ثقافة

فرق كبير! عن الانتقال من العيش بالعشوائيات إلى أرقى أحياء القاهرة

يا أم أحماااااااااد.. يا أم محمااااااااااااد".. على هذه النداءات البديعة كانت صباحاتي تبدأ في حي دار السلام الشعبي
22.7.18

الصورة من فليكر

لمدة ثمانية وعشرين عامًا عشت في حي دار السلام بالقاهرة، وهو حي ظهر قبل عقود كمنطقة عشوائية، ثم أصبح منطقة شعبية يفوق تعدادها دولة أوروبية صغيرة رغم مساحته المحدودة نسبيًّا، ولهذا فإن اسمه الموحي بالسكينة يتناقض مع كونه قطعة من جحيم الزحام والصخب. لحسن حظي فإنني تركت هذا المكان مع بداية العام الحالي، وانتقلت للعيش في منطقة المنيل، والتي تعتبر من أرقى أحياء المدينة وأعرقها، ولها خصوصية تاريخية واجتماعية رائعة، يكفي أن أقول أن المماليك حكموا مصر من شارع يبعد عني دقيقتين مشيًا. الانتقال بين الأجواء المتناقضة تمامًا بين حي شعبي صاخب وحي راقٍ أنيق، لفت نظري لقضايا مختلفة، وفتح عينيَّ على أشياء لم تخطر ببالي من قبل، لهذا أحب أن أسرد تجربتي في الانتقال من حضيض المدينة إلى أحيائها الراقية، وكيف أثرت على حياتي كلها.

من المألوف لي سماع المشاجرات والشتائم طوال اليوم، وشهدت أكثر من قتال بالأسلحة البيضاء تحت شرفتي

تعرفت على معنى الأمان للمرة الأولى
الصورة التقليدية العتيقة للأحياء الشعبية -على الأقل في مصر- أنها مناطق آمنة فيها ونس وحياة، وشوارع صاخبة تأمن على نفسك المشي فيها فجرًا دون أن يضايقك أحد، وشباب غاية في الشهامة يساعدون الفتيات لو ضايقهن أحد. الحقيقة أن كل هذا كلام فارغ، نوستالجيا وأوهام صنعتها حواديت أجدادنا وأجداد أجدادنا، لو صدقت أصلًا. كانت حياتي في دار السلام غير آمنة من جميع الجهات، فالمضايقات والتحرش تفصيلة أساسية في اليوم، حتى لو ذهبتُ لشراء كيس شيبسي من سوبر ماركت مجاور لمنزلي. كما أن نسبة الجريمة والمشاغبات مرتفعة، وكان من المألوف لي سماع المشاجرات والشتائم طوال اليوم، وشهدت أكثر من قتال بالأسلحة البيضاء تحت شرفتي، وعند عودتي ليلًا أجد الشباب يدخنون الحشيش في مجموعات أمام البيوت وعلى النواصي، يتبادلون المزاح العنيف، ويتبارون في العبارات البذيئة التي يطاردون بها الفتيات العابرات. كل هذا تسبب في التزامي بالحبس الاختيار بالمنزل أكثر الوقت، لأن طاقتي النفسية تستهلك من تخيل ما سأعانيه حتى أغادر المنطقة، ثم تخطيط عودتي والمسار الذي سأسلكه لتفادي أكبر قدر من هذه السخافات.

الأمور مختلفة تمامًا في حي المنيل حيث أعيش الآن، فالشوارع واسعة تسمح بالخصوصية، وفيها مساحة عامة تحترمها الأغلبية بشكل يختلف عن أجواء الغابة التي عهدتها من قبل. مجرد المشي في المكان يشعرني بالسكينة والهدوء، وللمرة الأولى في حياتي أختبر الشعور بالأمان، خصوصًا عند عودتي ليلًا دون أن أضطر لقطع أزقة مظلمة.

لا أريد جيرانًا كهؤلاء مرةً أخرى
"يا أم أحماااااااااد.. يا أم محمااااااااااااد".. على هذه النداءات البديعة كانت صباحاتي تبدأ في حي دار السلام الشعبي. جارات يتبادلن محادثة صارخة من نوافذ المطابخ في الطابق الأرضي والطابق الرابع، محادثة طويلة جدًّا في الواقع تشمل التحدث عن الغلاء، والشكوى من الأطفال، وموعد فلانة التي تأخرت عن كذا! فأستيقظ وأنا أسب وألعن، وربما أفتح نافذتي لأنهال عليهن توبيخًا، وأطلب منهن أن يستخدمن الاختراع العبقري المسمى "تليفون"! بسبب هذا الصخب كرهت جيراني بشدة في بيتي القديم.

في المناطق الشعبية، حيث البيوت الضيقة لا تحظى بخصوصية، يندر أن تجد جيرانًا لا يتمتعون بقدرات خارقة على الإزعاج، لهذا كانت حياتي عبارة عن سعي مستمر لتفادي أصوات الأغاني المنحطة الصاخبة القادمة من كل مكان، والدق الغامض المستمر فوق رأسي لجارة لا تكف عن الطهي، والمشاجرات في المقهى القريب، وأطفال يفجِّرون علبة ألعاب نارية كاملة أمام باب شقتي، ثم صوت إذاعة القرآن المرتفع جدًّا في ساعات الصباح الأولى، ثم أصوات ميكروفون المسجد جوار أذني طوال اليوم. سأجعلك تتعاطف معي أكثر حين أخبرك أنني أتمتع بحاسة سمع مرهفة، وأذناي تهويان تعذيبي بتعقب الإيقاعات. إلى جانب الصخب عانيت أيضًا من فضول الجيران وتطفلهم على دقائق حياتي، لماذا لم أتزوج بعد؟ لماذا لا أجلس في الشرفة وأتواصل معهم؟ لماذا أسافر كثيرًا؟ لماذا أعود متأخرة أحيانًا؟ وكثيرًا ما استوقفتني جارتي "القلقة جدًّا" عليَّ لتسألني: "مفيش حاجة جاية في السكة؟" وهو سؤال مريب يوجه عادةً لحديثات الزواج لمعرفة إذا كانت حاملًا أم لا، أمَّا في هذا السياق فهو يستهدف "العريس" كنت أرد ببعض إنجازاتي العلمية والعملية، فتقول لي الجارة "اتجوزي عشان أفرح بيكي"، فأقول لها إنني فرحة بنفسي طوال الوقت، وعليها انتقاء الوقت المناسب لتتفضل بزيارتي وتفرح معي.

تعرفت على أفضل الجيران في العالم، وأنا أعتبرهم مثاليين لأنني -ببساطة- لم أر أحدهم قط

اختلف جيراني تمامًا بعد الانتقال للمنطقة الراقية التي أعيش فيها الآن، فقد تعرفت على أفضل الجيران في العالم، وأنا أعتبرهم مثاليين لأنني -ببساطة- لم أر أحدهم قط، ولم أسمع صوتًا لهم مطلقًا، لدرجة أنني شككت في وجودهم. قابلت جارةً واحدة فقط في أسبوعي الأول هنا، وكانت عجوز لطيفة للغاية لها سمت "هانم" هاربة من حقبة الأربعينيات، حيَّتني بلطفٍ وقالت: "هاي، أنا مدام جانيت" وتمنت لي إقامة طيبة ثم ذهبت. شتَّان بين أم أحمد ومدام جانيت.

لا مزيد من الطرائف والغرائب
حياتي في دار السلام حفلت بالغرائب، وكأنني أعيش في فيلم كوميدي مُسفّ، وهو شيء قد يكون ظريفًا من بعيد لكن معايشته هي الجنون بعينه. وأغرب ما شهدته هو الأفراح الشعبية التي استضافها شارعنا لسنوات، لسبب بسيط هو أنه الشارع الوحيد الكبير والممهد في المنطقة، فاعتبره معدو الأفراح قاعة الزفاف الرسمية، وهكذا تتحول ليالي الصيف (موسم التزاوج) إلى إزعاج مستمر، خصوصًا إذا كان الزفاف يخص تاجر مخدرات. استغربت؟ هذا ما شعرت به في المرة الأولى التي شهدت فيها زفافًا لابن أحد تجار المخدرات الكبار بالمنطقة، وقد أخبرني مُعدُّ الزفاف بهذا صراحةً -وبنبرة فخر مضحكة- ليشرح لي لماذا تحول شارعنا إلى سرادق عملاق، فيه نحو مئة مائدة عامرة بزجاجات البيرة، وأطباق المشويات والمكسرات والتسالي (المزَّات)، ومنصة Stage عملاقة تتلوى عليها راقصات، وعدد هائل من السماعات العملاقة، وفرقة موسيقية كاملة وDJ، ومصوري فيديو يغطون الحدث بحماس مريب. هل شاهدت الفيلم المصري (الفرح)؟ إنه صورة مصغرة ومتواضعة مما رأيته أنا في بث حي تكرر عشرات المرات.

كانت هذه أسوأ لحظات حياتي، لأن الأفراح الضخمة كهذه تستمر حتى الخامسة صباحًا على الأقل، والاستغاثة بالشرطة لا تفيد، والنوم مستحيل تمامًا، وكان عليَّ الذهاب لعملي سكرى بالصداع والتعب، وقضاء يوم شنيع، ثم العودة لبيتي لتستلمني دوامة الصخب الاعتيادية، أو الهروب من البيت وقضاء الليل مع صديقتي رفقًا بعقلي. الخلاص من هذه الجحيم هو أفضل ما ظفرت به من العيش في منطقة راقية، فمن المستحيل أن يحدث هذا هنا.

كنت محرومة من أشياء كثيرة ولم أدركها إلا الآن
عندما انتقلت للعيش في حيٍ راقٍ، اكتشفت أشياء كثيرة كنت محرومة منها بسبب طبيعة المكان السابق. مثلًا، عندما طلبت خدمة الصيانة للأجهزة الكهربائية جاءتني خلال يومين، وانتهى العمل سريعًا، في حين أنني كنت أعيد الاتصال لأسابيع لأحصل على نفس الخدمة. ينطبق الأمر نفسه على شكاوى انقطاع الماء والكهرباء، ومشكلة القمامة التي يتوجب على كل شخص تدبير التخلص منها، لكنني الآن أجد كل الخدمات الأساسية متاحة، وفنيين متخصصين في أي مشكلة، والأهم أن خدمة توصيل الطعام من سلاسل المطاعم الشهيرة التي يستحيل الحصول عليها في حي عشوائي، أصبحت تصلني في نصف ساعة على الأكثر، وهو خبر سعيد لفتاة تنسى أن تأكل حتى تفقد الوعي.

إعلان

أمَّا أجمل ما في الأمر فهو سهولة العثور على المواصلات. في دار السلام كان من المستحيل أن أجد تاكسي يعيدني للبيت، وإلا دفعت ثلاثة أضعاف التكلفة، ومن رابع المستحيلات أن أجد خدمة Uber لأن الحي سيئ السمعة، وشهير بزحامه الذي قد يحتجزك لساعات قبل أن تخرج منه، وجنون سائقي الميكروباص فيه، الذين يهشمون سيارتك لو ضايقتهم بكلمة، أو -ببساطة- التزمت بقواعد القيادة الطبيعية.

اختلاف رهيب في الحالة النفسية
سابقًا كانت حياتي تسير بوتيرة واحدة، أن أتحمل البقاء في البيت لأطول فترة ممكنة لتفادي الخروج للشارع، والالتزام بالعمل وادخار مبالغ جيدة من المال، ثم السفر للاستمتاع بالحياة ونسيان الضغوط اليومية المستمرة. الآن اختلفت حياتي لدرجة كبيرة، فقد انتقلت للسكن في مكان يكلفني ستة أضعاف إيجار شقتي القديمة، ومع هذا فلا أشعر بضرر نفسي. لم أعد راغبة في السفر أسبوعًا كل شهر على الأقل لأشعر بأنني حية، لأنني أحيا بالفعل في مكان هادئ مريح، تطل شرفتي على فراغ واسع يشعرني بالسلام، وبالتالي صار سفري أقل تكررًا، لكن أهدافه أصبحت أعمق. بدلًا من السفر أسبوعًا لنسيان إزعاج الجيران والنوم بسلام، أصبحت خططي للسفر لا تقل عن شهر للاستكشاف ومشاريع التصوير والكتابة.

أصبحت أكثر قدرة على العمل، وتطورت أفكاري بشكل فتح لي الطريق لنجاحات عملية وتطور أكبر، وبالتالي زيادة دخلي. تطبيق حرفي لما كانت تقوله أمي: "الفقر يجيب الفقر، والفلوس تجيب الفلوس

عندما أخبرت أصدقائي المقربين بالمكان الذي انتقلت إليه، والمبلغ الذي أدفعه فيه، اتهمني بعضهم بالجنون، بينما تحفظ البعض في إخباري كم أنا متهورة. لكنني ما زلت أشعر بأنها كانت خطوة ضرورية، وستكون ذات نتائج رائعة على مسار حياتي العملية والإنسانية؛ الانتقال لمستوى اجتماعي أرقى جعلني أشعر باتساق أكبر مع العالم، وأقدر على تحمل مسؤولياتي، وأكثر قدرة على الإبداع.

مع زيادة قدرتي على التركيز والإبداع أصبحت أكثر قدرة على العمل، وتطورت أفكاري بشكل فتح لي الطريق لنجاحات عملية وتطور أكبر، وبالتالي زيادة دخلي. تطبيق حرفي لما كانت تقوله أمي: "الفقر يجيب الفقر، والفلوس تجيب الفلوس" وهذا حقيقي.. كنت أنفق مبالغ كبيرة في رحلات ونزهات وشوبينج، بجانب شراء كثير من الطعام لأنسى البؤس الذي أعيش فيه، حتى رأيت أنه من الأفضل إنفاق مبلغ أكثر قليلًا مقابل مكانٍ يعفيني من كل هذا، بل ويجعلني أكثر إنتاجية وحرصًا على مستقبلي، وأكثر استقرارًا نفسيًّا. من واقع تجربتي يمكنني أن أنصحك بكل ثقة.. إذا كان العيش في مكانٍ متدنٍ يخرب عليك حياتك، اتركه فورًا، وسيفتح لك المكان الجديد بابًا جديدًا.