فيروس كورونا

مع إرتفاع حالات الإصابة بفيروس كورونا بالعراق، مؤسسات محلية تعمل على إنتاج كمامات لسد النقص في السوق

يذهب ما تنتجه هذه المبادرات إلى المنظمات الانسانية ليتم بيعه إلى المواطنين بأسعار مناسبة، وسط غلاء السوق وشحته بهذه المواد
6.4.20
IRAQ

تجلس أسيل صبحي على مقعدها لأكثر من ثمان ساعات يوميًا وأمامها ماكينة خياطة نوع (براذر)، لتنجز كمامات ومستلزمات طبية تبيعها مع رفيقاتها للصيدليات بعد أن أستغل تجار أزمة كورونا في مدينة الموصل (مركز محافظة نينوى) ورفعوا الأسعار.

أسيل التي دخلت عقدها الخامس، تعمل كمدربة في منظمة "جود" الإنسانية المحلية، التي تأسست في أثناء عمليات تحرير الموصل من سيطرة داعش 2016، وتقوم بتعليم نسوة فنون الخياطة بكافة أنواعها. التقيت أسيل خلال زيارتي للمصنع وأخبرتني عن عملها: "أنا في هذا المشروع منذ أكثر من سنة، نعمل على المكائن التي توفرها لنا المنظمة،" تنزع نظارتها الطبية وتتابع: "في الفترة الماضية كنا ننتج الشراشف والأغطية وبعض الألبسة، ولكن بعد انتشار فيروس كورونا، حولّنا جميع أعمالنا إلى إنتاج الكمامات وأغطية الرأس للإطباء والمستلزمات الطبية المصنوعة من القماش،" تضيف أسيل وهي تحاول إدخال الخيط في ثقب الماكينة.

إعلان

تعمل 17 امرأة تعمل في المنظمة، ويحصلن على راتب شهري قدره 500 ألف دينار عراقي (420 دولاراً)- لكن المبلغ يختلف باختلاف الصفة الوظيفية. سألت العاملات عن مخاوفهن من انتشار كورونا والإجراءات التي تتبع لحمايتهن من الفيروس، وكانت إجابتهن: "لا نشعر بالقلق، فنحن نتبع جميع الإجراءات الوقائية من لبس الكمامات والقفازات، وعدم المصافحة."

ما أن أعلنت السلطات المحلية في الموصل (400 كلم شمال بغداد) تسجيل الإصابة الأولى بفيروس كورونا في 22 مارس 2020 لصحفي يبلغ من العمر 37 عامًا، حتى دبّ الخوف في السكان. وقد سجلت السلطات الصحية في العراق أكثر من 900 حالة إصابة بفيروس كورونا في جميع المدن، منها 57 وفاة، أكثرها في بغداد وأقلها في نينوى، لكن عدّاد الإصابات في تزايد مستمر.

واتخذت السلطات في البلاد إجراءات واسعة لاحتواء تفشي فيروس كورونا، من تعليق دوام المدارس والجامعات، وإغلاق الأماكن العامة ومنع التجمعات، وإلغاء كافة المناسبات. ولكن العمل في المصنع مستمر على الرغم من الإغلاق، فقرار منع التجوال استثنى فئات من المجتمع، مثل الصحفيين وأفراد القوات الامنية والكوادر الصحية، فضلا عن المصانع التي يرتبط عملها بعمل المؤسسات الصحية، مثل الصيدليات والمنظمات المساعدة.

ما أن دقت الساعة الواحدة بعد الظهر حتى تعالت أصوات مكائن الخياطة فجأة، اقتربت أسيل مني ورفعت صوتها قائلة: "كما ترى، مشكلتنا الرئيسة هي الكهرباء، نحن نأتي إلى مقر المنظمة منذ الساعة الثامنة صباحاً، لكن الطاقة الكهربائية تكون مقطوعة بالعادة، لهذا نحن مجبورين على الانتظار إلى الساعة الواحدة ظهرًا، صحيح أن هناك مكائن يدوية، لكن الغالبية كهربائية."

بعد ما يقرب من ثلاث سنوات على تحريرها من داعش، لا تزال الموصل، ثاني أكبر مدن العراق كثافة، بدون أي مشفى حكومي يعمل بطاقته الكاملة

ولا تزال معاناة العراقيين عمومًا وسكان مدينة الموصل مستمرة بخصوص عدم توفر الطاقة الكهربائية بشكل كافٍ، والتي كانت من أولويات مطالب المحتجين الذين خرجوا إلى ساحات التظاهر، إضافة إلى: توفير الخدمات، وظائف حكومية، فرص عمل، مكافحة الفساد وتحسين الوضع المعيشي. وقد أثر القطع المستمر للكهرباء على حركة المعامل والمصانع في الموصل، ما يضع العاملات في المنظمة أمام تحدٍ لإنتاج كميات تلبي حاجة المواطنين من الكمامات والمستلزمات الطبية.

في الغرفة المجاورة لأسيل ورفيقاتها، تجري مديرة المنظمة ليلى البرزنجي مكالمة هاتفية مع صاحب أحد المذاخر (كلمة تستخدم في العراق تعني المكان الذي تخزن فيه الأدوية والمستلزمات الطبية): "نحن من أوائل الناس التي باشرت بصنع الكمامات بعد الإعلان عن وجود إصابات بالكورونا، الحمد لله لدينا أقمشة في المخزن تكفي لسد جزء من النقص في المدينة، النسوة تعملن بجهد كبير للسيطرة على الأسعار." ويصل سعر الكمامة في الموصل حالياً (نوعية متوسطة) إلى 1،000 دينار عراقي (90 سنتاً)، بعدما كان سعرها 80 دينارا (7 سنت) قبل أزمة كورونا.

إعلان

ويعتمد العراق على سد حاجة السوق من خلال الاستيراد من الخارج، بعد أن توقفت المعامل والمصانع بسبب الحروب وآخرها المعركة ضد داعش، فاستيراد المواد الطبية من الصين كان يسد الحاجة، ولكن تم قطع استيراد هذه المواد بعد انتشار الفيروس بالصين، لتعلن بعدها الحكومة العراقية نقصها للمواد الطبية، ما دعا المنظمات المحلية وشباب متطوعون إلى إنتاج الكمامات وبقية المواد الأخرى.

"بعد إكمال صنع الكمامات نقوم ببيعها بأسعار زهيدة للمنظمات الإنسانية (والمذاخر) لكسر الاستغلال والغلاء الحاصل في السوق،" تقول البرزنجي وتضيف: "نجحنا في إنتاج المستلزمات الطبية، فبالإضافة إلى الكمامات، نحن ننتج أغطية الرأس وبدلات غرف العمليات وشراشف الأسرة الطبية." يذهب ما تنتجه منظمة جود إلى الهيئات الإنسانية الأخرى ليتم بيعه إلى المواطنين بأسعار مناسبة، يتمكن الجميع من شرائها، وسط غلاء السوق وشحته بهذه المواد.

المشكلة في قلة الكوادر الطبية، مستشفانا جاهزة لاستقبال المرضى لكن القدرة الاستيعابية محدودة

بعد ما يقرب من ثلاث سنوات على تحريرها من داعش، لا تزال الموصل، ثاني أكبر مدن العراق كثافة، بدون أي مشفى حكومي يعمل بطاقته الكاملة، حيث أن المستشفيات الحكومية وهي: السلام والشفاء والخنساء والبتول والعام (العسكري) والجمهورية جميعها تعمل بطاقة جزئية. كما أن المعارك التي دارت رحاها في أكبر وأهم معقل للتنظيم الإرهابي، تسببت بدمار بنية الموصل التحتية.

لمعرفة مدى تأثير انتشار الفيروس على عمل المستشفيات، تحدثت تلفونياً مع الدكتور فارس النعمة اختصاص أنف وأذن وحنجرة يعمل طبيبا مقيمًا في مستشفى السلام: "هناك أكثر من موقع للحجر الصحي، السعة الكلية تقدر بنحو 100 شخص، يتم العمل على تجهيز مواقع أخرى في الأيام المقبلة، إضافة الى وجود نية للبدء بإنشاء مستشفى خاص للحجر الصحي على تخوم المدينة."

ويضيف: "يوجد موقع للعزل ومراقبة حالات الاشتباه، يشرف عليه مجموعة من الأطباء يعملون بشكل مستمر على استقبال الحالات وتشخصيها وأخذ عينات (مسحة من البلعوم وفحص الدم) ومن ثم إرسالها إلى مختبرات وزارة الصحة العامة في بغداد، للتأكد من خلوها أو ثباتها. المشكلة في قلة الكوادر الطبية، مستشفانا جاهزة لاستقبال المرضى، لكن القدرة الاستيعابية محدودة." وعن رأيه بالمبادرات التي تقوم بها منظمات تعمل في الموصل أجاب: "كثير من المنظمات والمتبرعين ساهموا بتجهيز مواقع العزل والحجر بالكمامات والملابس الطبية الواقي. هذا جهد مهم جدًا."

إلى جانب منظمة جود، قام مصنع "الألبسة الجاهزة" والذي تأسس عام 1983 وهو يتبع لوزارة الصناعة والمعادن العراقية، بتغييرٌ جذري على نوعية إنتاجه، فقد كان طيلة الفترة الماضية ينتج أنواعًا مختلفة من الملابس الخاصة بالأطفال، لكن تم تحويل العمل لصنع الكمامات الطبية فقط، تلبية لحاجة المؤسسات الصحية والصيدليات. وخلال جولة قمت بها مع مدير المصنع المهندس فراس غانم أيوب تحدث الأخير قائلاً: "نحن ننتج كافة احتياجات المشافي والمؤسسات الصحية. فيما يخص الكمامات فإننا ننتج حاليا 30 ألفًا في اليوم، هذه الكمامات مخصصة فقط للمؤسسات الصحية والمدارس."

وعلى الرغم مما تنتجه هذه المؤسسات المحلية، إلا أن الكمية غير كافية لسد النقص في السوق، فمدينة الموصل بتعداد يقارب على 1.7 مليون نسمة (إحصائية غير رسمية) تحتاج إلى مزيد من الإنتاج لتصل الى مرحلة الاكتفاء. الجميع في الوقت الحالي يأمل أن لا يرتفع عدد الإصابات وأن تتمكن المستشفيات من تقديم الرعاية للمرضى.