مجتمع

في اليوم العالمي للإيدز: شباب عرب يتحدثون عن تعايشهم مع وصمة هذا المرض

شعرت أن حياتي ستتغير للأبد
1.12.18
ايدز

الصورة من فليكر

تبتسم ناريمان، 31 عاماً، خلال تحضيرها القهوة وتقول: "10 سنوات زواج، خضنا خلالها مطبات عديدة، لكن فيروس نقص المناعة كان أسوأها." زرت منزل نريمان في منزلها في العاصمة اللبنانية بيروت، حيث تعيش مع طفليها. مضى على دخول طلاق نريمان من زوجها حيز التنفيذ سنتين منذ أيام قليلة فقط لا تزال تشعر بالوجع: "لا شيء يعوض كسرة القلب."

سافر زوج ناريمان إلى إحدى الدول الأفريقية بعد أشهر من ولادة طفلتهما الصغرى آية: "حصل على عقد عمل لمدة سبع أشهر هناك، فكان السفر الحل الأنسب مع ولادة طفل ثاني في المنزل ومع غلاء قسط المدارس والمعيشة." لم ترد نريمان مرافقة زوجها إلى إفريقيا: "نحن نملك منزلنا في بيروت، شقة متواضعة تحوينا، والعائلة موجودة هنا، وبيروت تناسب أطفالي وطفلي الأكبر (3 سنوات) كان على مشارف الدخول إلى المدرسة."

إعلان

تضيف ناريمان: "طبعاً مدة العمل طالت عن 7 أشهر وبدا مدخوله جيداً، فقررنا أن نحارب المسافات وأن يأتي إلى لبنان خلال عطلة الأعياد ليعود بعدها إلى إفريقيا ويقوم بإمضاء عقد عمل لمدة 3 سنوات." خلال واحدة من الزيارات إلى لبنان، اعترف زوج ناريمان بخيانته لها، ووعدها بأن ينهي العلاقة. عندها، قررت ناريمان، بناءً على حديث مع شقيقتها أن تذهب لإجراء فحوصات دم. "كانت المفاجأة عند زيارة طبيبتي لأكثر من 8 سنوات، سألتني عما إن كنت قد أقدمت على "التخبيص" مؤخراً، ضحكت وقلت لها، أكيد، مع زوجي الذي يأتي من السفر كل 9 أشهر."

تتعايش اليوم نريمان مع الفيروس الذي نقله إليها زوجها وهي في مقتبل العمر: "بعد أشهر من إكتشافي اصابتي بالفيروس قررت الحصول على الطلاق. لم يكن السبب الفيروس نفسه، بل الخيانة والكذب. أنا اليوم ممتنة لأنني حصلت على العناية الطبية والمتابعة اللازمة. كل ما يهمني اليوم أن يعي أطفالي وغيرهم أن الوقاية والصدق عنصران أساسيان ومهمان في كل علاقة."

ويقدر عدد المصابين بفيروس فقد المناعة بحوالي 2.206 مريض حتى شهر نوفمبر 2017، بحسب احصائيات البرنامج الوطني لمكافحة الإيدز في لبنان، ويبين توزيع الحالات حسب العمر، أن العدد الأكبر للحالات المبلغ عنها هو ضمن الفئة العمرية 30-49 عاماً (ما نسبته 47٪). بينما يظهر التوزيع بين الجنسين أن 94.1٪ من الحالات المبلغ عنها حديثاً هي بين الذكور مقابل 5.9٪ للإناث. وترجح المصادر الطبية، أن يكون العدد الحقيقي للإصابات أكبر من المعلن عنه، لأن الكثيرين يرفضون القيام بالفحص المخبري.

وقد سجلت وزارة الصحة اللبنانية أول إصابة بالفيروس عام 1984، ومنذ تلك الفترة، بدأ الرقم بالارتفاع سنوياً. وفي عام 1989 قامت وزارة الصحة العامة (MOPH) بتأسيس البرنامج الوطني لمكافحة الإيدز (NAP) والذي تؤمن الوزارة من خلاله العلاج المضاد للفيروسات الرجعية (ARV) مجاناً.

إعلان

"تعمل الوزارة اليوم بالتعاون مع الأطباء والجمعيات المعنية بدعم مرضى الإيدز من خلال جعل عملية الحصول على الدواء تتم بشكل أسرع وبسرية تامة، وهو أمر ضروري جداً برأيي،" يقول إبراهيم، 27 عاماً، مختص في التسويق يعيش في بيروت. التقيت إبراهيم في مقر منظمة براود ليبانون Proud Lebanon في بيروت، وهي جمعية مدنية غير ربحية تدعم حقوق المثليين. "اكتشفت أنني مصاب بالفيروس عام 2015. كنت في رحلة في إسطنبول في تركيا وقررت الخضوع للفحص. كان قراراً عشوائياً ولم أعتقد أبداً أن النتيجة ستكون إيجابية،" يخبرني إبراهيم عن لحظة وصول نتائج الفحص في رسالة إلكترونية بعد يوم واحد من عيد ميلاده الرابع والعشرين. "كان شعوراً مخيفاً وغريباً، شعرت أن حياتي ستتغير للأبد."

عدد كبير من الأشخاص ابتعد عني، البعض تفادى رؤيتي حتى. ولكنني بالمقابل اكتسبت الكثير من الوعي وعلى الرغم من ابتعادهم عني، أعلم جيداً أنه في حال أصيب أحدهم بالفيروس سأقف بجانبه أو جانبها وسأوفر له أو لها كل الدعم

منذ أشهر قليلة، قرر إبراهيم مشاركة تجربته مع فيروس نقص المناعة البشرية على شبكات التواصل أي بعد ما يقارب الثلاث سنوات من تشخصيه. طبعاً أنا أعرف من الشخص الذي نقل لي الفيروس، وعرفت ذلك بواسطة فحص خاص خضعت له يكشف عن المدة التقريبية الذي ولد فيها الفيروس في جسدي. بس عادي، تصالحت مع الموضوع بطريقتي ههههههه."

محيط إبراهيم، أخواته وعائلته الصغيرة قدموا له الكثير من الدعم بعد تشخصيه، بعكس عائلته الممتدة التي خشي بعض أفرادها مصافحة يده: "إنو هني مفكرين إذا لمسوني بينتقل الفيروس لعندن،" يقول إبراهيم ساخراً. ويمكن أن ينتقل فيروس نقص المناعة البشري عن طريق تبادل مجموعة متنوعة من سوائل جسم الأشخاص المصابين، مثل الدم والسائل المنوي والإفرازات المهبلية ولكنه لا ينتقل عن طريق الملامسة اليومية مثل التقبيل أو المعانقة أو المصافحة أو تبادل الأشياء الشخصية أو الطعام أو الماء.

إعلان

توقع الشاب أن يتلقى الكثير من الدعم من الأصدقاء والمقربين عند مصارحتهم بإصابته بالفيروس، ولكن كانت النتيجة عكس توقعاته: "عدد كبير من الأشخاص ابتعد عني، البعض تفادى رؤيتي حتى. ولكنني بالمقابل اكتسبت الكثير من الوعي وعلى الرغم من ابتعادهم عني، أعلم جيداً أنه في حال أصيب أحدهم بالفيروس سأقف بجانبه أو جانبها وسأوفر له أو لها كل الدعم."

1543651176083-11351763714_5ab46d76e9_k

فليكر

ولا يزال المصابين بفيروس نقص المناعة يعانون من وصمة مجتمعية تجعلهم يخفون مرضهم مما يعرض حياتهم للخطر. وقد أظهر تقرير عن برنامج الأمم المتحدة المشترك المعني بالإيدز، أن الأشخاص المصابين بالإيدز أكثر عرضة مرتين لتأخر طلبهم للرعاية الطبية بالمقارنة مع نظرائهم الذين لا يعانون من تلك الوصمة. وأوضح التقرير أنه في 19 بلداً، تجنّب واحد من بين كل خمسة أشخاص مصابين بالإيدز التماس الرعاية الطبية. انتظار المصابين إلى أن يصبحوا مرضى جداً قبل طلب المساعدة، يهدد حياتهم حيث يصبحون بالعادة أقل استجابة للعلاج. في لبنان، وثقت جمعية العناية الصحية اللبنانية، المعنية بمتابعة ملف المصابين بفيروس نقص المناعة عدة حالات انتهاك بحق المصابين بفيروس نقص المناعة، حيث تم توثيق خمسة عشر انتهاكاً عام 2017، بحق أشخاص متعایشین مع الفيروس منها: خرق السرية وفضح أسماء مصابين، ورفض تقديم الخدمة، ومعاملتهم بأسلوب غير لائق.

بعتبر فيروس نقص المناعة حيواني الأليف الذي أروّضه بنفسي وبمساعدة الدواء

فيروس نقص المناعة يشكل تحديات يومية عديدة للمصابين به، فالزكام العادي قد يضع المصاب في الفراش لأيام. وبحسب منظمة الصحة العالمية، يستهدف فيروس نقص المناعة البشري جهاز المناعة في الجسم ويضعف أنظمة الوقاية والدفاع الخاصة بالأفراد مما يجعلهم عرضة لمجموعة كبيرة من حالات العدوى والأمراض. لكي يتعايش إبراهيم مع الفيروس عليه بالتعايش أيضاً مع حبة دواء بتناولها بشكل يومي: "زيها زي الفيتامينات، أصلا في فيتامينات طعمتها مقرفة. أنا بعتبر حبة الدواء مثل السناك أو Treat التي يقدمها الشخص عادة لحيوانه الأليف. بعتبر فيروس نقص المناعة حيواني الأليف الذي أروّضه بنفسي وبمساعدة الدواء."

وعن عمل منظمة براود ليبانون فيما خص التعامل مع فيروس نقص المناعة وحملات التوعية يقول مديرها بيرتو ماكسو: "المصابون بالفيروس يواجهون تحديات عديدة ليس فقط في لبنان بل عربياً، ونحاول في براود ليبانون تقديم الدعم اللازم وتحديداً في مجتمع الميم، حيث تؤكد الأرقام الأخيرة للأسف ارتفاع نسبة انتشار الفيروس بينهم، ولكن ربما يكون ذلك المؤشر مرتفعاً لأنهم أكثر من يلجأ إلى إجراء الفحوصات."

إعلان

وتقدم براود ليبانون عدد من الخدمات منها العيادة المجانية، وفحص فيروس نقص المناعة مجاناً بالإضافة إلى عدد من الفحوصات الأخرى. ويتركز جزء كبير من عمل المنظمة أيضاً على تنظيم مجموعات دعم بإشراف مختصين وعاملين اجتماعيين. وتحرص المؤسسة على تقديم الدعم لأي شخص يقوم بإجراء الفحص لديها وتبين إصابته بالفيروس.

ويضيف ماكسو: "برأيي من المهم جداً أن يجد المصابون بالفيروس من يحتضنهم سواء أصدقاء، منظمات، شركاء، عائلات، لأن الفيروس لا يزال حتى يومنا وصمة في مجتمعاتنا العربية، على الرغم من محاولات التغيير والتوعية. كما أنه تحدٍ آخر يضاف إلى لائحة التحديات الذي قد يواجهها الشخص المثلي، فكيف إن كان أيضاً مصاباً بالفيروس؟ لذلك نحن نشدد على أهمية التوعية، وتقديم كل ما هو متاح من أجل المساهمة في عملية الوقاية، لأن الإصابة بالفيروس هي تحدٍ أول، ولكن التعايش معه هو تحدٍ آخر يتحتم على الشخص مواجهته لفترة طويلة."

أنا أرفض بأن يظن أي شخص أنني ضعيف لمجرد إصابتي بالفيروس. أفضل التركيز على العمل الذي يجري اليوم لكسر التابو المرتبط بفيروس نقص المناعة، وما علينا القيام به للتعايش معه

ولعل الدعم الذي حصل عليه جوليان، 27 عاماً، من المنظمة والأصدقاء المحيطين هو ما ودفعه ليصبح ناشط اجتماعي كطريقة للتعايش مع الفيروسً الذي اكتشفه في عمر 19: "عندما تم تبليغي بإصابتي بالفيروس عرفت أنني أمام مسؤوليات جديدة، وأهمها سيكون محاولة الوصول لأكبر عدد ممكن من الأشخاص لمساعدتهم على فهم أهمية الوقاية أو حتى التعامل مع الفيروس في حال إصابتهم به." يقول جوليان أنه كان محظوظاً لأن الجمعية أحاطته بالدعم الذي احتاجه، ويشرح أن المرحلة الأصعب هي ما يلي التشخيص، وهنا تكمن أهمية الدعم إن كان من فرد إلى آخر أو أيضاً عبر مجموعات الدعم.

يشغل اليوم جوليان مناصب عديدة في عدة مبادرات عالمية تسلط الضوء على فيروس نقص المناعة: "يمكنني أن أتكلم لساعات عن تجربتي الشخصية والصعوبات التي واجهتني كمريض إيدز ولكن ذلك برأيي بات مستنفذاً. أنا أرفض بأن يظن أي شخص أنني ضعيف لمجرد إصابتي بالفيروس. أفضل التركيز على العمل الذي يجري اليوم لكسر التابو المرتبط بفيروس نقص المناعة، وما علينا القيام به للتعايش معه."

الحصول على العناية الطبية والمتابعة والأودية الباهظة الثمن التي قد تصل تكلفة العلاج الشهري ما يقارب 3,000 آلاف دولار أمريكي هي تفاصيل لا تغيب عن بال كلٍ من الأشخاص المتعايشين مع الفيروس. يخبرني الطبيب ناجي عون، المختص في معالجة الأمراض المعدية في مركز CMC الطبي في بيروت من أن وصمة العار الثقافية والنظم القانونية العقابية تؤدي إلى التخلي عن العديد من المرضى غير القادرين على الحصول على العلاج والدعم، مما ينتج عنه فقدان الوظيفة ومصدر الدخل وزيادة مخاطر انتقال العدوى. الطبيب عون اختار "عن قناعةٍ" كما يقول، أن يقدم الاستشارات الطبية المجانية مع عدد كبير من الجمعيات في لبنان.

"من واجبنا كأطباء أن نتفهم تهرّب المريض من زيارة الطبيب لأسباب مادية، وعلينا أن نكسر تلك الحلقة المستمرة من التهرب لأننا بكسرها نخفف جداً من انتشار الفيروس ونُحسن فرص المرضى بالحصول على العلاج المناسب،" يضيف عون. والواجب الطبي لا يقتصر بحسب عون على الجانب العيادي بل إن مراقبة نظام الشخص الغذائي وحالته النفسية: "كل ذلك يكون سلة متكاملة مما قد يتعرض له من إساءة في مكان العمل أو داخل المنزل، وهو أمر يتطلب المتابعة. ما نراه في تواجد عدد من الجمعيات التي تقدم الدعم للمرضى وهو مؤشر إيجابي، وقد برهنت دراسات عديدة أن تأمين أرضية خصبة لتطوّر حياة المصاب إن كان على الصعيد المهني أو من خلال تحديد أهداف لنفسه لمتابعة العلاج يساعد بتحسين نفسيته وصحته بطريقة إيجابية بنّاءة."

إن كنت تعيش في بلد يقدم لك نوع من الدعم، قديصبح التعايش مع الفيروس أقل تعقيداً -ويبدو أن لبنان يسير في الاتجاه الصحيح فيما يخص ذلك. إلا أن التخلص التام من وصمة العار المحيطة بالإيدز قد لا يحصل اليوم أو غداً أو قريباً، لكنه ينطلق من خلال التوعية والشفافية والصدق وإيجاد شبكة الدعم المناسبة.