تصوير: ربى الجهني

تحدثنا مع 5 فرق شاركت في هاكاثون الحج بجدة

الجائزة التي يحصل عليها الفريق الأول لأفضل مشروع هي تمويل بقيمة مليون ريال سعودي

|
٣ آب/أغسطس ٢٠١٨، ٥:٣١م

تصوير: ربى الجهني

انطلقت قبل أيام النسخة الأولى منذ بداية افتتاح "هاكاثون الحج" بمدينة جدة في المملكة العربية السعودية بمشاركة حوالي من 3,000 مطور ومبرمج من المملكة ودول الخليج والعالم، ليصبح أكبر هاكاثون في العالم. لا شك أنك تتساءل من أين أتت كلمة هاكاثون، هي في الواقع اختصار لكلمتين بالإنجليزية وهما: Hack وMarathon السباق، والهاكاثون Hackathon هو حدث يجتمع فيه مبرمجو الكمبيوتر ومصممي الجرافيك والواجهات ومديري المشاريع وغيرهم لتطوير برمجيات. هذا الحدث الذي نظمه الاتحاد السعودي للأمن السيبراني والبرمجة والدرونز في الفترة من 1-3 أغسطس في مركز جدة للمنتديات والفعاليات هدف الى استكشاف وتطوير تقنيات تساعد في تحسين تجربة الحج في الكثير من المجالات كالأغذية والمواصلات والمرور وإدارة النفايات وغيرها.

ذهبت لزيارة الهاكاثون في اليوم الأول والثاني وكانت هناك طاقة ايجابية رهيبة في المكان، "لابتوبات" مبعثرة في كل مكان. الجو يشعرك بأنك تريد حقاً أن تكون من ضمن هذه النخبة التقنية، الجميع هنا يفكر بالفوز، لم أتحدث إلى الآن مع فريق ذكر لي أنه يريد أن يحصل على المركز الثاني، الكل يريد المركز الأول، وهو أمر منطقي لا شك، فالجائزة التي يحصل عليها الفريق الأول لأفضل مشروع هي تمويل بقيمة مليون ريال سعودي، فيما يحصل الفائز الثاني على 500 ألف ريال، والثالث على 350 ألف ريال، في حين تذهب 150 ألف ريال جائزةً للتميُّز. وقد حصل فريق "ترجمان" السعودي النسائي، مساء الجمعة على الجائزة الأولى بعد منافسة قوية مع 9 فرق.

طبعاً هذا هو حلم أي شخص في مجال التقنية، وهذا يؤكده محمد عربي، 27 عاماً، والذي قابلته مع فريقه في أول يوم هاكاثون الحج: "بعد التخرج من الجامعة الهدف الأول ليس الحصول على وظيفة فقط، إحنا متخرجين على أساس نحقق فكرة، نأسس شركة، نكبر و يكون لنا إسم،" يقول محمد وهو مصري/أردني يعمل في السعودية، وأما باقي فريقه فقد جاؤوا من مصر من أجل تحقيق حلمهم وتأسيس شركتهم الخاصة.
محمد عربي على اليسار (بالابيض)

الفريق والذي تسوده روح مصرية عفوية، هم مجموعة متخصصة في مجالات تقنية مختلفة مثل برمجة تطبيقات أي أو أس و الأندرويد، تجربة المستخدم، تحليل البيانات، وأيضا تصميم المواقع الإلكترونية. وخلال حديثي معهم، وصف لي أكرم زيادة، 26 عاماً، أحد أعضاء الفريق مشاركته بهذا الهاكاثون بأنه بمثابة "حلم وتحقق." وأضاف: "التجربة ككل حلوة، التنظيم والاستقبال والضيافة جيدة جداً. كما أن هناك روح إيجابية بين الفرق المشاركة من دول عربية مختلفة كتونس، والجزائر، مصر والسعودية،" مشيراً الى أمله بأن يتم تنظيم هاكاثون للحج كل سنة. سألت الفريق عن فكرتهم التي يودون طرحها في الهاكاثون، ذكروا لي أنهم مازالوا في مرحلة اختيار الفكرة وتشكيلها لتناسب حاجة من احتياجات الحج، وأشاروا الى شعورهم بالحماس والإيجابية بسبب وجود فرق من دول مختلفة مما يعني أن لديهم فرصة جيدة للتواصل والتعرف على أشخاص قد تكون مقاربة لهم في التخصص، ولكن بالتأكيد تختلف في التفكير والمهارات "Networking".

كلمات هذا الفريق أكدت ما ذكره جيمي ويلز، مؤسس موقع ويكيبيديا خلال حديثه في يوم افتتاح هاكاثون الحج والذي نوه بأهمية "المجتمع التقني" أو Tech Community قائلاً: "بالنسبة لي، أعتقد أنه من أهم الأمور لبلد لديه طموحات كبيرة في أن يصبح مركزًا للتقنية في الشرق الأوسط، هو التركيز على خلق مجتمع التقنية، وهي واحدة من الأمور العظيمة والتي تحصل عليها من خلال فعاليات مماثلة لهذا الهاكاثون، فأنت تجتمع مع أشخاص وعقول لمدة 40 ساعة أو 36 ساعة، تُكون صداقات وروابط، وبالطبع لن تنجح جميع المشاريع هنا، سيفشل العديد منها، ولكن أود أن أذكر كل المطورين الشباب هنا والذين يفكرون في أن يصبحوا رواد أعمال أن يراقبوا الفرق الأخرى، يتعاونوا معهم وأن يفكروا في كل الأشخاص المهمين الذين سيقابلونهم هنا، ربما تتعرف على شخص لديه أفكار عظيمة أو مهارة لا تملكها وإذا كان بإمكانكم العمل معاً في المستقبل فإن هذا الحدث سيحقق نجاحًا عظيمًا ليس بسبب ما حدث هنا ولكن بسبب الصداقات التي بدأتم بها هنا."

الفرق المشاركة في الهاكاثون.

وأيضا نوه جيمي لنقطة مثيرة وهي كيف نستطيع التنافس مع وادي السيليكون Silicon Valley؟ وهي أحد المراكز التقنية المهمة في العالم في سان فرانسيسكو في كاليفورنيا، الولايات المتحدة الأمريكية وتضم شركات تقنية ضخمة لها صيت واسع حول العالم أمثال غوغل، أبل وفيسبوك. ويكمل جيمي حديثه: "بالطبع من الصعب التنافس ضد وادي السيليكون، بتمويله الجيد والذي لا يصدق، ولكن ما يجيده أشخاص مثل مارك زوكربيرغ و بيل غيتس هو حل المشكلة التي يواجهونها، الجيل القادم من مهندسي البرمجيات في وادي السيليكون هم على استعداد لحل القضايا أو تحسين التجربة. وهذا اعتقادي هو الهدف من هذا الهاكاثون، لنبدأ في تحسين الوضع أو تجربة الحجاج، هذا موضوع مثير للاهتمام، باعتقادي أن الشركات التي تعمل في وادي السيليكون لم يفكروا في هذا الأمر حتى الآن."

ويزور المملكة كل عام الملايين من المسلمين لأداء فريضة الحج، وتشير أرقام الهيئة العامة للإحصاء أن عدد الحجاج العام الماضي وصل إلى مليونين وثلاثمائة واثنان وخمسون ألف حاج. الطريف في الأمر هو أنه في الوقت الذي ذكرت فيه أسماء شركات الرعاة لهذه الفعالية في يوم افتتاح الهاكاثون، سلسلة مطاعم الوجبات السريعة "البيك" لاقت تصفيقا حاراً من الجمهور مقابل تصفيق أقل حماساً لشركة غوغل.

وخلال تنقلي ما بين الفرق، شدتني الملابس التقليدية أو "الرسمية" لهذا الفريق القادم من سلطنة عُمان، تحدثت مع أحد أعضاء الفريق، سليمان الدغيشي، 30 عاماً، يقول: "شاركنا في هذه المسابقة بهدف إيجاد حلول للحجاج، ودعم رؤية المملكة الاقتصادية 2030، حيث ترغب المملكة برفع قدرتها على استيعاب الحجاج من 2 مليون إلى أكثر من ذلك، وهذه الزيادة تتضمن الكثير من التحديات مثلا في الأمور المالية، المواصلات، السكن وإدارة المهملات، ولذلك أردنا المشاركة بفكرة جديدة ونحولها لتطبيق يسُتخدم لتسهيل تجربة الحج."

الفريق لم يتسنى له بعد تحديد فكرتهم النهائية ولكن جميعهم متفقين على أن تكون الفكرة متعلقة بالتحديات المالية: "نريد أن نجد حلول للتحديات المالية في الحج، كثير من الحجاج يأتون إلى هنا لا يعلمون كيف ينفقون الريال السعودي، نريد أن نجد حلاً لهذه المشكلة، أيضا هناك ظاهرة وهياستخدام العملات المزورة، مع العدد الكبير من الحجاج قد تظهر مثل هذه المشكلة، نحن إلى الآن ما زلنا غير متأكدين من الفكرة الأخيرة."

سليمان الدغيشي وفريقه

أما أبو بكر أبو شام، 27 عاماً، والذي جاء مع فريقه من السودان فيشير الى انه فريق العمل يعملون كمبرمجين في شركة. "كلنا من نفس الشركة وكلنا مبرمجين، لنا فترة طويلة مع بعض، واشتغلنا كمجموعة من قبل، واردنا المشاركة لطرح حلول تقنية للمساعدة في حل المشاكل الموجودة أو تحسينها." هذا الفريق أيضا ما زال في مرحلة اختيار الفكرة: "الهاكاون هي فرصة نشوف فيها الأفكار المختلفة ونتبادل الأفكار، نحدث تغيير ونعالج مشاكل ممكن تسهل الحياة للكثير من الناس وتحديداً رحلة الحج لزوار بيت الله الحرام."

أبو بكر أبو شام وفريقه.

على الرغم من الكم الهائل للفرق والتي أتت لتنافس هنا إلا أن عددا منها مازال في مرحلة تشكيل أو اختيار الفكرة، وهو ما تعتبره المتحدثة أمل دكان أمراً جيداً، والتي تحدثت عن الـ”Business Modeling” في اليوم الأول من هاكاثون الحج:" قبل أن نحدد الفرضية أو الفكرة كفريق يجب أن نسأل، نلاحظ هل فعلا فرضياتنا صحيحة أم لا ؟" وتكمل حديثها: "من الأفضل أن لا تحبوا "الفكرة" نفسها وأن توجهوا تفكيركم بإتجاه احتياج العميل، دائما أجعل تركيزك على العميل وليس على الفكرة."

اليوم الثاني من الهاكاثون الحج كان ايضاً مفعماً بالحركة، الجميع مشغولين إما بالحديث مع بعضهم حول أفكارهم، البعض الآخر يكتب على لوح بيضاء ويشرح لفريقه كيفية تنفيذ أفكاره، والغالبية فمشغول أمام شاشات المحمول، تركتهم بكل مشاغلهم وذهبت إلى منطقة مخصصة للنساء "استراحة النساء" وهي بالفعل استراحة، شعرت فيها بالراحة والهدوء، وخاصة حينما استلقيت على أحد الكراسي المبعثرة في كل مكان، دائرية الشكل ومصنوعة من الاسفنج، و بإضاءة خافتة جدا تجبرك على الاسترخاء، في الوقت الذي كنت مستلقية فيه وأنظر من حولي بدون أي تفكير، لاحظت امرأة تحمل طفلة في يدها، تفاجأت في داخلي وتوقعت أنها متسابقة، وكنت أقول في نفسي كيف لها أن تتسابق ومعها طفلة رضيعة، لابد من أنها خارقة أو "سوبر ومن" لتفعل ذلك. تحدثت معها وذكرت لي بأنها ليست متسابقة ولكنها "Mentor" تعطي نصائح للفرق المشاركة والمتسابقين، وتدير وكالة استشارية للشركات الناشئة في ألمانيا، برلين. عبرت لي لونا عن دهشتها من هذا الكم الهائل من النساء في مجال التقنية حيث قالت إنه "أول هاكاثون أحضره في الشرق الأوسط، و هناك شيء واحد أعتقد أنه بالنسبة لنا جميعًا من أوروبا والولايات المتحدة سيبقى في ذهننا، وهو وجود عدد كبير من المشاركات درسن ويعملن في مجالات التقنية لفترة طويلة ومن جميع أنحاء العالم العربي، هذا أمر بالفعل مبهر."

عرفتني لونا على صديقتها في العمل نينا ماثيو وهي أيضا "Mentor" في هذه الفعالية. نينا عبرت عن تفاجئها بعدد المشاركين: "كل هاكاثون مختلف عن الآخر، عادة الهاكاثون في أوروبا لا يزيد عدد المشاركين عن 100 شخص ولكن أبداً لم يصل إلى 1،000 أو 3،000 مشارك، هذا أمر مثير للإعجاب، حتى أنني لا أستطيع أن أتخيل جهد التنسيق لهذه الفعالية." وأضافت: "الهاكاثون في الغرب يحاول أن يحل مشكلات المجتمع بشكل واسع، ولكن غالباً ما تكون الفرق المتسابقة بعيدة عن المشكلة، مثلا قد تطرح حل للحد من الفقر أو تحسين مستويات التعليم الأساسي أو المرتبات بدون معرفة تفاصيل المشكلة عن قرب. ولكن هنا أشعر أن الفرق لديهم فهم أفضل لما يجب أن تكون عليه الأفكار والحلول، هنا يوجد الكثير من المسلمين أو يعرفون شخص ذهب إلى الحج من قبل، فهم بالتالي خبراء في واقع وتجربة الحج وهذا هو الشيء الذي أجده فريدًا جداً."

تحدثت بعدها مع فريق من اليمن والذي نجح في أن يكون ضمن المجموعات العشرة المتنافسة والأخيرة والتي عرضت فكرتها أمام لجنة التحكيم عن تطبيق يسهل عملية التخلص من النفايات في أيام الحج باستخدام الذكاء الاصطناعي. عضو الفريق غمدان الحسام، 30 عاما، تحدث لي عن مشاركتهم: "نحن حالياً في جلسة عصف ذهني ناقشنا جميع الأفكار الموجودة هنا، ونحاول أن نكتشف حلول تكون فريدة من نوعها تقدر تحل مشكلة في الحج، احنا جايين ننافس، وإن شاء الله نفوز." وعن الحدث نفسه، قال لي: "بالنسبة لي هي تجربة تعتبر ممتازة جداً من ناحية الخبرة والتواصل مع باقي الفرق من كل مناطق العالم، قابلنا ناس من اليابان من مصر من المغرب ومن الجزائر، لديهم أفكار كثيرة ومتنوعة جدًا. التنظيم كان رائع بصراحة يعني من أول ما جينا من المطار استقبلونا على طول، وكانت هناك مواصلات على الفندق، ومن الفندق إلى الفعالية، كانت الأمور كلها سلسة وميسرة."

غمدان الحسام وفريقها.

كما تحدثت مع فريق سعودي مكون من ثلاثة أشخاص أعمارهم ما بين 16 إلى 30 سنة. محمد بكري، 30 عاماً واحد من المشاركين تحدث لي عن مشاركته في الهاكاثون: "الحاج قد يحتاج خدمة لا يستطيع أحد تقديمها له الا "عيال مكة" أو شباب مكة، أنا درست في مكة والشباب في الفريق غالبيتهم من مكة، احنا بنعرف ايش المشاكل اللي بتصير في الحج واشتغلنا كمان من قبل خلال أوقات الحج."

محمد شرح لي فكرة فريقه بالتفصيل: "فكرتنا تستهدف شريحتين هي الحجاج والمتطوعين أو ”Freelancers” الموجودين، نحن نعمل على تطبيق يجمع ما بين الحجاج الذين يحتاجون لخدمات معينة مثل دفع العربات في الحج، توصيل الأطعمة وغيرها من الخدمات التي يقدمها المتطوعين، أي أمر من الممكن أن يقدمه الشخص كخدمة وتلاقي رغبة عند الحاج، التطبيق سيكون وسيط بين الحاج والمتطوع وهذا يساعد على رفع كفاءة الخدمات المقدمة لحجاج بيت الله الحرام."

محمد بكري وفريقه (يسار بالاحمر)

وبالتأكيد ليس جميع المتسابقين "محظوظين" ويعيشون في منطقة مكة ولهم فهم عميق بكل ما يحدث خلال فترة الحج، وهذا ما حاول منظمو هاكاثون الحج التركيز عليه من خلال جلب "روح الحج" لكي يجعلوا الجميع يدخل أو يفهم تجربة الحج، فمثلا في اليوم الأول من ابتداء الهاكاثون، وفي المسرح الرئيسي، تحدث إمام وخطيب مسجد قباء صالح بن عواد المغامسي، عن الحج وعظمة هذه الفريضة أو الرحلة الدينية. وأيضا كثير من المتحدثين عرضوا أرقام وحقائق عن الحج لتساعد الفرق والمتسابقين، كما بدأ الدكتور محمد حكيم ابتداء كلمته بـ "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك". بعد هذه الأجواء التي تشعرك بالجو الديني، قد تجد نفسك تستمع لاغنية John Legend وتحديدا أغنيته المشهورة All of me في كل أرجاء الهاكاثون، مما يجعلك تشعر أن الكل مرحب به هنا.

جميع الصور من تصوير ربى الجهني.