IMG_0029
مقال رأي

كيف تفوق حبي لأصدقائي على محاولاتي العتيدة لإيجاد حبيب

كنت أبحث عن الحب في المكان الخاطئ

آه من الحب، وعذاب الحب، تغني أم كلثوم. أحب الأغنية، أحب أم كلثوم ولكني لا أدعي أنني عرفت الحب أو عذابه. أنا واحدة من تلك الفئة المنزوية في ركنها التي لم تقع بالغرام، ولا شعرت بالفراشات المتراقصة في البطن قبل موعد غراميّ.

كنت أشعر بالخجل في كل مرة يتم سؤالي إذا كنت في علاقة حب، ولهذا أحاول ما أمكن تفادي المناسبات التي تجعلني في مرمى أهداف الأسئلة المحرجة والشخصية. وعندما لا أجد مهربًا من الجواب، فإنني أجد نفسي أعطي مبررات للسبب وراء عدم وجود أي علاقة حب في حياتي، وعادة ما يكون المبرر هو العمل. أشعر أنني مجبرة بشكل ما على تقديم تبرير يشفي غليل الفضول الذي يأكل نفوس المحيطين بي.

إعلان

بالنسبة للأشخاص غير المرتبطين والذين لا يمكن اعتبار حياتهم العاطفية "نشطة" كفاية، فإن ثقل أحكام المجتمع تضغط عليهم من كل جانب، الأمر أشبه بتجريدنا من شخصيتنا وإنجازاتنا ونجاحاتنا، واختزال كياننا بأكمله في علاقة عاطفية محددة.

ولكن في حين أن الأهل والجيل الأكبر سناً يرى العلاقات العاطفية والوقوع في الحب أمراً أساسياً في التجرية الحياتية، إلا أنني كشابة من جيل الألفية أجد أن الوقوع بالحب والعلاقات العاطفية لم يعد لديها تلك الهالة، وهذا ما تؤكد عليه دراسة أجراها تطبيق المواعدة Happn، حيث تبين أن ثلث الشباب من جيل الألفية وجيل زد فقط يرغبون في إيجاد الحب في هذه السنة الجديدة، و٣٢ بالمئة فقط يفكرون بالزواج.

جائحة كورونا التي لم تترك جانبًا من حياتنا إلّا وخَلفت بصمتها عليه، هي واحدة من الأسباب التي جعلتني أنظر للعلاقات من زاوية أخرى. كل العلاقات، العاطفية وغير العاطفية. لقد وفرت لنا فترة الحجر الصحي الوقت الكافي للتوقف قليلًا وإعادة ترتيب أوراقنا وأولوياتنا. أصبحنا أكثر وعيًا بصحتنا النفسية ولم نعد نبني قراراتنا على توقعات المجتمع، بل على ما يُشعِرنا نحن بالراحة. هنا بالضبط بدأت اهتماماتنا تتغير، حتى تلك المرتبطة بالارتباط العاطفي والزواج. 

أظن أننا نستطيع جميعًا لمس هذا النضج الذي اعترى جيلنا مؤخرًا. أنا عن نفسي، لاحظت أن جميع علاقاتي الاجتماعية تأثرت بجائحة كورونا. تؤكد خبيرة المواعدة إبيك كوجوك أن "العزّاب قد مروا بفترة عصيبة. لقد توقفت حياتنا العاطفية لوقت أطول مما كان متوقعًا. لكن مع ذلك، سمح لنا الأمر بالحصول على الوقت الكافي لتقييم نجاحاتنا وإخفاقاتنا آملين أن نتعلم دروسًا جديدة على طول المشوار."

إعلان

لم تتأخر هذه الدروس كثيرًا لتصل إلينا. صحيح أن بعضنا قد أوقف عجلة الزمن فيما يتعلق بالجانب العاطفي، لكننا في الوقت نفسه اتجهنا نحو بناء علاقات أخرى، علاقات الصداقة التي لم تتوانى عن إنقاذنا من وحدتنا.

تقول الدكتورة سامنثا رينالز، عالمة النفس الإكلينيكي وواحدة من مؤسسي عيادة ADOBE: "خلال الجائحة، كان لدى الناس الوقت الكافي للتفكير في ما يضيف قيمة لحياتهم. الوعي بقيمة التفاعل الاجتماعي في فترة الجائحة دفع بالكثيرين إلى إعطاء الأولوية لجودة الصداقات بدل عددها… مع تعرض الناس لمزيد من الضغط والإرهاق والقلق وتدني الحالة المزاجية طوال فترة الوباء، فإنهم تمكنوا من تكوين فكرة أفضل عمّا يجب أن تقدمه لهم صداقاتهم."

في الوقت الذي كنت أبحث فيه عن الحب في العلاقات العاطفية، أهملت أشخاصًا لا يقلون أهمية عن الحبيب: الأصدقاء

لطالما كنت شخصًا انطوائيًا يستمتع بالوحدة ويتجنب المناسبات الاجتماعية. هذه الانطوائية جعلتني أطور نظام دفاع داخلي ساعدني على الاستقلال عاطفيًا والاكتفاء بذاتي. لقد كنت أقوم بكل تفصيلة في حياتي لوحدي: إصلاح ما تكسر في البيت، الذهاب إلى البقالة، السفر، الخروج في نزهة، إلخ. وقد ساهمت تربية والدي لي بشكل كبير في تغذية هذه الاستقلالية وإنمائها. لكنني في الوقت نفسه كنت أحس بفراغ عاطفي بداخلي لا أستطيع ملأه أو إشباعه مهما تعددت أنشطتي اليومية. كنت أحاول تعويض نقص الأصدقاء والأحباء من حولي بالدراسة والعمل، بالتزامن مع بعض الهوايات. ولم يكن انغماسي في مشاغل الحياة سوى طمس ضمني لما أحسه من غياب للحب في علاقاتي. ولعل ما أجج هذه المشاعر المتضاربة بداخلي كان ابتعادي عن المواعدة لسنوات طوال. 

إعلان

ولكن في الوقت الذي كنت أبحث فيه عن الحب في العلاقات العاطفية، أهملت أشخاصًا لا يقلون أهمية عن الحبيب: الأصدقاء. تأكدت لي أهمية هذا النوع من العلاقات خلال فترة الحجر الصحي. لقد مرت الأشهر عصيبة على نفسيتي وانهار استقلالي العاطفي الذي لم يكن بالصلابة التي تخيلتها. لقد احتجت تواجد شخص بجانبي، وروح ثانية تؤنس روحي وتذيب جليد قلبي الذي كونته سنين من التعنت ورفض المساعدة. لأول مرة في حياتي، اقتنعت أننا لم نولد لنعيش وحيدين، ولكن لنجد توائم أرواحنا في أشخاص يشاركوننا أوجاعنا بكل عفوية وحب، وبدون أن يكون لهذه العلاقات بالضرورة رموزًا رومانسية.

لم أستوعب أهمية التواصل العميق بين الأصدقاء دون مصالح أو نيات مُضمَرة، إلا عندما فتحت قلبي لاستقبال هذا النوع الجميل من الحب. عندما أصبت بفيروس كورونا وأنا أعيش لوحدي بعيدًا عن عائلتي، لم أجد أمامي سوى أصدقائي المقربين الذين أمسكوا بيدي وعبروا بي إلى بر الأمان العاطفي. هم من كانوا يوصلون لي الأكل إلى عتبة الباب كل يوم، وهم من كانوا يتصلون على الأقل مرة في اليوم للاطمئنان على حالي، وهم من رافقوني ماديًا ومعنويًا طيلة فترة شفائي… أين يمكن إيجاد مثل هذا الكمّ من الحب والدعم النفسي دون مقابل أو مصلحة؟ 

لوقت طويل، كنت أربط الحب والمساندة والمرافقة بالعلاقات العاطفية الرومانسية، ظناً مني أن ما يجمعنا كأصدقاء هو قضاء وقت ممتع وكسر الضجر والملل. لكن أدركت لاحقاً أن علاقات الصداقة أعمق من هذا بكثير. وحتى أكون صريحة، فإن ما كان يمنعني من طلب مساعدة أصدقائي والاستنجاد بهم وقت الحاجة، هو خوفي من أن أكون ثقلًا على كاهلهم أو أن أزعج راحتهم مع أحبائهم. لطالما كنت أعتقد أن هذا النوع من الحب هو حكر على العلاقات الرومانسية فقط، حتى أنني كنت أظن أن المشكلة متعلقة بي، وأنني غير قادرة على السماح لنفسي ببناء علاقات صداقة تحمل هذا الشعور الروحي الدافئ، كما الفراشات المتراقصة في البطن.

الحقيقة أنني كنت أبحث في المكان الخاطئ.

لقد تمكنت أخيراً من تجاوز المعتقدات التي تربينا عليها حول الحب، وعدم وضع علاقاتنا الرومانسية كأولوية وكمقياس لحساب مدى نجاحنا في إيجاده. الحب موجود حولنا وهو بانتظارنا في كل مكان. وحتى يأتي الحب في الشكل الذي نريده -والذي يناسبنا- لنفتح قلوبنا قليلًا لاستقبال مشاعر جديدة من طرف أصدقائنا وقبول أن علاقاتنا معهم هي شكل من أشكال النمو والتناغم الروحي. علاقات الصداقة لا تعوض عن الحب، ولكن هي الحب بذاته.