مقابلة

كوميديا بنكهة عربية خالصة

نتحدث مع روسن حلاق، وعدي خليفة، وإبراهيم الخيرالله عن مشروعهم الجديد مع نيتفلكس
2.1.19
كوميدي نيتفلكس
رنا عفيفي مع عدي خليفة، روسن حلاق وابراهيم الخيرالله.

كلّما شاهدت عرضاً كوميدياً، سواء كان حيّا أو على التلفاز، لطالما قاطعت أفكاري تساؤلات وتصورات عديدة عن كيفية التعامل مع "الكوميديان" بعيدا عن منصته، وكيف سيبدو إجراء حديث معه أو معها. هل ستكون الأحاديث جادة دائما لأنه بالتأكيد قد "ملّ" من الضحك، أم سيضطر المسكين بأن يبقى في مزاج المزاح بشكل دائم كـ "لعنة" ترافقه كونه اختار أن يكون "كوميدياً."

لحسن الحظ سنحت لي الفرصة بأن أحظى بصحبة ليس أحد الـ "كوميديين" فحسب، بل ثلاثة منهم: عدي خليفة، روسن حلاق، وإبراهيم الخيرالله وأن أخوض تجربة الأحاديث معهم بأنواعها جادة وطبيعية ومحرجة ومضحكة، وأختبر بنفسي تجربة صحبتهم لمدة عشر دقائق في لقاء سريع خلال تواجدهم بدبي. وجاء هذا اللقاء في إطار مشاركتهم في سلسلة عالمية اطلقتها نيتفلكس أول هذا الشهر تحت عنوان كوميدو العالم (Comedians of the World) وتضم 47 فنانًا كوميديًّا من 13 منطقة مختلفة بثماني لغات ضمن عروض كوميديّة ارتجاليّة. وسيمثل الثلاثة بالإضافة لمؤيد النفعي من السعودية -الذي تعثر علينا مقابلته- الشرق الأوسط في هذه السلسلة.

إعلان

يقال، من يستطيع إضحاك الآخرين هو بالتأكيد شخص "عبقري." وأنا أوافق تماماً على هذه المقولة، وبما أن الذكاء والعبقرية تتوافق مع صفة الواقعية والتواضع، فهذا كان تماماً أول ما وجدته في لقائي للشبان الثلاثة. وباعتبار "نتفليكس" بوابة فعلية للعالمية والشهرة في عصرنا، بعيداً عن قنوات التلفزيون وشركات الإنتاج الفني وغيرها، قد تتوقع أن يكون من وقعّ عقداً مع هذه الشبكة العملاقة، مختالًا بنفسه بصورة أو بأخرى. ولكن في الحقيقة كان الشبان الثلاثة طبيعيون وبسيطين جداً، بابتساماتهم وروحهم الخفيفة، ويبدون ممتنين جداً للفرصة التي أعطيت لهم، كما قالت لي روسن، 31 عاما من الأردن، عندما أخبرتها بأني شاهدت حلقتها قبل عرضها على الشبكة.

كانت حلقة روسن ممتازة، حيث شاهدت فيها جانباً جديداً منها، بكل ثقة كانت تلقي النكات لتسخر من "سمنتها" وطريقة تناولها للطعام، وحتى أنها تطرقت بأسلوب ساخر لمعاناتها مع "الغازات" وكيف كان موقف خطيبها من ذلك. كل هذا وجدت به بعض الجرأة كونها فتاة وتخضع لجميع الأحكام التي تطلق على المرأة بمجتمعنا، والتي "يجب" أن تنطبق عليها الكثير من الأوصاف الجسدية المثالية ومعايير اللباقة الغير منطقية.

"منذ خمس سنوات تقريباً وأنا أُحضّر لعرضي هذا الذي لا يتجاوز نصف ساعة، أردته أن يكون قوياً جداً، فهي فرصة جميلة جداً أن نظهر ككوميدين عرب على نيتفليكس،" تقول روسن وهي تتحدث بلسان الجماعة، ويتفقان معها عدي وإبراهيم بإيماءات ونظرات توحي بالموافقة: "هذه الفرصة تشكل انطلاقة لنا من نيتفلكس إلى العالم، ومن يدري قد نصل لنكون أسماء كبيرة في عالم الكوميديا، لا شيء مستحيل."

1546419959011-Rawsan_Glam_04

روسن حلاق.

تابعت حديثي مع الشبان، محاولة أن أفهم كيف يتعاملون مع ضغوط الرقابة المتعددة في مجتمعنا. وفي الحقيقة يكفي أن تحضر عرضاً كوميدياً باللغة الإنجليزية لتدرك كم نحن "مؤدبون" في الكوميديا العربية، كما نبدو نحن العرب على التلفاز وكأننا الشعب الوحيد الذي لا يستعمل الشتائم. أردت أن أعرف لماذا ومن أين تأتي الرقابة على الكوميديون العرب، وكيف يتعاملون معها؟ أجابني عدي، 31 عاماً من فلسطين، بدبلوماسية على هذه الأسئلة: "في نهاية المطاف أنا entertainer ووظيفتي أن أقوم بالعرض الكوميدي وأطرح المواضيع التي تعنيني. لا أتجاوز الحدود في هذه المواضيع من منطلق احترامي للجمهور. دائماً ما أتصور والدتي في الحضور وأتخيل ردّة فعلها. هناك حدود أضعها بيني وبين نفسي. هي ليست رقابة عامة ولكن رقابة على نفسي وقراراتي. وذلك لا يمنع أني إذا اقتنعت بموضوع لدرجة كبيرة قد أطرحه حتى لو تجاوز بعض الحدود."

أنا أرى استغلال التابوهات - الممنوعات، وسيلة سهلة جداً لكسب الضحكات، وأنا لا أريد ذلك، أريد أن أتحدى نفسي

ولعل من المنصف أن أقول، أني في حلقات "نيتفلكس" التي آداها الشبان الثلاثة، رأيت جانباً جديداً منهم وأجرأ بعض الشيء مما اعتدناه من الكوميديين العرب (لم يخلو الأمر من بعض الكليشهات) حيث تطرق عدي لتابو آخر وهو السياسة وإن كان من بعيد ولكن بطريقة ذكية وتحرك المشاعر. أما إبراهيم، 34 عاماً من السعودية، فتطرق خلال عرضه لأسئلة إبن أخته الصغير عن كيفية "صنع" الأطفال، وكيف أنه راح يسأل جدته عن الموضوع واستغرق إبراهيم في هذه النكتة والتي تتطرق لأحد التابوهات (الجنس) وإن كانت من بعيد. سألت إبراهيم عن محتوى عرضه، وتساءلت إن كان وجوده في بلد أجنبي (مونتريال، كندا) قد أزل بعض ضغوط الرقابة بالنسبة له: "لقد قلت نفس هذه النكات سابقاً في السعودية وتقبلها الجمهور بشكل جيد. هي قصص واقعية عن ابن أختي والذي حاله كحال الكثير من الأطفال، يسأل الكثير من الأسئلة التي تكون محرجة للبالغين أحياناً. ووجدت أنا جانباً كوميدياً فيها وسقتها خلال عرضي."

1546420243938-Ibraheem_Glam_03

ابراهيم الخيرالله.

ويضيف ابراهيم: "في عرض مونتريال الذي قدمته لتسجيل حلقة نيتفلكس كان يوجد العديد من المبتعثين السعوديين، وقد تقبلوا هذه النكات وضحكوا بشدة عليها." ويؤكد إبراهيم أنه يعارض استخدام الجرأة بطرح المواضيع الحساسة بشكل مبالغ فيه لاجترار الضحكات، وقال: "في الحقيقة أنا أرى استغلال التابوهات - الممنوعات، وسيلة سهلة جداً لكسب الضحكات، وأنا لا أريد ذلك، أريد أن أتحدى نفسي."

لا أعتقد أن هناك كوميدياً محترفاً يخرج على المنصة بدون تحضير، من هنا أردت أن أعرف كيف يحضر هؤلاء الشبان موادهم، وهل يساعدهم أحد في ذلك. وفي إجابة لهذا السؤال قال عدي، الذي ليس من الصعب أن تلاحظ الشغف في عينيه وهو يتحدث عن عمله : "أنا أكتب جميع موادي بالاعتماد على أحداث من حياتي اليومية، سواء اجتماعية أو إنسانية أو سياسية. ومهم بالنسبة لي أن أتكلم عن مواضيع تخاطب الجميع من الجنسيات المختلفة. أرى أن الكوميدي يتعامل مع مشاعر المتفرجين، وهذه المشاعر هي التي يجب أن توصلها بطريقة صحيحة لتضحك الناس بغض النظر عن الاختلافات الثقافية أو غيرها. هناك مشاعر إذا استطعت أن تمسّها كستاند آب كوميدي تكون قد نجحت بالوصول للجمهور واضحاكه."

إعلان

ويشير عدي الى أنه قد يستعمل "نكتة" سمعها من أخوه مثلاً في أحد عروضه، ولكنه عدا عن ذلك يعتمد تماماً على نفسه في كتابة مواده. وأضاف أنه بالرغم من وجود عدداً من الكوميدين المشهورين الذين يستعينون بكتّاب ظل لكتابة موادهم، يعتقد عدي ويوافقه الرأي إبراهيم وروسن، أن هذا العامل هو ما يصنع الفرق بين أن تكون "أسطورة" في عالم الكوميديا أو أن تكون مؤدياً. وضرب عدي مثال الكوميدي الأمريكي جورج كارلن الذي استطاع أن يكون اسطورة بهذا المجال وظل يقوم بعروض ستاد كوميدي لمدة 52 عاماً.

1546420079798-Adi_Glam_01

عدي خليفة.

بالطبع أخيراً وبالرغم من الوقت الضيق الذي أتيح لي مع روسن وعدي وإبراهيم، كان لا بد أن أسأل روسن عن تجربتها كإمرأة في مجال يطفح بالرجال. قالت روسن:" في البداية كان لدي تخوفات من نظرة المجتمع، ولكن انصدمت بالدعم والحب اللي وجدته من الناس. وبوقت قليل استطعت كسب قاعدة جميلة من الجمهور. وفي الحقيقة كنت أتوقع الكثير من الهجوم. ولكن في نهاية المطاف أنا أقدم نقد ساخر وبنّاء ويحمل بعض الرسائل وبأسلوب لطيف، ولا أمس أي محظورات من ناحية الدين ودائمًا ما أكون محتشمة." وأضافت: "بالطبع كوني محجبة يجعل الفرص المتاحة لي في مجال الفن والتمثيل محدودة، ولكن مع ذلك قُدمت لي بعض الفرص وصورت مسلسل مع قناة رؤيا الأردنية."

في النهاية، ودّعت الشبان بعد أن تجاوزت العشر دقائق المتاحة لي معهم. ولا أزال أحتفظ بالكثير من التساؤلات لهم بدون إجابات. ولكن ما وجدته هو الكثير من الحماس والطبيعية. مع بعض الديبلوماسية والابتسامات. وكانت نيتفلكس قد خاضت سابقاً بعض التجارب مع الكوميديون العرب، لعل أبرزها حلقة عادل كرم "لايف من بيروت" والتي بحسب بعض النقاد لم تحز النجاح المطلوب. ولكني شخصياً أعوّل أكثر على الشبان الثلاثة بإيصال بعضاً من حس الفكاهة العربي إلى العالم من خلال هذه السلسلة.

صور روسن، ابراهيم وعدي مقدمة من نيتفلكس.