مصر

قرار حكومي يُحوّل المعابد الأثرية المصرية إلى قاعات زفاف

غضب على مواقع التواصل، ومسؤول حكومي عن الصور ومقاطع الفيديو التي تصور انتهاكات الحفلات: "فوتوشوب"
5.11.18
قرار حكومي يُحوّل المعابد الأثرية المصرية إلى قاعات أفراح

الصورة من فيسبوك

أثار تنظيم حفلات زفاف داخل معالم أثرية مصرية غضبًا على مواقع التواصل الاجتماعي وبين أثريين وعلماء مصريات، مع انتشار صور لمرتادي حفليّ زفاف داخل معبدين أثريين في مدينتي الأقصر وأسوان (جنوبي القاهرة)، فيما دافع مسؤولين في وزارة الآثار المصرية، مؤكدين أن الأمر قانوني تمامًا، ولا ينطوي على مخالفات تذكر، بسبب تنظيم الحفلات وفق قرار صادر عن المجلس الأعلى للآثار.

"حفل عشاء" أحد المسميات التي تنص عليها لائحة وزارة الآثار المصرية للأحداث والفعاليات المسموح بإقامتها في المواقع الأثرية "نظير رسوم" وبناء على طلب من شركات السياحة، وهو ما كان يحدث منذ سنوات في مصر. وبحسب قرار أصدره الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار المصرية، في يوليو عام 2016، يُحدد سعر تأجير المناطق الأثرية لإقامة الاحتفالات العامة والخاصة، ولأغراض التصوير السينمائي أو الأفلام التسجيلية في المعابد والمناطق الأثرية، باتت تقام الحفلات من هذا النوع في مكان بعيد نسبيًا عن المبان الأثرية، أو يُطل عليها، يطل على المعبد، لكن صورًا التقطت للحفلين الأخيرين وتم تداولها عبر مواقع التواصل، كشفت وجود تجاوزات يمكن أن تنعكس سلبًا على سلامة معالم تاريخية شهيرة، خاصة المعابد التي تخطت بعض الاحتفالات قلبها وأعمدتها الأثرية.

إعلان

الواقع أن استغلال المواقع الأثرية والقصور التاريخية في الاحتفالات يرجع إلى السنوات الأخيرة من حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك، وفق أثريين ومسؤولين في وزارة الآثار، طلبوا عدم ذكر أسماءهم، حيث بدأ الحزب الوطني الحاكم آنذاك في استغلال معالم أثرية لتنظيم فعاليات سياسية، ووصل الأمر إلى قيام قيادي رفيع مقرب من جمال مبارك، نجل الرئيس الأسبق، بإقامة عقد قرانه بأحد القصور التاريخية (قصر محمد على بشبرا)، لينتقل منه الولع بتنظيم حفلات الزفاف بمعالم وقصور تاريخية، بعد إصدار قرار أمين مجلس الأعلى للآثار الذي يسمح بذلك وفق ضوابط لا تُطبق في معظم الأحيان.

الواقعتان الأخيرتان أعادتا ما عانت منه الآثار المصرية في السنوات الأخيرة لحكم الرئيس الأسبق حسني مبارك، وما تخللها من تعديات على الآثار في مناسبات مختلفة بقرارات من قيادات بارزة في النظام، خاصة أمانة السياسات التي كان يترأسها جمال مبارك، نجل الرئيس الأصغر. لم يكن لدى الأثريين آنذاك القدرة على الاعتراض على مثل هذه السلوكيات، قبل أن يتم تقنين الأمر وفق ضوابط يتم التحايل عليها.

زفاف في بهو معبد فيلة
قبل نحو ثلاثة أسابيع، وتحديدًا يوم الخميس 18 أكتوبر الماضي تم تنظيم حفل عشاء كبير في ساحة معبد فيلة بمحافظة أسوان بمناسبة عقد قران نجل أحد كبار رجال الأعمال، حضرته نخبة من الشخصيات العامة ونجوم الفن، وفي مقدمهم جمال مبارك، نجل الرئيس المصري الأسبق، وزوجته خديجة الجمال، والفنانة يسرا، وشريهان، والمخرجة إيناس الدغيدي، ورجل الأعمال سميح ساويرس، تخلله ما أسماه بعض معارضي هذا النوع من الاحتفالات بـ"التجاوزات."

اعتراضات مستخدمي مواقع التواصل المصريين عزت الأمر لأسباب متعلقة بالقيمة الأثرية للمعالم التي ظهرت في الحفلين، والتي لا يُمكن أن تقدر بثمن، وفق تعليقات المعترضين. طارق طنطاوي، أحد هؤلاء، علق على فيسبوك قائلا: "زفاف ٱخر فى معبد فيلة بعد زفاف الكرنك، وتصريحات المسؤولين توضح أن ما يحدث سيظل يحدث لأنه يحقق دخلًا جيدا..ما هذا المنهج المقزز." فيما رأت نيفين سميكة: "أن النتيجة النهائية التى توصلت إليها بعد مناقشات حضارية دارت بين أصدقاء كلهم اعزاء، رفض إقامة الحفلات فى المناطق الأثرية (قولًا واحدًا ورفضًا قاطعًا.. والسبب أنه مهما وضعنا من معايير فالناس لا تلتزم بها، ومهما وضعنا من ضوابط فهى للأسف لاتحترم.. على فكرة الفرح الذى أقيم مؤخرا فى معبد فيلة، طلب من المدعويين عدم ارتداء الكعب العالى والتصوير كما يشاؤون، ولكن طلب منهم عدم نشر الصور على وسائل التواصل الاجتماعي، وأنا أرى أن هذه مطالب تنم عن التحضر والرغبة فى الاحتفاظ بخصوصية الحدث.. وإن كان أخل البعض بهذه الشروط ونشرت للأسف العديد من الصور الصحف! عيب، ولكن يظهر أن فيه ناس ما تعرفش العيب)."

وتظهر الصور التي تداولها على مواقع التواصل عدم التزام القائمين بالمكان المخصص لإقامة الحفل، وهو مكان عرض الصوت والضوء بمعبد فيلة، حيث ظهر العروسان في لقطات مختلفة بكل أرجاء المعبد من الداخل والخارج بعيدًا عن المكان المخصص للحفلات. كما تظهر إحدى الصور تقبيل العريس لعروسه داخل ساحة المعبد بشكل اعتبره المعارضون "لا يليق بالآثار المصرية" بالإضافة إلى وضع فريق موسيقي بالقرب من مبان أثرية داخل المعبد، وهو من شأنه الإضرار بالأثار. بينما شارك المدعوين العروسين في تجولهم بحرية كاملة والتقاط الصور التذكارية داخل أرجاء المعبد المختلفة، مثلما يظهر في الفيديو التالي:

وعلى الرغم من كل ما تم رصده بالصور والفيديو، يُصّر المسؤولين بوزارة الآثار المصرية على نفي حدوث أية تجاوزات أثناء الحفل، من بين هؤلاء الدكتور عبد المنعم سعيد، مدير عام آثار أسوان والنوبة، الذي قال إنه كان متواجدًا بجانب 12 من مفتشي الآثار طوال الحفل. وتحدى أن يكون أي فرد قد تواجد خارج المكان المخصص للحفلات أمام المعبد. إلا أن انشغال بعض الأثريين بالتصوير مع المدعوين من رجال الأعمال والسياسة والفن أكثر من متابعة تنظيم الحفل، يشير إلى عكس ذلك، مثلما تظهر بعض الصور لمفتشين الآثار وعلى رأسهم مدير آثار أسوان، أحمد صالح، في صور أثناء ممارسة مهام في الحفل يلتقطون صورا مع جمال مبارك ومع الفنانة يسرا.

واعتبر سعيد، أن جميع الصور التي تظهر أي تجاوز هي مجرد صور مفبركة عن طريق الـ"فوتوشوب" وتساءل: لماذا لم تظهر هذه الصور في نفس يوم الحفل وظهرت بعده بـ 3 أيام أو أكثر، واستدرك: بالطبع ليتم عمل فوتوشوب عليها. وعن الفيديو المصور: قال سعيد إنه فوتوشوب أيضًا. وعن الضوابط الخاصة بتنظيم الاحتفالات داخل المعابد الأثرية قال سعيد إنه الأماكن المخصصة لمثل هذه الاحتفالات، قال إن تشترط أن يكون الحدث بعيدًا عن الموقع الأثري، مع عدم تسليط الأضواء على الآثار، وعدم لمس الحضور للقطع الأثرية، أو وضع أى شيء عليها، بالإضافة إلى عدم دخول أي مشروبات كحولية، وعدم وجود فرق للرقص أو الغناء، مشيرًا إله أنه لا بد من توقيع مدير شركة السياحية المسؤولة عن تنظيم الحفل على هذه البنود والاشتراطات فى محضر رسمي بشرطة السياحة والآثار، كما يوقع على هذا المحضر مالك شركة السياحية ومديرها وصاحب الحفل.

إعلان

حفل قران بمعبد الكرنك
لم تكن واقعة معبد فيلة الأولى، بل سبقتها واقعة أخرى في الشهر ذاته، وفي واحد من أهم المعابد المصرية، معبد الكرنك بمدينة الأقصر، إذ شهد إقامة حفل عشاء، تخلله عقد قران لعروسين من أبناء رجال الأعمال داخل بهو الأعمدة، وأثارت الواقعة بدورها عاصفة من الغضب، واعتبرها كثيرون إهانة لمعلم تاريخي.

على الجانب الآخر، قال مدير عام آثار الكرنك، مصطفى الصغير، قال إن حفل العشاء أقيم بموافقة الجهات المختصة، وفق لائحة قانونية موضوعة من جانب وزارة الأثار، وأنه على هامش حفل العشاء حضر مأذون وأقيم كتب كتاب، وكان العروسان بملابس عادية. وأضاف الصغير، في تصريحات خاصة لـ "VICE عربية" أن إقامة الحفلات في المعابد ليس أمرًا جديدًا على الإطلاق، موضحا أن حفلًا غنائيًا أقيم في معبد الكرنك منذ شهرين لصالح مستشفى خيري، وأن الحفلات يتم تنظيمها لزيادة موارد الوزارة وتنشيط السياحة.

بعد مطالبات متعددة بالتحقيق في واقعة "معبد الكرنك" أصدرت وزارة الآثار المصرية بيانا صحفيا تعلن خلاله وقف التعامل مع الشركة السياحية المنظمة للحفل، وحررت محضرًا ضدها في الشرطة (بعدما أقامت حفل زفاف بداخل معبد الكرنك بالأقصر) في مخالفة للقواعد الحكومية في التعامل مع المواقع والمناطق الأثرية. وذكرت وزارة الآثار في بيانها أن الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار قال إن الشركة خالفت التصريح الرسمي الذي حصلت عليه من وزارة الآثار بإقامة "حفل عشاء كما هو متبع وليس عقد قران" مما استدعى تحرير محضر رسمي ضدها بشرطة السياحة والآثار ضد الشركة، بالإضافة إلى إحالة عددًا من موظفيها إلى التحقيق.

ردود الفعل
التصريحات التي أطلقها المسؤولون الحكوميين لم تهدئ من حالة الغضب خصوصاً العاملين في مجال الآثار. الأمين العام الأسبق للمجلس الأعلى للآثار، الدكتور محمد عبد المقصود، قال إنه ضد إقامة الحفلات داخل المعابد والمساجد الأثرية، وأضاف عبد المقصود، في تصريحات خاصة، أنه يمكن أن تكون الآثار خلفية وليس ساحة للأفراح، ولنحترم رأي الشعب المصري والقانون. واقترح عبد المقصود ضم الآثار للموازنة العامة للدولة لحماية الآثار.

من ناحيته قال سامح الزهار، عالم الآثار الإسلامية البارز في مصر، إن هذا النوع من الاحتفالات التي تكون في أغلبها حفلات زفاف، مزودة بوسائل إضاءة وأجهزة صوت تضر بالأثر وبحرمته، بالإضافة إلى ما تتضمنه هذه الحفلات من رقص وشرب للكحوليات وأمور قد تخرج عن السيطرة. وأوضح الزهار: "هذا ليس معناه إغلاق المناطق الأثرية أو أن تقتصر فقط على الزيارة، ولكن من الممكن أن تكون الاحتفالات ذات طبيعة ثقافية أو لهيئات وجهات تعقد بها الاجتماعات والمؤتمرات مثل ما يتم في قصر الأمير محمد على بالمنيل أو التوظيف الثقافي ببيت السناري بالسيدة زينب، وبيت السحيمي بالدرب الأصفر."

وعن لائحة الآثار التي تستند إليها وزارة الآثار في تنظيم الاحتفالات، قال الزهار إنه لا توجد لائحة واضحة تنظم استغلال المواقع التراثية ذات الطبيعة المادية، وكل ما يذكر هو شذرات فقط لها بها ألف ثغرة يتم من خلالها التحايل على القوانين المنظمة لحماية الآثار. والدليل على هذا أنه لم يتم توقيع عقوبة واحدة على المسؤولين عن الانتهاكات التي وقعت في المناطق أثرية، ولنا في حفلتي فيلة والكرنك خير دليل، وقد سبقهما حفل عبارة عن زفاف شعبي في قلعة قايتباي في محافظة الإسكندرية، ولم يتم أيضًا معاقبة المسؤولين عن ذلك.

واقترح الزهار أن تقوم المؤسسات المسؤولة عن إدارة المناطق التراثية والأثرية بتأجير تلك المواقع واستخدامها بضوابط صارمة وبأنشطة محددة في الإطار الثقافي والفني أو المؤتمرات والاجتماعات الرسمية مثل احتفالات السفارات والمؤتمرات الدبلوماسية، موضحا أنه "في مصر هناك بعض المواقع المستغلة بشكل جيد مثل حديقة قصر البارون". وأوضح الزهار أنه لابد أن تكون الاحتفالات على مسافة آمنة من الموقع الأثري ليظهر في الخلفية فقط" وأضاف: "أما ما رأيناه مؤخرًا من حفلات زفاف صاخبة، وما سمعناه من آراء تبيح ذلك وأكثر، فيعكس مدى الجهل والعبث الذي أصبح افتراضيًا في عدد كبير من المجالات خاصة ذات الطبيعة الثقافية."

وفيما يتعلق بالعائد المادي الذي يحسن من موارد وزارة الآثار المالية، قال الزهار إن العائد المادي لا يوازي أبدا ما يتم انتهاكه، والأمر هنا ليس ماديًا فحسب، ولكن هو حفاظ على ماهية السجلات الصامتة التي بنيت خصيصا في بادئ الأمر بأن تكون معابد أو مناطق ذات قدسية، حتى أضفى الزمن عليها قدسيته أيضا، وبالتالي لا يمكن بيع التاريخ أو السماح بانتهاكه في مقابل بضعة جنيهات أو دولارات.

واقترح الزهار استصدار لائحة جديدة منضبطة وقوية وواضحة تحدد واجبات والتزامات كافة الجهات المعنية والمسؤولة، وفي المقابل تكون هناك قوانين رادعة لحفظ الآثر، وهذا الأمر يتطلب استصدار تشريع من مجلس النواب المصري بالتنسيق مع وزارت الآثار والثقافة والسياحة وغرفة تنشيط السياحة والمحليات، لافتا إلى أن هذا الأمر ليس بالصعوبة المتوقعة، ولكن وجود تشريعات قوية وواضحة تجعل كل طرف ملتزما بما يوكل إليه.