فنون

مشروع سارة أبو رحال بعنوان De (con) struct

فنون

لبنان و"فن الاستمرار" وسط زحمة التحديات الاقتصادية

"Keep Walking Lebanon" تعطي الفرصة لطلاب الجامعات لتفسير معنى الايجابية بطريقتهم
12.2.19

عند قراءة شعار "استمر في المشي" Keep Walking – يصعب عدم التفكير بالحملات الدعائية التي تحاول أن تمنح المُشاهد الغارق في لبنان جرعة من الإيجابية، حيث تحول هذا الشعار، منذ سنوات حتى اليوم إلى أسلوب حياة عند البعض من هاوي النظر إلى الجانب المشرق. إلا أن فن الاستمرار لا يتقنه كثُر في ظروف مماثلة للتقلبات التي يمر بها لبنان سنوياً.

ولكن هذا العام، أتاحت شركة "Johnnie Walker" الفرصة للطلاب الجامعيين في لبنان لابتكار مشاريع تعكس تفسيرهم الخاص لمعنى حملتهم "Keep Walking Lebanon." بالاضافة إلى اعطاء الطلاب الجامعيين المختصين في مجال الفنون تحديداً (صناعة الأفلام وتصميم الرسوم والهندسة المعمارية والتصميم الداخلي وتصميم الأزياء) الفرصة للتعبير عن أنفسهم، سيتم توفير تدريب للطلاب المشاركين مع أعضاء لجنة التحكيم، ومنح جوائز نقدية للطلاب الفائزين في المراتب الثلاث الأولى. "هذه خطوة ضرورية ومطلوبة،" بحسب القائمين على المشروع ولجنة التحكيم لقلة الفرص المتاحة للمصممين والخريجين الجدد في خطوة قد يكون هدفها تشجيع الجيل الجديد على عدم مغادرة لبنان.

إعلان

انطلاقاً من هذه الفكرة، يقول القائمون على الحملة والمشروع أن الفن لطالما كان "طريقة فعالة لتغيير وجهة نظر نمطية عن موضوع ما أو بلد معين،" ولأن لبنان بلد مليء بالقدرات التي تنتظر استكشافها، قرروا وللمرة الأولى في لبنان، إشراك الطلاب في التغيير. في السنوات المنصرمة، اختار القيمون على الحملة شخصية واحدة ومختلفة كل عام، لتمثيلها: منهم المخرجة السينمائية نادين لبكي والمصمم العالمي ايلي صعب وغيرهم. هذه السنة تقرر أن يكون وجه الحملة الطلاب أنفسهم.

1549972350516-All-students

صورة جماعية للطلاب ولجنة التحكيم.

يقول القائمون على المعرض والمسابقة أنه تم اختيار 14 مشروعاً من أصل 200 مشروع تقدم بهم عدد كبير من الطلاب اللبنانيين، وتركت أيضاً المسابقة المجال أمام الزوار للتصويت لمشروعهم المفضل من بين الـ14 مرشح/ة. استحوذت المسابقة على مبنى KED بطوابقه الثلاث في بيروت، حيث تم عرض المشاريع الـ14 لمدة ثلاث أيام متتالية من 7-9 فبراير. وقد ضمت لجنة التحكيم ضمت عدداً من الأسماء المعروفة ومنها المهندس برنارد خوري الذي يعرف السائر في شوارع بيروت المباني التي صممها في حقبة ما بعد الحرب الأهلية بعد فترة من طغيان المباني المهدمة والمضرّجة ببقايا الرصاص على العاصمة، ومصممي الأزياء جورج قزي وأسعد أسطى، بالإضافة إلى مصممة الديكور ندى دبس.

ومع تكرار النقاشات منذ دخولنا الشهر الثاني من عام 2019 في لبنان التي يرزح تحت وطأة تحدي اقتصادي يصفه خبراء بالـ مقلق. وعلى الرغم من تشكل الحكومة والوعود التي أطلقها عدد من الوزراء الجدد، يسيطر على البلد اليوم بشكل خاص جو سلبي بامتياز. فهل ما يحتاج إليه لبنان هو جرعة من الإيجابية -ولو المفرطة بعض الشيء- لتمنحنا القليل من الأمل؟ قد لا يتوقع كثر أن يأتي ذلك الأمل من خلال حملة واجهتها قنينة كحول ولكن ضمن جولتي على المعرض وتدقيقي بالفرص التي منحها المشروع للطلاب، تبيّن لي أن مضمون الحملة أعمق من ذلك بكثير، فعوضاً عن دعوتك إلى الهروب من همومك ومشاكلك الاقتصادية والمعيشية عبر شرب الكحول، يكسر القيمون على Johnnie Walker - الراعي الرسمي للحملة، تلك الصورة النمطية عبر الدعوة إلى استكشاف ما خلف تلك القنينة على الرغم من كونها المكون الرئيسي للعلامة التجارية المعروفة بحملاتها الإعلانية منذ سنوات.

1549972448937-The-Expo-2

وكأن المقصود من معرض Keep Walking Lebanon دفع الزوار إلى التنقل بشكل مستمر بين المشاريع الـ14 التي عرضها طلاب جامعات واختصاصات مختلفة في لبنان، ومنهم أنا، فمن لحظة دخولي إلى القاعة وحتى خروجي، لم أتوقف عن التنقل بين التصميمات ومناقشة مضمونها. بعض المشروعات أضحكني مثل مشروع "الحذاء القابل للشحن" للطالبتان ألين رزيان وإيفا رحمة، وهو قائم على فكرة "كلما مشيت أكثر اكتسبت نسبة شحن أكثر لتعيد شحن هاتفك بها" و "عدة البقاء على قيد الحياة" والذي هي سترة متعددة الاستعمالات تتحول لشنطة وفرشة وواقي من المطر وأرجوحة أيضاً. هناك مشاريع أُخرى دفعتي للبكاء ولعن ساعة الفقر في لبنان مثل الفيلم القصير "أنا فيليب بسترس" لبيرلا خير الله، وهي قصة رجل مسن الذي يكافح في الفيلم من أجل إعادة لم شمل عائلته متحدياً كل العوائق. بعضها الآخر لفتني بسبب طبيعة عملي مثل فيلم "مش بس فلكلور" لبلتريك الحاج، وهو إنتاج قصير يلخّص معاناة اللبناني اليومية من خلال المسّ "بأقرب المقدسات": الوطن، و"خيط غير قابل للكسر" لزلفة لويس أبو شرف، والذي يقوم على نظرية أهمية بقاء اللبنانيين في الوطن، لضمان الاستمرارية والمشي إلى الأمام."

1549972485074-The-Rechargeable-Shoe

"الحذاء القابل للشحن" The Rechargeable Shoe

1549974199811-I-am-Philippe-Bustros

"أنا فيليب بسترس" I am Phillipe Bustros

"عالم الأزياء لا يُختصر بعروض الأزياء والعارضات،" تقول الطالبتان تالا فاخوري ونور أسمر، من معهد ESMOD لتصميم الأزياء، مصممتي مشروع "عدة البقاء على قيد الحياة" The Survival Kit: "قررنا أن تصميم شيء جديد ويمكن استخدامه ليس بغرض الخروج إلى عشاء ما أو سهرة بل في الحياة اليومية، بعيداً عن الفساتين اللماعة. لاحظنا أيضاً ازدياد اهتمام اللبنانيين من جيلنا مؤخراً بالتخييم واستكشاف ما تبقّى من الطبيعة في لبنان ومن هنا أتت فكرة ابتكار هذه السترة المتعددة الاستعمالات."

1549972575556-The-Survival-Kit

"عدة البقاء على قيد الحياة" The Survival Kit

"النظر إلى الجانب المشرق، أو حتى النظر إلى النصف الممتلئ من الكون،" عبارتان ناقشهما أليكسيس الهيبي (23 عاماً من كلية الفنون الجميلة في جامعة البلمند) وليا رمضان (23 عاماً من الجامعة الأميركية في بيروت) خلال عرضهما مشروع Walk Through "أمشي وتخطّى" الذي يقودك من نقطة ثابتة للمشي على خط مستقيم وعند وصولك إلى العوائق السوداء تجد نفسك مستعداً لتخطيها بخطوات بسيطة لتصل إلى غرفة صغيرة مليئة بالمرايا التي تعكس رد فعل الزائر.

1549973346450-The-Walkthrough-2

"أمشي وتخطّى" Walk Through

"هو مشروع شبيه بالخدع البصرية، ولكنه أعمق من تلك العبارة، فالهدف منه أن نعكس قدرة اللبناني على تخطي العقبات رغم الظروف المحيطة، لأن أكثر العبارات التي نسمعها هي أننا شعب يتميّز بالليونة النفسية والقدرة على الاستمرار والضحك والعيش،" يقول أليكسيس. وصولنا إلى غرفة مليئة بالمرايا بحسب المصممين يهدف إلى عكس فكرتين، الأولى: لا شيء مستحيل رغم وجود عوائق والثانية: قدرة تخطي تلك العوائق تكمن داخل كل شخص وأحياناً نكون نحن العائق الوحيد أمام أنفسنا. شرح أليكسس وليل لمشروعهما ونظرتهما لمجتمعنا والتحديات النفسية بشكل خاص أشعرني بأنهما يعملان على ما هو أوسع من مجرد عرض فني لـ"بيع مشروع" رابح.

عمل آخر يحمل عنواناً جدلياً ولكن هو الأقرب إلى الواقع: "جيل النفايات" وهو مشروع قامت به مجموعة من الطلاب (كاي بردويل، ميشيل-نورزيان، شربل كورباني، ناهي الخوري، شربل أبو شقرا) يعرض كيف يمكن إنقاذ نهر بيروت من كارثة النفايات التي تحل به والمجارير والصرف الصحي الذي يصب في مصارفه عبر تحويله إلى واجهة بيئية جميلة – فجيلنا اليوم معروف بالجيل الذي لا زال يعيش حتى اليوم أزمة النفايات الصلبة ونفايات الصرف الصحي التي لا حل في الأفق لها. "جبل النفايات،" "الحذاء القابل للشحن،" و"عدة البقاء على قيد الحياة" فازوا في المراتب الثلاث الأولى بالترتيب.

1549973474967-Generation-Poubelle

"جبل النفايات" Génération Poubelle

في دردشة قصيرة مع ندى دبس (مصممة ديكور) وعضو لجنة التحكيم – قالت لي أنها لم تتوقع ما رأته من مشاريع: "المستوى أعلى بكثير مما كنت قد توقعته، ولفتني أيضاً المستوى العالي من الوعي والتفكير الذي تميز به هذا الجيل من المشاركين، وقد أثبتوا لي أنهم يفكرون بشكل عميق بجذورهم وانتمائهم إلى لبنان." شرحت دبس أن بعض الطلاب بدأ بطريقة سلبية وذلك بسبب قلة الفرص المتاحة في لبنان وبسبب الوضع العام ولكنهم نجحوا بكل الأحوال بتحويل تلك الطاقات إلي إيجابية بفضل إصرارهم فتميزت المشاريع برأيها بـ"رسائلها الإيجابية."

ولكن على الرغم من الرسالة الايجابية للحملة، ترى دبس أن لبنان لا يحوي أرضية كافية لتعزيز هذه المشاريع: "ربما من دون هذه المبادرة لم يكن الطلاب ليحصلوا على منصة لتطوير أفكارهم، لأنه وللأسف لا يتم تقديم تلك الفرص بشكل مستمر من القطاع الخاص في لبنان. هذا يتطلب وجود مبادرة من شركات كبيرة بالإضافة الى استثمار جهود إعلانية كبيرة أيضاً من أجل تسليط الضوء على المنتجات النهائية، وهو أمر لا يعدّ سهلاً في لبنان بسبب الأولويات المتغيرة بين فترة وأخرى."

1549973526583-The-Urban-Coutryard

The Urban Courtyard -الفناء الحضري لكارل وجاد سلوان

مصممي الأزياء قزي وأسطى وهما أيضاً أعضاء لجنة التحكيم تمنوا أن يتابع الشبان والشابات العمل على تلك المشاريع أو تطوير مشاريع أُخرى مماثلة بعد المسابقة: "على الرغم من كون بعض المشاريع إيجابية إلى حد كبير، ولكننا نأمل أن تكون هذه المسابقة مجرد بداية لهم. لأن هناك عدة مشاريع يمكن أن تحدث تغييراً حقيقياً في لبنان. لا نظن أن المشاريع إيجابية ومتفائلة أكثر من اللازم، بل على العكس هذه الدفعة من الإيجابية مطلوبة جداً في لبنان تحديداً للاستمرار وتحديداً رؤية أن الجيل الجديد يفكر بحلول لمشاكل لبنان، ومنها على سبيل المثال معالجة النفايات. نحن نحاول ونحرص على قدر المستطاع تأمين فرص للتدريب في شركتنا، لأن هذه واحدة من الطرق للمساعدة في عالم الأزياء."

لا شك أن الطلاب عملوا جاهدين من أجل إبراز أفكارهم، ولعل القسم الذي أسعدني -وأحزنني- في الوقت نفسه هو عدم قدرة عدد كبير منهم التعبير عن نفسه بعيداً عن إطار الإيجابية الجميلة المحيطة بمشاريعهم، فشعرت لوهلة أنني أمام سيناريو مكرر يتم إلقاءه عند شرح كل فريق لي عن مشروعه. لقد كان الطلاب المشاركين متحمسين دون شك، ومتوترين أيضاً لأن عمل أشهر موجود على المحك في حال عدم فوزهم، ولكن بعض السلبية والتعمق في النقاشات ربما كان ليعكس بعداً عمقاً أكثر في معالجة مشاريعهم.

1549973597386-The-Expo-1

إذاً، هل نحن جيل نفايات لأننا فشلنا حتى اليوم بإحداث تغيير في لبنان؟ أم أن خطوات التغيير الصغيرة Baby steps تنطلق فعلاً من الجامعات لتشق طريقها وصولاً إلى صانعي القرار؟ لا شك أن أسئلة كثير دارت في ذهن زوار المعرض وفي ذهني أيضاً، ولكن الراسخ الوحيد الذي أسعدني هو انطلاق فكرة التغييرات والطموح والايجابية والتمسك بالحياة من قنينة ويسكي، في بلد سجلت فيها الشهور الخمس الأولى من عام 2018 المنصرم 100 حالة انتحار، بالإضافة إلى كون المسنّين الذين تتجاوز أعمارهم الـ60 سنة يشكّلون اليوم 11.5٪ من السكّان اللبنانيين - بحسب الأرقام التي قدّمتها دراسة لوزارة الشؤون الإجتماعيّة - في ظل لجوء عدد كبير من الشبان والشابات إلى الهجرة.

الصور مقدمة من القائمين على الحملة.