Untitled_Artwork
مقال رأي

شخصيات نسائية كرتونية أرتني طريق الكتابة

بطلة جيلي الأساسية في ذلك الوقت كانت جودي آبوت، وجملة "عزيزي يا صاحب الظل الطويل"

"أريد أن أعرف ما الذي تعنيه كلمة أحبك."

هذه الجملة السحرية هي التي أعادتني إلى شخصيات الكرتون والأنمي التي ألهمت جيلي للكتابة. منذ عامين تقريباً بدأت الكتابة للصحافة، وجلست مع الكثير من الناس أستمع لقصصهم وأحاول نقلها للعالم. ووجدت نفسي أعود لشخصيات نسائية كرتونية كان لها ولا يزال دور كبير بحبي للكتابة، وآخرها كان مسلسل "فيوليت إيفرغاردن" الذي صدر عام 2018.

يحكي المسلسل قصة فتاة تربّت في الجيش ولا تعرف شيئاً سوى الحياة الحربية. بعد نهاية الحرب تعمل فيوليت في مكتب بريد، حيث توجد "دمى" متخصصة بالكتابة، وهن مجموعة من الفتيات يكتبن الرسائل عن الناس الآخرين بلغة منمقة ومفهومة بعد أن يشرح الزبون ما الذي يريد قوله، ويجدن له الكلمات المناسبة. فيوليت التي كانت تعمل في ترتيب البريد رأت كيف أن دمى الكتابة تعرف الكثير عن معاني الكلمات. عندما سمعت في العمل كلمة "أحبك" التي تكررت على مسامعها ولم تعرف معناها، طلبت أن تعمل في كتابة الرسائل، وكان السبب: "أريد أن أعرف ما الذي تعنيه كلمة أحبك."

إعلان

مع الوقت، تعلمت فيوليت كيف تشعر بالمسؤولية حيال ما تنقله على لسان شخصٍ ما، وهذا ربما أصعب ما في الأمر حين يتعلق الأمر بالكتابة، سواء كتابة مقال صحفي أم تفزيغ مقابلة. كيف يمكن اختصار ساعة من الحديث بمقطع صغير؟ كيف سأجعل هذا المقال مقروءاً وملفتاً، لكن ماذا لو أسقطت شيئاً؟ فيوليت تتعلم، وأنا أتعلم مثلها. لقد جددت عبارتها: "أريد أن أعرف ما الذي تعنيه كلمة أحبك" رغبتي في العمل في الكتابة، وأتخيل كم ستؤثر مشاهدة فيوليت على فتيات صغيرات سيرغبن بتعلم الكتابة كذلك.

في طفولتي كانت هناك عدة بطلات أيقظن هذه الرغبة في داخلي. أظن أن بطلة جيلي الأساسية في ذلك الوقت كانت جودي آبوت، وجملة "عزيزي يا صاحب الظل الطويل" التي تستهل بها جودي رسالتها، والتي قلدتها كثير من الفتيات لاحقاً في كتابة مذكراتهن، أو لكتابة بوستات يعبرن فيها عن مشاعرهن لشخص مجهول.

صاحب الظل الطويل لم يكن معروفاً لجودي، كان مجرد رجل يرعاها دون أن تعرفه، وهذا ما يجعل رسائلها تدور حول عالمها هي فقط، وما تتعرف عليه في هذا العالم وكيف تتعامل معه. في الرواية الأصلية يطلب "صاحب الظل الطويل" من جودي كتابة الرسائل بغزارة لغرض تدريبها على الكتابة، وليس فقط لمعرفة أخبارها. وكانت جودي تضع كل ما تتعلمه في رسالة هي أقرب لنص أدبي، قبل أن تبدأ بكتابة القصص للمجلات بشكل متقطع، وتحصل على مكافآت مالية مقابلها، وهنا تفكر باتخاذ الكتابة كمهنة. لا أزال أتذكر صوراً من المسلسل، جودي تجلس على طاولتها وأمامها كتبها، وتبدأ بالكتابة وهي بغاية الاستمتاع والسعادة. كان هناك سحر خاص بهذه الشخصية.

في وقت ما في الصف السادس أو السابع قلدت جودي وكتبت روايتي الأولى، دون أن أتمرن على الكتابة كما فعلت جودي مع الرسائل، لم يكن هناك من أرسل له رسالة. كل ما كنت أكتبه عدا وظائفي المدرسية هو على دفتر "المذكرات" لصديقاتي، وغالباً ما كان علينا أن نضع عبارات جاهزة مثل "أكتب لك بالمقلوب لتبقى المحبة في القلوب" عدا أني كنت أجتهد قليلاً وأحاول خلق عباراتي الخاصة لأبهر زميلاتي. ثم جاءت فكرة كتابة الرواية. حسناً، كان عليّ تقليد شيء ما، لا أعرف ما يكفي عن العالم المحيط بي، ولم يكن مشوقاً بما يكفي، بينما يكتب والد سينشي كودو من المحقق كونان روايات بوليسية، كما أن الكتاب الوحيد الذي حصلت عليه في ذلك الوقت كان لأغاثا كريستي.

إعلان

انتهى الدفتر الذي كتبت عليه واحدة من القصص البوليسية في سلة المهملات بعد انتقادات لاذعة من العائلة. فبالإضافة إلى سوء ما كتبت، خافوا من أن أفكر بالكتابة على أنها مستقبلي. ومثل جيفرس بندلتن، الذي رفض أن تعمل جودي في الكتابة، قال لي أهلي بأن الكتابة لا يمكن أن تكون مهنة لأحد.

فكرت: هذا ليس مهماً! آن شيرلي لم تعمل في الكتابة كذلك.

آن في البراري الخضراء أو "شمّا" في نسخة عربية ثانية، هي قصة أخرى عن معرفة العالم والكتابة للفتيات الصغيرات. مثل جودي نشأت آن في ميتم، وكانت تقرأ للعيش في عوالم خيالية بعيدة عمّا تعيشه في الواقع. وحتى عندما حالفها الحظ أخيراً، لم تتوقف آن عن هذا الخيال، وبدأت بكتابة القصص كنوع من التسلية مع صديقاتها التي أنشأت معهن ما يشبه نادي كتابة.

في النهاية لم نكن متأكدين ما إن كانت آن أصبحت كاتبة محترفة أو لا، فقد اختارت البقاء في القرية للعناية بالسيدة التي قامت بتربيتها. لم تكن مهنة الكتابة كل شيء بالنسبة لها، إنما العائلة. الكتابة كانت جزءاً من شخصية آن وطريقتها في العيش والمرح، وهذا كان ملهماً بحد ذاته أن تعطى قيمة للكتابة بعيداً عن الاحتراف وعن المهنة. آن اختارت ما تريده رغم امتلاكها للموهبة، لم تسمح لموهبتها بأن تسيطر على جميع خياراتها. في الحقيقة لم تكن آن ملهمة بقدر جودي، لكنها كانت ساحرة بطريقتها. كانت مزعجة وتتحدث كثيراً، وهذا ما كنت عليه وكانوا يسخرون مني لأجله. في آن كنت أجد عزاءً في أن هذه الثرثرة قد تعني شيئاً لطيفاً في النهاية. 

أخبرتني سيدة صديقة للعائلة بأن الكتابة لا يمكنها أن تكون جيدة إن لم يكن الكاتب شخصاً حزيناً وعاش حياة قاسية. صدقتها، لأن كلّاً من جودي وآن عاشتا في ظروف سيئة، بينما كانت طفولتي سعيدة، لذا لا يمكنني أن أكتب. أظن أن هذه السيدة كانت تتحدث عن الشعر، وربما الشعر العراقي الحزين.

إعلان

وفي كل الأحوال لم أكن أعرف ما الذي أريد كتابته على وجه التحديد، كنت أريد أن أكتب فقط. في سن أكبر فكرت في أن هذه الرغبة غير المحددة تعني بأني غير صالحة للكتابة. كنت قد بدأت أحصل على ما يمكنني الوصول إليه من كتب بشكل سري دون معرفة أمي، وأصبحت أتعرف على كتّاب حقيقيون. قررت حينها أن أقرأ فقط، وعدلت عن فكرة الكتابة.

ولكني عدت وغيرت رأيي عندما شاهدت بالصدفة على محطة "سبيستون" حلقة من أنمي لم أشاهده في طفولتي. في تلك الحلقة تقول البطلة الصغيرة إيميلي بإصرار وجدية: "أوه يجب أن أكتب." تركت كل شيء وتابعتها. إيميلي كانت شخصية مختلفة، فهي تعرف ما الذي تريد كتابته، وتتنقل بين الشعر والرواية وتجرب كل ما تستطيع تجربته رغم رفض الناشرين والمجتمع المحافظ من حولها الذي يرى أنها كفتاة عليها أن تهتم بأمور أخرى مثل الخياطة والتطريز والعمل المنزلي.

لم يكن مسلسل إيميلي مناسباً لسني، كان متوجهاً لفئة عمرية لا تتجاوز 12 عاماً تقريباً، مع ذلك شعرت أن عليّ متابعته، كان عليّ أن أوقظ هذه الرغبة مجدداً بهذا البراءة بعيداً عمّا يقرره أصدقاء العائلة وغيرهم، بعيداً عن افتراضات مسبقة عمّا يجب أن أكون. 

بعد قيامي ببعض البحث، علمت أن مسلسل إيميلي مقتبس عن رواية اسمها "إيميلي في القمر الجديد" وهي رواية للكاتبة لوسي مود مونتغمري، التي كتبت آن في البراري الخضراء. في النهاية، تحصل إيميلي على الدعم عند كتابتها رواية أحبها الأصدقاء والعائلة، لكنها لم تكن صالحة للنشر بالنسبة للناشرين، الأمر الذي جعل أحد سكان القرية يقرر نشرها بشكل مختلف. يتناقل الناس النسخة فيما بينهم حتى قرأ جميع سكان القرية الرواية، ثم وصلت إلى كاتبة شهيرة دعتها إلى نيويورك.

"كانت هذه الرواية نعمة فقد أدخلت السعادة إلى قلوب الناس" تُقال هذه الجملة على لسان الرواية. بقيت هذه الجملة في بالي، وقمت بشراء رواية إيميلي كما غيرها من الروايات التي أحتفظ بها لمسلسلات الكرتون المفضلة لدي، فأنا أعود هذه الروايات كلما ضللت طريقي.

أفكر دائماً؛ ماذا لو لم أشاهد أيّا من هذه الأعمال؟ هل كنت سأهتم بالكتابة؟ هل كانت فكرتي عن الكتّاب ستكون أنهم رجال عجائز فقط؟ ربما. ما أعرفه أن هذه الشخصيات ألهمت الكثيرات غيري، ويمكنني أن أضيف "ساندي بيل" إليهن.

ربما لم نر ساندي بيل ككاتبة، لكنها كانت صحفية متدربة تبحث عن القصص للجريدة التي تعمل معها، وتطمح لأن تكون صحفية حقيقية يوماً ما. ساندي بيل نموذج آخر مختلف، لكنه يصب في مجال الكتابة أيضاً. وربما كانت المرة الأولى التي تعرفنا فيها على صحفية فتاة تلهمنا لما نريد أن نكونه في المستقبل.