جن سحر


مجتمع

ابنتي ممسوسة: قصة يوم قضيته بصحبة فتاة عند دجال لفك المس

"مافيش بنت ترفض عرسان من الباب للطاق إلا لو كانت ممسوسة"
28.3.19

أثناء سنوات الطفولة التي قضيتها في قريتنا التي تقع بعيداً في صعيد مصر اعتدت على بعض الأمور التي كانت في نظري غريبة كأن بيت جارنا المهجور تسكنه العفاريت وأن كريمة جارتنا أُصيبت بالمس لأنها مرت من أمامه، ولكن مس الجن كان ينتشر بين بنات قريتنا لأسباب عدة، والجن مذكور في القرآن كما يخبرني أبي ولذلك لا يجب أن أعترض على ما أراه. حتى عندما كنت صغيرة أصبت بالمس أيضاً -حسب رواية أمي-وذهبت لأحد الدجالين أو كما تخبرني أمي "اسمهم مشايخ وليس دجالين." وبسبب خبرتي ومعرفتي المسبقة بالشيخ حسن ذهبت قررت في ذلك اليوم مع إحدى قريباتي وأن أسرد لكم كل ما حدث.

إعلان

كان المكان الضيق يعج بالزائرين القادمين من قرى صعيد مصر المجاورة، بالكاد وجدنا مكاناً نجلس فيه، أنا وصباح 25 عاماً، ووالدتها نجوى 47 عاماً. "يامراري ايه كل الزحمة دي مش قلتلك ياصباح أن الشيخ حسن رجل مبروك،" قالتها نجوى لابنتها صباح الساهمة وكأنها في مكان آخر، الحقيقة أن هذا لم يكن حال صباح وحدها كل الفتيات الموجودات كن على نفس الحال. كانت هناك فتاة أخرى يبدو أن عمرها لم يتعد بعد الثامنة عشر وكان يبدو على وجهها آثار الضرب المبرح، نظرت بريبة لوالدتها فبادرتني وكأنها تسرع بالدفاع عن نفسها؛ ابنتي مسحورة وترفض أن يقربها زوجها: "لفيت بيها كعب داير على كل المشايخ ومفيش فايدة، آخر واحد قالي بنتك راكبها جني عاشق ومن يومها وجوزها نازل فيها ضرب بس ابن النجسة مطلعش، قلنا نيجي للشيخ حسن يمكن يقدر يطلعه.. ده شيخ مبروك."

لا يزال هناك اعتقاد سائد لدى عامة الناس وعلماء الدين بأن المريض النفسي هو ممسوس، أي أن المريض يسكنه جن أو شيطان، فالصرع هو من فعل الجن، والاكتئاب والقلق والوسواس القهري هو من فعل العين والحسد

المشكلة أنه لا يزال هناك اعتقاد سائد لدى عامة الناس وعلماء الدين بأن المريض النفسي هو ممسوس، أي أن المريض يسكنه جن أو شيطان، فالصرع هو من فعل الجن، والاكتئاب والقلق والوسواس القهري هو من فعل العين والحسد. وهو أمر لا يمت للعلم والعقل بصلة. هذا الاعتقاد لا يمس شريحة واحدة بل المجتمعات الفقيرة والغنية، حيث تشير تقارير أن العديد سكان الدول العربية يعتقدون بأنهم ممسوسين وهناك الآلاف ممن يعملون في مجال العلاج بالرقية والدجل، حيث يوجد أكثر من 300 ألف دجال في مصر بحسب بعض الأرقام.

داخل غرفة الدجال المبروك. كيف جرت الأمور؟
كانت الغرفة معتمة اللهم إلا من ضوء أخضر طفيف كعلامة على البركة.. رائحة البخور تملأ الأجواء بشكل يحجب قليلاً رؤية مقتنيات الغرفة التي تمثلت في كراسي مهترئة وزجاجات مياه وحفرة في منتصف الغرفة يتصاعد منها الدخان الذي تعتمد كثافته على ما يلقيه الشيخ ليقوم بتغذتيها، كان الشيخ يرتدي ملابس بيضاء، وعليها شال أخضر وبيده مسبحة طويلة ويردد بين الحين والآخر: "حي حي ..َأعُوذُ بِاللهِ مِنْكَ.. ألعنك بلعنة الله يا باسط.. يا باسط.. ياسميع.. يامجيب."

وضع الشيخ حسن يده على رأس صباح ورتل بعد الآيات القرآنية، كان صوته عالياً بعدها تمتم في سره بعض الكلمات على زجاجة وأعطاها لصباح كي تشربها، وحين رفضت صباح شرب الماء صمم الشيخ حسن بأنها ليست في وعيها وأن الجن الذي يركبها، هو الذي رفض شرب المياه المبروكة حينها مد يده وتناول عصا غليظة وبدأت عملية الضرب المبرح في جسد صباح، تعالت من السيدة نجوى صرخة خرجت رغماً عنها وطلب منا الشيخ حسن الدخول في غرفة مجاورة حتى لا يبطل مفعول العلاج.

إعلان

في الغرفة المجاورة.. مع نجوى والدة الفتاة الممسوسة
لا أدري كيف كانت تبدو إمارات الارتياح على وجه نجوى والدة صباح، نظرت إليها متعجبة فقالت بأنها متفائلة خير بالشيخ حسن الأمين لأنه بركة، أخبرتها بأنه يضرب ابنتها في الداخل، فنظرت إليّ مشدوهة مصححة جهلي "ميضربهاش هي ده بيضرب اللي عليها.. ربنا ياخده بحق جاه النبي اللي موقف حالها ومخليها رافضة كل العرسان."

"مافيش بنت ترفض عرسان من الباب للطاق إلا لو كانت ممسوسة"

من حديثي مع الخالة نجوى تبين أن كل مشكلة صباح هي في رفضها لكل من يتقدم لخطبتها، تكاثر الكلام في القرية وذكر البعض أنه لا بد أن لها حبيب تعشقه وقال البعض الآخر أنها ربما سلمت نفسها لشاب من شباب المدن حين كانت تدرس بالمدينة، وهناك رأي آخر انتشر على استحياء وسط الآراء الأخرى فتشبثت به نجوى وهي احتمالية أن تكون صباح ممسوسة. كان هذا الاحتمال هو طوق النجاة للعائلة وسمعتها؛ أهون بكثير من أن تكون الفتاة قد لطخت شرف العائلة، حينها سألت الأم ما الذي أكد لها بأ ابنتها ممسوسة، ردت مسرعة: "مافيش بنت ترفض عرسان من الباب للطاق إلا لو كانت ممسوسة،" وأضافت نجوى أن حال ابنتها لم يعد يسر عدو ولا حبيب، إذ أصبحت ساهمة أغلب الوقت لا تتحدث مع أحد ولا تأكل وحين يتكلم معها أبوها تنفجر غاضبة.. لم تكن هكذا في السابق، كانت مطيعة وجميلة، وكان نفسي أفرح بيها."

صباح.. ماهي حكايتها؟
دلفنا إلى حجرة العلاج مرة أخرى، كانت صباح -على غير المتوقع- مبتسمة وفي نظرتها لوالدتها شيء من الرضا، انتهزت فرصة انشغال والدتها بالحديث مع الشيخ حسن الأمين، وسألتها عن سبب قدومها مع والدتها إلى هنا فإذا كانت قد تلقت تعليماً في المدينة فما الداعي إلى إيمانها بهذا النوع من العلاج. "الموضوع كبير عليكي عمرك ما هتفمهي،" كان هذا هو رد صباح وعندما ألححت عليها بدأت في التجاوب: بدأت القصة حين أنهيت دراستي الجامعية، طرق الخطاب باب أبي وأخبرني في المرة الأولى أن فلاناً سيأتي لقراءة الفاتحة، أخبرته بأني غير موافقة، فلم أفق حينها إلا وأنا على الأرض بعد صفعة مدوية من يد أبي.

جاء العريس في الموعد المحدد وجاءت والدته، طلبت من أمي أن تراني عارية تماماً من الملابس حتى تتأكد أن البضاعة سليمة مفهاش عيب، نظرت لأمي لعلها تنقذني ولكنها قالت لي هيا وخوفاً من العقاب، وافقت وفي الغرفة خلعت كامل ملابسي حتى تراني والدة العريس وبعد أن تفحصتني جيداً ذهبت ولم تعد. كان لتلك التجربة المريرة أثراً قاتلاً على نفسي ورفضت بعدها مقابلة والدات العرسان، ولكن كانت أمي تضغط عليّ وفي إحدى المرات أمسكتني هي وخالتي وخلعوا عني ملابسي، مع مرور الوقت فقدت القدرة تماماً على الشعور حتى أحس أهلي بأني أبدو غير طبيعية بالمرة، ويجب أن أذهب لشيخ حتى أتعافي وأعود لطبيعتي، من داخلي كنت أشعر فعلاً أن ثمة خطباً ما، وترسخ لدي يقين لا أدري من أين جاء بأني ممسوسة بالفعل وإلا لماذا أنا شاردة على الدوام.

فكرة المس جعلتني أشعر بالراحة يمكنني أن أصرخ في البيت بعلو صوتي، وأكسر الأواني الزجاجية، ولا سلطة تحاسبني لأني ممسوسة. لقد بصقت في وجه أبي بالأمس وشعرت بنشوة عارمة

سألتها: أنتي متعلمة لماذا لم تذهبي إلى طبيب نفسي؟ ضحكت مرة أخرى ورد قائلة هناك سببان أولهما أن المجتمع يتسامح مع الممسوسة ولا يسامح المجنونة أبداً تلك التي تطرق عيادات الطب النفسي، كما أن نتيجة العلاج النفسي لن تكون في صالح الأهل بأي حال من الأحوال: "فكرة المس جعلتني أشعر بالراحة يمكنني أن أصرخ في البيت بعلو صوتي، وأكسر الأواني الزجاجية، ولا سلطة تحاسبني لأني ممسوسة،" قالت لي: "أتعلمين لقد بصقت في وجه أبي بالأمس وشعرت بنشوة عارمة وبدأت في وصلة ضحك استمرت نصف ساعة بكيت بعدها بحرقة."

وماذا عن الضرب المبرح الذي تلقيته قبل قليل، سألتها، قالت لي "بعد كل مرة أذهب فيها من عند أي شيخ أشعر بأني في أفضل حال ولكن يعاودني التعب مرة أخرى، هذه المرة وعندما تلقيت الضرب المبرح شعرت فعلاً بالراحة وكأن حملاً ثقيلاً أُنزل من على كاهلي." سألتها: لماذا رفضت شرب الماء إذا كانت تؤمن بعلاج الشيخ حسن، ردت قائلة بأنها شربت الكثير من الماء "المبروك" ولم تتحسن.

إعلان

الشيخ حسن الأمين.. المسكن الذي يوهم مرضاه بالعلاج
كان يجب حتى يكتمل علاج صباح أن تتحمم، ولأن الماء المبروك قد قُرأ عليه آيات من القرآن فلا يجوز أن تتحمم في الحمام ولكن يجب أن تستحم في الغرفة المجاورة ببيت الشيخ حتى لا يضرها الجن، ذهبت صباح ووالدتها ووجدت فرصتي الذهبية في التحدث مع الشيخ حسن الأمين، بادرته بالسؤال عن كيف يتأكد أن الفتاة الممسوسة. أحس الشيخ حسن بأهميته وبدأ يتحدث عن كون علاج الممسوسين هبة من الله لا يعطيها إلا للصالحين وبأنه يملك بصيرة تجعله يعرف الممسوسة فوراً ولكنه أخبرني أن هناك بعض العلامات.

علامات المس بحسب الشيخ حسن هي: النفور من القرآن، ترك الصلاة، فقدان الشهية، عدم الرغبة في الاستحمام والنوم المضطرب وكثرة الضحك أو البكاء بدون سبب

أول هذه العلامات هي النفور من القرآن وعدم الرغبة في سماعه، وهناك أيضاً ترك الصلاة وفقدان الشهية، والغرابة في الكلام والأفعال وعدم الرغبة في الاستحمام والنوم المضطرب وكثرة الضحك أو البكاء بدون سبب (وهي كلها كما ترون علامات لأمراض نفسية معروفة). سألته عن طرق العلاج: أخبرني أن هذا يتوقف عن درجة المس، فهناك جن خفيف يرك الجسد بمجرد قراءة القرآن ولبس الحجاب، وهناك جن آخر لا يترك الجسد بسهولة وهذا يتطلب ضرب الجسد بقوة حتى يخرج دون أن تتأذى الفتاة. كيف يُصاب المرء بالمس ولماذا يتلبسه الجان سألته: فأجاب بأن للجان مملكة تعيش تحت الأرض ولكنهم يتصيدون أي فرصة للصعود: تلك الفرص هي سكب الماء المغلي على الأرض أو الصراخ والبكاء والعويل وقراءة القرآن في الحمامات الموصولة بشكل مباشر مع مملكة الجن، أو قراءة كتب السحر وتحضير الجان.

كنت استمع إلى كلام الشيخ وأنا اتذكر قصة دعاء- اسم مستعار- وهي الفتاة التي جلبها أهلها إلى الشيخ وكان يتحرش بها دائماً وبسبب الخوف من الفضيحة وشدة الثقة في الشيخ كتمت دعاء هذا الأمر بشدة ولم تخبر سواي، كانت تعرف من داخلها أن محاولة إخبار عائلتها بأمر الشيخ هو بمثابة الانتحار فهو محل ثقة القرية بأكملها. الحقيقة أن تلك المكانة التي تربع الشيخ عليها بكل قوة جاءت من القناعات الراسخة في مجتمعنا حول مس الجان، فلطالما ردد أبي على مسامعي آيات القرآن التي تؤكد أن الجان يعيشون معنا مثل الآية التي حفظتها عن ظهر قلب من سورة الأنعام "وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ."

انتهت صباح من التحمم وآن أوان المغادرة وطوال طريق العودة لم استطع سوى التفكير بحجم هذا الجهل والظلم، كيف يمكن أن يعمي الجهل عيون الناس إلى هذه الدرجة. ولكن في الحال جاءت فكرة أخرى "اللي بيخاف من العفريت بيطلعله." لقد صدق الناس في أمر المس بشدة حتى أحكم سيطرته على حياتهم فإذا شحب لون إحدى البنات قليلاً تكون ممسوسة.