ثقافة

"كتب ع المفرق".. مبادرة شبابية لتبادل الكتب في بيروت

مبادرة فردية باتت ملتقى ثقافي يتخذ من أرصفة الشوارع مقرًا
4.8.19
IMG-7596

في وسط شارع الحمراء، أشهر شوارع العاصمة اللبنانية بيروت وقلبها النابض بالبشر ليل نهار، وقفت "نور" وسط طاولاتها العامرة بالكتب تنتظر رواد القراءة وعشاق رائحة الورق لبدء مهرجانها الصغير لتبادل الكتب والمعارف. لم تكن الفتاة العشرينية تتوقع في المرة الأولى أن يقبل على فكرتها أكثر من بضع أشخاص، ولم تكن تفكر في تكرار التجربة، لكن الإقبال الكبير عليها جعلها تكررها للمرة الخامسة وتستعد لتكرارها من جديد قريبًا.

إعلان

وبين رواد فعاليتها ببهجة واستمتاع كبير، وقفت نور عز الدين (29 سنة) منسقة الأنشطة الثقافية بمطعم وملتقى (تاء مربوطة - ة)، تحاول مساعدة أصدقاء كتبها في إيجاد ما يرضي شغفهم. "هذه هي المرة الخامسة التي نعقد فيها الفاعلية التي ننظمها مرة واحدة كل شهر. تقوم المبادرة على استبدال الكتب وليس البيع أو الشراء، وقد بدأت الفكرة عندما قام أحد ملاك المطعم بالتبرع مع أحد أصدقاءه ببعض الكتب التي لا يحتاجها في مكتبته، عندها جاءتني فكرة استبدال الكتب التي لا يريدها صاحبها وقد يحتاجها شخص آخر، فقمنا بعمل صندوق داخل المطعم ووضعنا فيه الكتب مع إشعار بأن هذه الكتب للاستبدال ويمكن لأي شخص أن يأخذ ما يريد منها على شرط وضع كتب غيرها، وألا يضع عدد كتب أقل مما يأخذ، بعد ذلك جاءتني فكرة تعميم المشروع بشكل أكبر وأن أقوم بعرض الكتب الموجودة خارج المطعم، واختارت هذا مكان أمام المطعم وفي مدخل المركز التجاري الذي يعتبر قلب شارع الحمراء".

وبعد حملة على الإنترنت عبر الصفحة الرسمية للمطعم على فيسبوك، جاء المدعوون للحفل الثقافي المثمر، بعضهم لأول مرة وآخرين كانوا راغبين في تكرار تجربتهم المدهشة. تشرح نور: "كانت نيتي أن تكون الفاعلية لمرة واحدة فقط ولم أكن أتوقع إقبال الكثيرين، لكن الحضور أدهشني، فخلال الخمس مرات التي أُقيمت فيها الفاعلية كان هناك أكثر من 100 شخص في كل مرة يأتون ومعهم كتب لاستبدالها بأخرى، هنا تجد جميع ألوان وأشكال الكتب من سياسة وتاريخ وفلسفة واقتصاد وروايات وقصص قصيرة وكتب للأطفال وعلوم تطبيقية وغيرها، وقد اتسعت المبادرة لتشمل ما هو أكثر من تبادل الكتب، فأصبح هناك ما يمكن وصفه بالمنتدى الصغير حيث يتبادل رواد الفعالية الكتب بينهم بشكل مباشر وعرض أفكارهم وآرائهم في الكتب التي يجلبونها ومشاركتها مع آخرين وهكذا".

1563700012564-IMG-7593

وعلى أحد جوانب طاولة العرض وقفت فاطمة علي (19 سنة) طالبة بكالوريا، ممسكة بأحد الروايات تتصفح بعض أوراقها ببطء قبل اتخاذ قرارها بالاحتفاظ بها أو التفكير بغيرها. " أمس، أخبرني زميلي بالمدرسة عن فعالية صغيرة لتبادل الكتب، أحببت الفكرة وأخرجت من مكتبتي الكتب التي اعتقد أنني لا أحتاج لقراءتها مرة أخرى ووضعتها في حقيبتي قبل الذهاب إلى المدرسة اليوم". تقول فاطمة، وتُضيف: "وبعد انتهاء يومنا الدراسي جئنا سويًا، وأنا الآن في غاية السعادة؛ حيث أجد كثير من الروايات والكتب الشيقة التي لن أدفع ثمنها ولكن فقط سأضع مكانها كتب لا أحتاجها وهي تجربة مختلفة سأقوم بتكرارها في كل مرة يُعلن عن الفعالية، وسأنتظر الإعلان عنها على صفحة المطعم في فيسبوك لتحضير الكتب التي سأجلبها معي في المرة القادمة لاستبدالها".

أما نور الحلبي (28 سنة)، فأمسكت بكتاب في الفلسفة واستغرقت في قراءة فهرسه، تتفحص مواضيع الكتاب الذي كان من الواضح أنه استولى على انتباهها وتركيزها وكأنها جاءت خصيصًا لتبحث عنه، فلم تكن تلك زياتها الأولى أيضًا. تقول نور: "هذه هي المرة الثانية التي أحضر فيها فعالية (كتب ع المفرق)، جئت المرة السابقة وأدهشني الإبداع في تلك الفكرة خصوصًا لمحبي القراءة مثلي، ورغم كرهي للتخلي عن كتبي وحبي الاحتفاظ بها، استطعت أن أحسم قراري بالتخلي عن بعضها ما بات غير ضروري لمكتبتي، وربما سيكون مهمًا لشخص غيري. وحتى الآن قمت باستبدال 16 كتابًا في هذه الفاعلية التي وجدت فيها كتب نادرة وممتعة بحثت عن بعضها كثيرًا سابقًا دون جدوى".

1563700072474-IMG-7599

محمود حيدرة، سوري الجنسية، (29 سنة)، يقول "هذه هي المرة الأولى لي هنا وقد تعرفت على الفاعلية مصادفة وأنا أتجول بشارع الحمراء، وقد جذبني شكل الكتب وهي متراصة على قارعة الطريق فأخذني حبي للكتب والقراءة للميل نحوها لأعرف ماذا يدور هنا، وقد سعدت كثيراً بمعرفة التفاصيل ووجدت الكثير من الكتب الجميلة خاصة الروايات وهي أحب ألوان الأدب إليّ، وأحببت الفكرة كثيراً لأنها تُشجع على القراءة وتبادل المعارف ونشر الوعي وخاصة قراءة الكتب الورقية التي أثّر عليها بشكل كبير عالم الانترنت والقراءة الإلكترونية، وسأعود إلى بيتي الآن سريعاً لحمل ما عندي من كتب لا أحتاجها وأعود لاستبدالها، وسآتي في كل المرات القادمة.

ممسكاً بديوان شعر لنزار قباني وعلى شفتيه ابتسامة فرح يقول أحمد صلاح (32 سنة): "أحببت هذه الفعالية كثيراً، فهذه المرة الثالثة لي، ربما أجمل ما أعجبني فيها هو المفاجآت التي أُقابلها هنا بكتب ربما لم تكن تخطر على بالي مثل هذا الديوان الجميل؛ فعادة آتي إلى هنا ومعي مجموعة من الكتب التي أعرف أنني لن أحتاجها ثانية لكي استبدلها بكتب أخرى لا أعرف ماهيتها، فأنا أحب المفاجآت التي أجدها هنا، وفي كل مرة أجد شيء جديد أو كتاب قديم ربما قرأته من زمن".

1563700097426-IMG-7598

"المبادرة تكبر كل مرة عن سابقتها؛ فعشرات الكتب التي أمامك والتي ربما يصل عددها لمئات يتم استبدالها بين الرواد كانت في البداية لا تزيد عن صندوق كتب صغير، ولكن لا أعتقد أن هناك أفق لمزيد من التوسعات في الفكرة، فأنا مرتبطة بهذا المكان القريب من المطعم وفي نفس الوقت لا أحتاج هنا إلى تصاريح من الأمن أو بلدية بيروت، فقط تصريح من إدارة المركز التجاري، لهذا ربما أعمل على توسعة الفكرة في نفس المكان إذا ازداد عدد الكتب والرواد ولكن صعب أن أبتعد عن هنا"، هكذا اختتمت صاحبة الفكرة ومنظمتها، نور عز الدين، حديثها معنا.