لبنان

الهجرة من لبنان ... ذهاب دون عودة

"قررت هاجر، لأن أهلي بطلوا يِحملوا خوف علينا، الواحد ما بيعرف كيف ووين وليش رح يموت بلبنان"
حنان الكبت
Dubai, AE
30.8.20
ali-abdul-rahman-JOgQUlO6JXU-unsplash

"يلي صار بلبنان صورة ما رح تنمحي من راسي قد ما حكيت. لنأمن على حياتنا ومستقبلنا، الهجرة هي الخيار الوحيد بأيدينا." تخبرني كالين الحاج، 22 عامًا، عن أنها انتهت من تقديم اوراق الهجرة لكندا وأستراليا، وهي الآن تنتظر أن تسمع من إحدى البلدين. 

كالين هي واحدة من الكثير من اللبنانيين الذين فقدوا الأمل في تحسن الأوضاع في بلدهم ووجدوا الهجرة الحل الوحيد أمامهم، حيث قضى انفجار مرفأ بيروت على أي أمل بمستقبل أفضل بالنسبة لهم. "كان أخي بمنطقة المرفأ قبل ساعة واحدة من الانفجار، تخيلي لو تأخر ساعة فقط. ما زلنا نعيش في الخوف، لا أشعر بأمان في بلدي، ممكن في أي لحظة أموت. هذا هو السبب الذي جعلني أفكر بالهجرة، شعوري بالقلق من أن أخسر شخص من أهلي،" تضيف كالين.

إعلان

وبحسب التقارير، يعيش نصف سكان لبنان الآن تحت خط الفقر، فيما فقد أكثر من 70 ألف شخص وظائفهم جراء الانفجار، في الوقت الذي يصل معدل البطالة بين صفوف الشباب إلى 30٪ مع إغلاق العديد من المتاجر والشركات أبوابها. وبحسب تقرير للجنة الأمم المتحدة الاجتماعية والاقتصادية لغربي آسيا فقد "ارتفعت نسبة الفقر في لبنان لتصل إلى 55٪ هذا العام بعد أن كانت 28٪ عام 2019. كما ارتفعت نسبة الذين يعانون من الفقر المدقع ثلاثة أضعاف من 8% إلى 23٪" في الفترة ذاتها، وتقلصت نسبة ذوي الدخل المتوسط إلى أقل من 40٪ من السكان. بين ثورة لإسقاط الحكومة، بطالة، سقوط الليرة اللبنانية، غلاء في الأسعار، وباء كورونا، وآخرها انفجار مرفأ بيروت، أصبحت هناك أسباب كافية تدعو اللبنانيين إلى الهجرة للخارج.

 تيريزا هليّل، 17 عامًا، في سنتها الأخيرة في المدرسة قدمت طلب هجرة إلى كندا مع عائلتها كذلك، وهي تأمل أن تتمكن من بناء مستقبلها وحياتها الجامعية في مكان آمن: "أنا بيت ستي بالأشرفية تكسر بعد الانفجار، بس الله ستر هي كانت عنا بوقتا. الوضع كلو صار بشع بلبنان وزاد الوضع سوءًا بعد الانفجار." تقول تيريزا  أنها لم تعد تستطع رؤية بلدها في هذا الوضع: "كل شيء ينهار أمام أعيني وأنا لا أستطيع تغيير ما يحدث. يمكن عمري صغير بس ما عشناه كبرنا 20 سنة لقدام. الغربة صعبة والهجرة ليست بالأمر السهل، لكن على الأقل أنا متيقنة أنّ حياتي ستكون أكثر أماناً في الخارج. قررت هاجر، لأن أهلي بطلوا يحملوا خوف علينا، الواحد ما بيعرف كيف ووين وليش رح يموت بلبنان."

لست مستعداً لأن أنتظر طوال حياتي حتى يتحسن حال البلد

ويواجه لبنان منذ فترة شحّاً في السيولة مع ارتفاع مستمر في أسعار المواد الأساسية وفرض المصارف إجراءات مشدّدة على العمليات النقدية وسحب الدولار، فيما خسرت الليرة اللبنانية نحو ثلث قيمتها أمام الدولار. حتى قبل الانفجار، شعر الناس في لبنان أنه لم يعد هناك أمل في البلاد، كما يقول إدي عبيد، 19 عامًا: "الأمل؟ ليس هناك الآن ما يدعى أمل في لبنان، أنا حالياً انتظر الموافقة ليتم قبول طلبي وأهاجر بعيداً. بس اضهر لبرا رح بلش من الصفر، راحت علي سنة بالجامعة. بس مع هيك بدي اتعلم برا لأنّ بهذا البلد اكتشفنا عم يحرقولنا سنين من حياتنا وما عم نستفيد شي." ويضيف: "في بلاد بده، هناك شيء يدعى احترام حقوق المواطن، في لبنان أبسط حقوقنا مثل الكهرباء ليست متوفرة للشعب. لهذا اتمنى أن أخرج من هذا البلد وأسس حياة جديدة ومستقبل أفضل. لست مستعداً لأن أنتظر طوال حياتي حتى يتحسن حال البلد."

إدي وكالين وتيريزا وغيرهم من الشباب في لبنان يسلكون اليوم طريق الهجرة هرباً من أزمات البلد التي لا يبدو أن لها نهاية، حيث ارتفعت نسبة الذين غادروا في العام الماضي، وآخرين يملؤون اليوم طلبات الهجرة للالتحاق ممن سبقهم في الخارج، إما للعمل أو لإكمال تعليمهم.  وتقدر مؤسسة "الدولة للمعلومات" للأبحاث والإحصاءات عدد اللبنانيين الذين غادروا البلاد من دون عودة في العام 2019 وصل إلى 61,924 مقارنة بـ41,766 في العام السابق أي زيادة بنسبة 42 في المئة. فيما بلغ معدل البحث في غوغل، عن كلمة "هجرة" في لبنان بين شهري نوفمبر وديسمبر حدّه الأقصى خلال خمس سنوات.

إعلان

وبحسب تقرير لصحيفة The Globe and Mail الكندية فقد تقديم أكثر من 200 طلب لجوء لكندا من لبنان في الأشهر الثلاثة الأولى من العام. ويمثل هذا العدد من طلبات اللجوء زيادة كبيرة عن العامين الماضيين. في عام 2019 بأكمله، قدم 552 شخصًا طلب جوءً من لبنان، مقارنة بـ 439  طلب في عام 2018، وفقًا لإحصاءات مجلس الهجرة واللاجئين الكندي.

"وصلنا الى حائط مسدود،" تقول نغم سرور، 26 عامًا، عن سبب قرارها بالهجرة: "نحن كعائلة صغيرة مكونة من 3 أشخاص فكرنا بالهجرة من أجل ابنتنا التي تبلغ من العمر 4 سنوات. نعم، أحب لبنان لكن أصبحنا نقبض نصف المعاش وممكن بأي لحظة نخسر عملنا. بعد الانفجار، نصف المحلات أغلقت، البيوت تدمرت، وهناك العديد من الشركات غير قادرة على الاستمرار ودفع الرواتب. بالإضافة إلى انخفاض قيمة الليرة اللبنانية منذ أقل من سنة بنسبة ٨٠٪ بعد أن انهارت العملة الوطنية مقابل الدولار. كل هذه أسباب جعلتنا نفكر بالرحيل، ونحن الآن نعمل على أوراقنا من أجل طلب الهجرة. أشعر بالخوف مما ينتظر ابنتي، وأريدها أن تعيش بأمان." 

في ظل الأزمات السياسية المتتالية منذ الحرب الأهلية عام 1975، تحوّل لبنان على مرّ السّنوات إلى بلد مورد للمهاجرين. وبرغم من عدم توفر إحصاءات رسمية، تشير تقديرات إلى أنّ عدد اللبنانيين في الخارج يساوي أكثر من ضعف عدد سكّان البلاد الذي يقدّر بأكثر من أربعة ملايين نسمة. 

أي شخص قادر على الرحيل ما يقصر، يروح يشوف حياتو ويعيش بكرامة

 إيلي عازوري، 29 عامًا، خريج جامعي ويحمل شهادة ماجستير، لم يتمكن من الحصول على أي وظيفة في لبنان منذ 3 سنوات، ولهذا قرر على تقديم  طلب هجرة إلى فرنسا، كما يقول: "أريد أن أسس نفسي وأساعد أهلي من الخارج، كما أنّها فرصة جيدة لأجمع بعض المال للزواج. بهيدا البلد قتلونا وهني عايشين بأمان. لشو ناطرين؟ بطل في شي بهالبلد، شو بعد بدنا نضل نعمل هون. كهرباء ما في، ماء ما في، شغل ما في، وأمان ما في." أي شخص قادر على الرحيل ما يقصر، يروح يشوف حياتو ويعيش بكرامة."

"قبل كم سنة للوراء، كنت أخطط أن أتعلم وأحصل على شهادتي الجامعية وأعمل في لبنان، وعلى الرغم من انهيار الوضع الاقتصادي، شعرت أنّ هناك أمل، بيشتغل الواحد شي شغلة، بيطلع مصاري شوي، بيصرف شوي، وبيساعد أهله شوي حتى لو ما في مصاري بالبلد،" تقول كالين في النهاية: "لكن بعد انفجار مرفأ بيروت، فقدت الأمل. هيدا الانفجار بالفعل حطم كل انسان، ما عم بحكي عن الماديات والبيوت المكسرة.. حطم كل إنسان من الصغير للكبير من جوا، صار في جرح كبير بعدو عم ينزف."