تقنية

The Great Hack.. ووترجيت تطل بوجهها الجديد

حاول الفيلم تفكيك عمليات تغيير السلوك الجماعي من خلال حملات الإعلام الممنهج الذي قامت به كامبريدج أناليتيكا
15.8.19
the-great-hack

Netflix

"أظن أن الفيلم يتحدث عما إذا كنا نستطيع الحصول على انتخابات عادلة مرة أخرى، وهذا أمر مهم، مهم لنا بالتحديد. أهمية هذا الفيلم تبدو كبيرة، لأننا أتينا من مصر، لقد رأينا أن الديمقراطية ليست حقاً إلهياً كما يظن البعض في هذا البلد -الولايات المتحدة. الديمقراطية قابلة للكسر ويمكن الاستيلاء عليها بسهولة شديدة بنفس قدر إتاحتها."

كريم عامر المخرج المشارك في فيلم The Great Hack في لقاء تليفزيوني على قناة بي بي إس الأمريكية

إعلان

خلال الفترة ما بين عام 1972 1974 كان العالم مشغولًا بواحدة من أكثر الفضائح السياسية تأثيرًا على صورة الولايات المتحدة منذ نشأتها، فضيحة ووترجيت، التي نجح في كشف النقاب عنها الصحفيان العاملان في الواشنطن بوست، بوب وودورد وكارل برنستاين. الإدارة الأمريكية الجمهورية الحاكمة -حينها- تورطت في التنصت على مقر الحزب الديمقراطي في واشنطن بعد أن اقتحم خمسة أشخاص مبنى الحزب في مجمع ووترجيت وحاولوا وضع أجهزة تنصت إلا أنه تم القبض عليهم بعد ذلك. حتى يومنا هذا، مازالت فضيحة ووترجيت علامة فارقة في تاريخ السياسة الأمريكية؛ لأنها أدت إلى ترك الرئيس ريتشارد نيكسون لمنصبه.

بعد قرابة النصف قرن، نرى شكلًا جديدًا من انتهاك الخصوصية، ولكن هذه المرة على المستوى الشعبي وليس الحزبي، والمتورطون هنا شبكة التواصل الاجتماعي الأكبر في العالم فيسبوك، ووكالة تغيير سلوكي ودعاية تسمى "كامبريدج أناليتيكا." يمكنكم الاقتراب أكثر من هذا العالم عن طريق مشاهدة فيلم The Great Hack على نيتفلكس للمخرجين كريم عامر وجيهان نجيم، اللذين قدما من قبل فيلم "الميدان" الذي ترشح لجائزة الأوسكار في فئة أفضل فيلم وثائقي عام 2014.

The Great Hack يتحدث عن مسألة ليست بجديدة، خصوصية المعلومات وسريتها في عالم تحكمه وسائل التواصل الاجتماعي، وقد تناولت بعض الأعمال الفنية في السنوات الماضية هذه القضية، حيث اقتربت هذه الأعمال من دنيا اختراق الحواسب والإعلام الرقمي ومستوى سرية المعلومات في إطار عولمة مفروضة علينا، ونفوذ تملكه شركات التكنولوجيا العملاقة مثل فيسبوك وأمازون وغوغل، جعل الحكومات تطالب هذه الشركات العابرة للحدود بالحصول على البيانات الخاصة بمواطنيها.

المخيف هنا يتعلق بالتفاصيل التي لا نهتم بها نحن -عملاء الموقع- فالمعلومات التي نعطيها بكامل حريتنا بدون دراية منا، يُعاد تدويرها وإرسالها لنا في شكل إعلانات تستهدف تغيير سلوكياتنا تجاه قضايا جذرية تمس حياتنا اليومية

المخيف في الفيلم ليس ما يقدمه من معلومات تتردد على مسامعنا كل يوم حول عدم احترام هذه الشركات لسرية معلومات مستخدميها، بل المخيف هنا يتعلق بالتفاصيل التي لا نهتم بها نحن -عملاء الموقع- فالمعلومات الخاصة بنا نعطيها بكامل حريتنا دون دراية منا بالعادة، ثم يُعاد تدويرها وإرسالها لنا في شكل إعلانات تستهدف تغيير سلوكياتنا تجاه قضايا جذرية تمس حياتنا اليومية. ليست المعضلة في إعلان شراء منتج أو متابعة صفحة فنان مشهور، إنما في تحول منصة مثل فيسبوك من مجرد شبكة تواصل وربط بين البشر إلى آلة قتل تفرق بين البشر وتمزقهم من أجل المال.

كيف بدأت اللعبة؟
حاول الفيلم تفكيك عمليات تغيير السلوك الجماعي من خلال حملات الإعلام الممنهج الذي قامت به شركات متخصصة مثل شركة كامبريدج أناليتيكا (Cambridge Analytica) وشركة إس سي إل (Strategic Communication Laboratories) التي استخدمت بعض الاختبارات والأساليب النفسية في التعامل مع الأشخاص المنتمين لعدد من الكيانات المعادية للغرب أثناء حروب أفغانستان 2001 والعراق 2003.

إعلان

شركة إس سي إل شاركت في دراسة السلوك الجماعي (mass behavior) بشكل أكاديمي واستخدامه بعد ذلك سياسيـًا لخدمة أغراض الانتخابات أو التغيير السياسي. فقد شاركت سي إس إل في أكثر من 100 حملة دعاية انتخابية في دول نامية مثل إندونيسيا، وقامت بعمل استفتاءات في دول مثل إيران واليمن وتقديم خدمات سياسية في دول منطقة جزر الكاريبي وبعض دول أفريقيا وحصلت الشركة على حق الحملات الدعائية الانتخابية في دول مثل غانا وكينيا عام 2012.

في عام 2013 أنشئت شركة كامبريدج أناليتيكا (ك.أ)، باعتبارها الشركة الابنة لشركة إس سي إل، وذلك بعد استثمار أحد الأثرياء الأمريكيين. نجحت كامبريدج أناليتيكا من خلال عقلها المحرك ألكسندر نكس، في الحصول على عقود حملات انتخابية في دول متقدمة مثل الولايات المتحدة من خلال حملة المرشح الجمهوري تيد كروز الذي نافس دونالد ترامب في المراحل الأولية للانتخابات الرئاسية 2016 داخل الحزب الجمهوري.

لم تحصل (ك.أ) على عقود مشابهة من قبل نظرًا لوجود بنية سياسية قوية ومؤسسات حاكمة فيما يسمي بدول العالم الأول، حتى جاءت الفرصة السانحة في عام 2016، مرحلة سيطر فيها اليمين الشعبوي على دول غربية كبرى مثل المملكة والولايات المتحدة. هنا استطاعت أن تقدم كامبريدج أناليتيكا خدماتها المعتادة في دول العالم الثالث، لكنها لم تكن تعلم أن ما وقع في دول تفتقد الشفافية والمحاسبة لن يستمر في دول أخرى.

فقد قامت شركة (ك.أ) بعمل استطلاعات رأي لمئات الآلاف من المواطنين الأمريكيين. هذه الاستطلاعات تتعلق بشخصيات المواطنين هناك، مما ساعد الشركة على خلق نموذج يتكون من 4،000 أو 5،000 نقطة بيانات عن كل شخصية يمكن من خلاله التنبؤ بتوجهات البالغين في الولايات المتحدة، لأن الشخصية هي اللي تحرك السلوك، والسلوك يؤثر على التوجه التصويتي، وفق رؤية نكس. وقد ركزت (ك.أ) خلال عملها في الولايات المتحدة على ما أطلق عليهم The persuadables أو القابلون للإقناع، أي الأشخاص الذين لم يحددوا موقفهم الانتخابي. هذه الفئة كانت الهدف الأساسي للشركة حيث تغيير سلوكهم ورغباتهم تجاه الانتخابات الأمريكية.

حصلت كامبريدج أناليتيكا في نهاية 2015 على معلومات تخص حوالي 50 مليون مستخدم تم تجميعها "بدون علم فيسبوك" ولم يحاول الموقع الأكثر شهرة حينها أن يحمي معلومات مستخدميه أو يستعيدها أو على الأقل يقوم بإعلامهم بما وقع

وقد حصلت الشركة في نهاية 2015 على معلومات تخص حوالي 50 مليون مستخدم تم تجميعها "بدون علم فيسبوك" ولم يحاول الموقع الأكثر شهرة حينها أن يحمي معلومات مستخدميه أو يستعيدها أو على الأقل يقوم بإعلامهم بما وقع. المعضلة تكمن أن فيسبوك تم استخدامه من قِبل كامبريدج أناليتيكا من خلال جمع معلومات واستغلالها لأهداف ربحية وسياسية، ولم يُحرك مارك زوكربرغ ورفاقه ساكناً تجاه هذا الأمر قبل الفضيحة، مما وضع منصة التواصل الاجتماعي الأكبر تحت ضغوط كبيرة تتعلق بمسائل الخصوصية والتواطؤ مع مؤسسات وحكومات لإعطاء معلومات مستخدميها.

بريتاني كايزر
نجمة الوثائقي كانت بريتاني كايزر التي إذا بحثتم عنها على الانترنت لن تجدوا بيانات كثيرة عنها قبل عرض الفيلم، فمثلًا لن تجد معلومات عن تاريخ ميلادها، وكل المعلومات المتاحة حاليـًا معتمدة بالأساس على ماذكرته كايزر عن نفسها خلال أحداث الفيلم. تحول هذه الفتاة الداعمة لحقوق الإنسان والمشاركة في حملة انتخابات الرئاسة للمرشح الفائز باراك أوباما عام 2012 إلى العمل في شركة كامبريدج أناليتيكا، سببه البسيط المال وفق روايتها في الفيلم، حيث فقدت عائلتها المنزل الذي كانوا يعيشون فيه عام 2014 وذلك بعد التأثير الاقتصادي الكبير على حياتهم جراء الأزمة الاقتصادية في عام 2008.

محاولات بريتاني كايزر إظهار الندم على الشاشة لم تكن حقيقية في ظني، لم أصدقها، لم أشعر أنها أحست بالندم وهي تسبح في أحد حمامات السباحة في تايلاند. شعرتُ أنها حاولت الهروب من السفينة بعد أن تم خرقها، لتتحول من متهمة لشاهدة إثبات

بريتاني كانت عضوًا في المطبخ الداخلي لكامبريدج أناليتيكا، فقد تواصلت مع حملة دونالد ترامب من أجل التعاون معها، وظلت جزءًا من الشركة حتى بداية عام 2018. البعض يعتبر كايزر بطلة نادمة قررت العودة للطريق الصحيح وكشف أسرار شركة فاسدة، وهناك بعض آخر لا يرى في كايزر البطولة بأي حال لأنها عادت لصوابها بعد فوات الأوان. محاولات إظهارها الندم على الشاشة لم تكن حقيقية في ظني، لم أصدقها، لم أشعر أنها أحست بالندم وهي تسبح في أحد حمامات السباحة في تايلاند. شعرتُ أنها حاولت الهروب من السفينة بعد أن تم خرقها، لتتحول من متهمة لشاهدة إثبات، بل تتحول لبطلة مزيفة وتطلق حملة بعنوان Own Your Data التي تهدف لجعل البيانات الشخصية لا تقل في أهميتها عن حقوق الإنسان.

1565852520937-the-great-hack

بريتاني كايزر/ نيتفلكس

بالنسبة لي كايزر ليست بطلة أو Whistleblower، وهذا مصطلح دارج في الثقافة الأمريكية يتعلق بالأشخاص الذين يخرجون عن صمتهم تجاه فساد في مؤسسة ما، ويتحدثون عن كواليس العمل في هذه المؤسسة رغم خطورة ذلك على أمنهم الشخصي. الـ Whistleblower الحقيقي في هذه القصة هي كارول كادوالادر صحيفة الجارديان البريطانية التي عملت على ملف كشف فضيحة فيسبوك-كامبريدج أناليتيكا. كادوالادر نجحت في كشف سر كامبريدج أناليتيكا مثلما فعل وودورد وبرنستاين في فضيحة ووترجيت.

أوسكار منتظر وسؤال متكرر
في إحدى اللقاءات عندما سُئل عن مدى قدرتنا -نحن البشر- على السيطرة على حياتنا في ظل سيطرة التكنولوجيا الرقمية، أجاب الفيلسوف السلوفيني المعاصر سلافوي جيجك "التناقض الذي أراه أنه يتم التعامل معنا أننا أحرار، نملك الخيار الحر وكل شيء يعتمد علينا، ولكن في الوقت نفسه، حياتنا تتحدد من خلال الأبعاد الاقتصادية والعسكرية التي لا نعرف عنها شيئاً." وأوضح جيجك أن المعضلة أحياناً تكمن في صدمة البشر عندما يعرفون أنه يتم السيطرة والتلاعب بهم، فهم لا يريدون أن يعرفوا ذلك.

نجح الفيلم في طرح الكثير من الأسئلة المتعلقة بوهم الخصوصية الذي رسمته شركات التكنولوجيا الكبرى، ومدى التلاعب بالمواطنين في دول العالم المختلفة حتى المتقدمة التي يعتقد مواطنوها أن الشفافية تحكم المؤسسات

ضمن هذا الإطار، الفيلم نجح في طرح الكثير من الأسئلة المتعلقة بوهم الخصوصية الذي رسمته شركات التكنولوجيا الكبرى، ومدى التلاعب بالمواطنين في دول العالم المختلفة حتى المتقدمة التي يعتقد مواطنوها أن الشفافية تحكم المؤسسات. كذلك نجح الفيلم أن يضع بين قوسين خطورة استخدام البيانات وأنها لا تقل في خطرها السلاح، وأن الفساد الحاكم لشركات كبرى لا يختلف عن فساد المؤسسات الحكومية، الفارق أنه فساد هادف للربح من خلال تحويل المستخدمين لسلع.

إجمالًا، الفيلم رغم طول مدته، ساعتان، إلا أنه كان مزدحماً بالأحداث والدراما المكثقة. وماجعل الفيلم جيدًا أنه اعتمد على أبطال الأحداث أنفسهم دون أن يلجأ لشهادات أشخاص بعيدين عن الكواليس. المجهود الإنتاجي في العمل بدا كبيرًا سواء على مستوى الأرشيف المستخدم، أو التصوير في دول مختلفة مثل الولايات المتحدة وبريطانيا وتايلاند، كذلك فأعمال الجرافيك في الفيلم كانت أحد العناصر القوية التي جعلت دراما الفيلم أكثر تشويقاً.

أظن أن الفيلم سيكون له نصيب في ترشيحات الأوسكار خلال الشهور القادمة، خاصة في ظل اقتراب الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة 2020. الفيلم قد يستخدم سياسيـًا في محاولة كبح جماح حملة ترامب الرئاسية، ومساعدة من لم يعرف كواليس حملة ترامب 2016 أن يفهم التكتيكات المستخدمة في الحملة الجديدة لتفتيت الأصوات الخاصة بالمواطنين الأمريكيين الذين لم يقرروا بعد من يكون رئيسهم القادم.