كيف تتعامل مع لاجئ بحسب لاجئة فلسطينية

مخيم برج البراجنة، بيروت. تصوير: ماجني هاجاتير

مجتمع

كيف تتعامل مع لاجئ بحسب لاجئة فلسطينية

لا تتفوّه، أبدًا، بجملة تدعي "أن الفلسطينيين باعوا أراضيهم،" لأنّ قولك ذلك يضعك في خانتين. الأولى خانة الجاهل بالتاريخ وتفاصيله والثانية في خانة المحتلّ
19.6.18

أحيانًا، نجد أنفسنا مرغمين على دفع ضريبة الجهل. ليس جهلنا نحن، بل جهل الآخر. وفي حالتنا نحن، اللاجئون الفلسطينيون في لبنان، فإننا ندفعها، أحيانًا، بعمرٍ مبكر. بعمرٍ مبكرٍ جدًا، وبأشكال عدَّة أيضًا. في حالتي، دفعتها بأن لم تكن لي حياة طبيعية على مرِّ مراحل الدراسة. فأنا كلاجئة فلسطينية عشت حياتي كلها في مخيم برج البراجنة في الضاحية الجنوبية للعاصمة بيروت، كنت بين طلّاب لا أشبههم. وفي أحيان كثيرة كان لديهم صورة جاهزة سلبية عن اللاجئ الفلسطيني، لا تشبه الحقيقة. فعلى عكس ما تصوّره عدسات إعلام العالم الأول، فإنَّ اللاجئ، بما تضمّه الكلمة من جنسيّات دول العالم الثالث، واللاجئ الفلسطيني خاصة، لا يستجدي شفقة ولا يطلب مكرمة. لكن أقل ما يمكن هو تذكّر أنّ اللاجئ لديه مشاعر وأحاسيس تجرح وأن بعض الكلام يترك ندبة يصعب شفاؤها مع مرور الوقت. في اليوم العالمي للاجئين 20 يونيو، إليكم بعض من الأمور لكيفية التعامل مع اللاجئين من وجهة نظري الشخصية جداً:

إعلان

لا تتفوّه أبدًا بجملة تدعي أنَّ الفلسطينيين باعوا أراضيهم"
في المرحلة الإعدادية، ألقى زميلي بوجهي قنبلة "بيع الفلسطينيين أراضيهم". وعقابًا، رأى أننّا نستحق الحياة في مخيّمات الذل. لكنّ الحقيقة لديّ مغايرة، فجدي كان يمتلك أوراقًا تثبت تمسّكه ببيته وأرضه إلى أن ارتحل عن هذه الدنيا وأورثها لأبي وإخوته. كظمت غيظي وتسللت ليلًا إلى صندوق والدي، وضعت الأوراق في حقيبتي المدرسية، وانتظرت زميلي صباحاً عند باب المدرسة، ألقيت التحية عليه، ناولته الأوراق، وتعلقت عيناي به وهو يحاول قراءتها، علمت بأنه لم يفهم منها الكثير، استعدت أوراقي منه، وبقيت خائفة قلقة حتى رجعت إلى المنزل وأعدت الأوراق إلى الصندوق الملفوف بحطة جدّي البيضاء في درج أبي على سيرته الأولى.

نصيحتي، لّا تتفوّه، أبدًا، بجملة تدعي "أن الفلسطينيين باعوا أراضيهم،" لأنّ قولك ذلك يضعك في خانتين. الأولى خانة الجاهل بالتاريخ وتفاصيله والثانية في خانة المحتلّ الذي يدأب ليل نهار على الترويج لهذه السردية التي تنفي حقيقة التطهير العرقي الذي تعرض له الفلسطينين، وأنهم لم يتركوا أرضهم بإرادتهم، وكون الفلسطيني لا يزال يناضل لاستعادة حقوقه بعد سبعين عاماً على نكبة عام 1948 هو دليل كاف على أننا لم نستسلم ولم نبيع. ولكن إذا ما تجرّأت على رمي تلك الجملة جزافًا أمام لاجئ فلسطينيّ، فلا يفاجئك ردُّ فعل عنيف وقاسٍ منه. ولا تعتقد أنَّ ذلك اللاجئ سينسى ما تفوَّهت به. فمع أنَّني كنت في الصف السابع، إلّا أنّي لا أزال أذكر اسم الطالب الذي قالها لي. نحن قد نغفر، ولكننا لا ننسى.

لا تذمَّ المخيّمات
في المرحلة الابتدائية، لم يُسمح لبعض صديقاتي بزيارتي لأنَّني أعيش في مخيم. فصرت أمشي بين الأزقة وأتلفت يمينا ويسارا بحثًا عن سبب خوف أهاليهن من إرسالهن في زيارة قصيرة إلى المخيم الذي أنشئ عام 1949، وتبلغ مساحته نحو كلم مربع واحد. يمكن للزواريب الضيقة أن تكون السبب، فهي أشبه بمتاهة متشابكة. لكنني دومًا ما أفلح في إيجاد طريقي إلى المنزل دون التعرّض لأيّ أذى. هل الشعارات التي تغطي جدران البيوت هي التي تخيفهم؟ ولكنها لطيفة جميلة ملونة بألوان العلم الفلسطيني، ومحشوة بأمل العودة إلى البلاد، فهل تخيف العودة أحداً؟ قلت أخيرًاً ربما تكون الجرذان والحشرات هي السبب. أنا أيضًا أخشى الصراصير والقوارض. أو ربما تراهم يخشون من النمل الأشقر الذي لطالما أعجبني شكله ونظامه وآلمتني قرصاته. ولكن مهما بلغ بها الحال من القباحة والبؤس، لا تتحدث عن المخيمات بسوء، فهي بلدنا وكل ما لدينا. لا تهن المخيّمات ولا تستخف بمن يعيش فيها. فهي بالنسبة للفلسطيني اللاجئ قلعة صمود ومحطة عودة للوطن (مخيم برج البراجنة يبعد عن الحدود مع فلسطين 107 كلم فقط). هي بالنسبة لنا قطعة أرض صغيرة، لا تتجاوز مساحتها الكيلومتر الواحد في أحسن الأحوال، توقّف عندها التاريخ. هي شاهد على كلّ ما توالى علينا من نكبات. داس أرضها مئات الأبطال والقادة من مختلف جنسيّات الأرض. جدرانها غطتها صور آلاف الشهداء وأبنيتها تحتفظ بعبق بارود يشهد على زمن شائن. فلا تذمَّ تلك المخيمات، فهي بقداسة أقدس ما يقدّسها كلٌّ منّا في قلبه.

مخيم برج البراجنة، بيروت. تصوير: ماجني هاجاتير

لا تتحدث عن قريتك أو مدينتك الأم أمام لاجئ
كلما كان يتداول زملاء الدراسة أخبار قراهم في الجنوب اللبناني أو شماله، كنت أهيم في روحي بعيداً عن كل ما يتكلمون به، أصعد إلى قمم البلاد، وألقي نظرة من الأعلى على مدينتي، أنا أيضا لدي مكان أنتمي إليه مثلهم تمام، إنها نابلس، شمال الضفة الغربية. كنت أنتظر دوري في الكلام دائماً وأخبرهم عن مدينتي البعيدة، ومع أني لم أدخلها يوماً لو حتى زائرة، كنت أعرف عنها الكثير. وفي إحدى المرات كنت غارقة في الحديث عن حواريها القديمة "إنها شام مصغرة، علبة عتيقة، تحمل حجارة من زمن الرومان والسامريين، وتفوح منها رائحة الحب في كل زاوية،" قاطعني معلمي بسؤال، بماذا تشتهر مدينتك من أكلات؟ ضحكت وأخبرتهم جميعا عن طعم الكنافة في نابلس، حتى أقسم زميلي بأنه أحس بطعمها يزين ريقه. وسألني أحدهم كيف تحملين كل هذا الحب لمدينة لم تزورينها؟ يومها لم أعرف كيف أجيب على مثل ذلك السؤال لكنني أعلم اليوم أن للحب نظام كامل يبدأ بقداسة البلاد وينتهي بكل ما ينتمي لها من بشر أو حجر أو حتى رمل وذاكرة. لذا لا تحسب أنَّ حديث البلاد يمرّ مرور الكرام أمامنا. فهو، وإن لم يبدو على ملامح الوجه، يلهب نارًا بين أضلعنا، حنينًا لمكان وُلدنا ولم نعرفه وعشنا ولم نزرْه ولربما يموت بعضنا قبل أن يدركَه.

مخيم برج البراجنة، بيروت. تصوير: ماجني هاجاتير

لا تجعل فلسطين مادة للسخرية
في المرحلة الثانوية، كان عليَّ شرح معنى "المخيّم" لبعض الطلّاب وأنّنا لا نعيش في الحقيقة بـ"خيْمَة" وأنَّ منّا الأساتذة والمهندسون والأطباء ومن أعلى من ذلك. في المرحلة الجامعية لم أترك زملائي يتقززون من كثرة اللاجئين في بلادهم بدون مواجهتهم بالحقائق. بعضهم فقد أدنى درجات "إتيكيت" المخاطبة عندما كان النقاش يتعلّق باللاجئين الفلسطينيين. فكان لا بد لهم أن يعلموا أنّنا لسنا بالحمل الثقيل على كاهل اقتصاد بلادهم، بقدر ما أننا طاقة إنتاجية للمكان الذي نسكنه. ووفرة الفلسطينيين في الطاقم التعليم الجامعي هو خير دليل على ذلك. لا تكرر جمل لا تفهم أبعادها، ولا تجعل اللاجئين "شماعة" لكل المشاكل التي في العالم. أيضاً، لا تجعل من قلادة خريطة فلسطين أو علمها، مادة للسخرية والاستهزاء. بالنسبة للبعض، تلك القلادة، مع صغر حجمها وبساطتها، تمدّنا بالقوّة، وتذكّرنا أنَّ لنا شيئًا في هذا العالم وأنّ علينا النهوض. وأنَّ ليس أمامنا حلّ سوى المضيِّ قدُمًا في المسير.

لا تتحدث بيأسٍ أمام لاجئ
لا أحد ينكر طول "مسيرة النضال والتحرير" سواء تلك التي على الورق أو على الثغور. الصراع على الأرض يأخذ وقتاً. وكثيرٌ من ضعاف النفوس يرون التحرير بعيدًا، أو حتى مستحيلًا. لكنَّ اللاجئين يرونه قريبًا. لسنا قومًا حالمين، ولسنا نعيش في يوتوبيا بُعْدٍ ثانٍ. لكنّ بانوراما تاريخيَّة سريعة تؤكِّد لنا أنَّ الباطل إلى زوال وأنَّ الاحتلال غير دائم. ولا، نحن لسنا كالغريق وحقُّ العودة ليس بقشَّة. إنّما من فقد الأمل هو الغريق المتعلّق بوعود وتصريحات هي أوهن من القشّة. الموازين لم تكن يوما ثابتة في هذا العالم، وإذا كانت بغداد، المدينة العريقة البهية الشجاعة، قد سقطت بيد المغول عام 1258، ففي العام 1260 لحقت الهزيمة في المغول وأصبح منتصر الأمس هو ذاته مهزوم اليوم، لكن الحقيقة أن المنتصر يميل دائماً إلى الاعتقاد أنه سيظل يحقق الانتصارات إلى ما لا نهاية، وعلينا نحن أن نثبت سنة الحياة بدورانها.
فلسطين لم تكن يومًا مجرّدَ حنينٍ عابر لدينا نحن اللاجئين، إنما هي حياة متكاملة نعيشها بأدق تفاصيلها، وإنْ حاولنا تجاهلها مرة، فهي تظهر لنا بقوة مرّات أخَرى في قوانين العمل والتملك والتنقل والسفر والزواج والحقوق المسلوبة، نحن نلاحقها وهي كذلك، تنتظرنا وننتظرها.

مخيم برج البراجنة، بيروت. تصوير: ماجني هاجاتير