو عوامل بيئية من صنع البشر، هما وجهان لعملة واحدة بالنسبة لي. الإنسان يفتعل الدمار في نفسه وفي بيئته. أرى أن هذا الأمر غريب جداً وينافي الطبيعة حيث لا تقوم الكائنات بالأذى عامةً إلا للغذاء أو حماية النفس. ولكن شهية الإنسان للتدمير شيء مختلف تماماً. وهي تثير خوفي واهتمامي في نفس الوقت.

إعلان

دارت هذه الأفكار في رأسي في سبتمبر ٢٠٢٠ عند اندلاع أكبر حريق بري في تاريخ كاليفورنيا. كنت حينها في مدينة فانكوفر الكندية التي تقع شمال الولاية وقد وصل دخان حرائق الغابات إلينا وطغى فوق المدينة كالضباب لعدة أيام. لم نرى الشمس لأربعة أيام بسبب حريق يحدث في دولة مجاورة، وتم إصدار إشعار ينصح بالبقاء في المنزل لأن درجة تلوث الهواء كانت ذات خطورة عالية. كان الأمر شديد الغرابة وصعب التصديق. في يوم مشمس بدت الشمس كقرص برتقالي مبهم خلف الدخان الذي كان يحجب أشعتها تماماً. كانت التجربة بمثابة جرس إنذار يشير لضرورة تغيير جذري في طريقة تفاعلنا مع محيطنا.

IMG_4089_Edited.jpg

سماء فانكوفر كما بدت في سبتمبر خلال حرائق كاليفورنيا. تصوير لين عيسى.

قد يثير الحديث عن البيئة شيئ من السخرية أو اللامبالاة عند البعض. ولكن برأيي أن هذه المشاكل البيئية لا تتجزأ عن جذرها وهو النظام الاقتصادي العالمي غير المستدام. هذا النظام القائم على الجشع والذي يؤدي إلى هوة كبيرة وتزداد اتساعاً بين طبقات المجتمع هو نفسه سبب الاختلال في التوازن البيئي. عندما يكون الربح هو القيمة العليا كما في الرأسمالية، سيكون ذلك على حساب الطبيعة والبشر. عالمنا مترابط بشكل كبير ويزداد اشتباكًا، وإن لم نجد طريقة للتعايش مع بعضنا ومحيطنا باتزان، ونستوعب آثار أفعالنا على الكوكب في الوقت المناسب، قد تصبح الأرض غير صالحة للحياة البشرية.

يذهلني أنه مع كل التقدم العلمي والتكنولوجي المتواجد في هذا العصر، لازلنا كبشر نجد أنفسنا في مأزق كبير وبدون أي خارطة أو دليل إلى الطريق الذي يجب اتباعه لإنقاذ أنفسنا. ربما وصلنا إلى ثراء علمي ولكننا حقاً مفلسون أخلاقياً. العالم الآن يمر بجائحة، بانهيار اقتصادي وفساد سياسي، حرائق غير مسبوقة الحجم، احتجاجات عالمية، استقطاب حاد في الولايات المتحدة الأمريكية ـ أكبر دولة عظمى، وما قد يتحول لحرب أهلية متأججة. هذا عدا عن الحال المثير للحزن والغضب لتلك الشعوب التي مازالت تعاني من الفساد والجهل والاستبداد الناتج عن سنين من القمع الداخلي والخارجي.

درجة تشابك العالم الآن أصبحت أكبر من أي وقت مضى وبالتالي أفكارنا وأفعالنا أيضاً أصبح لها أثر أكبر من أي وقت سابق ونتائجها سوف تطالنا جميعاً

يبدو الأمر شديد الكآبة لدرجة تثير الضحك، وكأننا نعيش كوميديا سوداء أو مشهد من مسرح اللامعقول. يصل الإنسان إلى أقصى درجات العلم: يخترع الكمبيوتر، يذهب إلى الفضاء، يتصل بالإنترنت، يقسم الذرة، ولكنه عندما يتعلق الأمر بعلاقته مع محيطه، لا يزال ضائعاَ بل ويتجه نحو التدمير الذاتي. كيف يمكن لنا إلا حد الآن ألا نجد حلولاً لمشاكل أساسية تمس الجميع كالحرب والفقر والبطالة مثلاً؟ ماذا يبرر وجود أناس بلا مأوى أو طعام أو تعليم في زمن تبلغ ثروة أغنى فرد على الكوكب ١٧٥ مليار دولار؟ طبعاً أغلب من في مواقع القوة يرغبون ويعملون لبقاء الأمور كما هي عليه لخدمتهم. ولكن بعيداً عن نظريات المؤامرة، هذا الاختلال في النظام العالمي يؤثر سلباً على الجميع وإن كان بدرجات متفاوتة. مشاكل الطبقية وجدت عبر التاريخ، ولكن درجة تشابك العالم الآن أصبحت أكبر من أي وقت مضى وبالتالي أفكارنا وأفعالنا أيضاً أصبح لها أثر أكبر من أي وقت سابق ونتائجها سوف تطالنا جميعاً.

أقول ذلك وأنا أعلم بأنني مذنبة أيضاً. فحياتي لا تخلو من العادات السيئة، حتى مع معرفتي بتأثيرها السلبي على نفسي وعلى من حولي. يمكنني في بعض الأحيان أيضاً أن أشعر بنزعة إلى التدمير أو حتى اللامبالاة. ولكن إن كنت صريحة مع نفسي، غالباً ما أجدها مرتبطة بألم ما. ربما التدمير هو نوع من تفريغ للألم، أو السخط من ظروف قاسية وعالم متوحش. ولكن ماذا نستفيد حقاً من تخريب أنفسنا أو عالمنا؟ الحياة ستستمر في النهاية وسيبقى لنا فقط ما صنعناه بأنفسنا. وأنا كما لا أريد أن أرى المزيد من الحروب والظلم والقتل، أيضاً لا أريد أن يسري البلاستيك في مياهي وطعامي وجسدي، أو أن يخنق الدخان موارد وثروات أرضي الطبيعية المفعمة بالحياة.

لعل الأمر الإيجابي في هذه الفترة السوداوية هي أنها أجبرتنا للنظر إلى أنفسنا جيداً ومواجهة حقائق مؤلمة قد كنا نتفادى الاعتراف بها بطريقة أو بأخرى. كمية الأزمات العالمية والضغط الناتج عنها رفعت من مستوى الوعي عند الناس بسرعة أكبر، ولفتت الانتباه إلى ضرورة العمل لمستقبل أفضل وإيجاد أنظمة بديلة في أسرع وقت ممكن، كما أنها وضحت درجة ترابطنا وتشابهنا وأهمية التعاطف في عالم مليء بالظلم والألم. أريد أن أؤمن بأننا نمر بظروف غير اعتيادية ربما تحضيراً لمرحلة عظيمة قادمة وكأننا نمر بعملية الخروج من عنق الزجاجة. ربما يبدو التفاؤل نوعاً من السذاجة في وضع عالمي كهذا، ولكنني لا أتكلم عن أمل فارغ مبني على تصور وردي وغير واقعي للحياة. بل أظن بأننا بحاجة لاتصال أكبر مع حقيقة العالم وإدراك حجم أثرنا عليه وبالتالي حجم قدرتنا على التدمير أو البناء. هنا يأتي الخيار لكل منا.